روابط مصاحف م الكتاب الاسلامي

مصاحف م الكتاب الاسلامي روابط

/ / / / / / /

Translate

الاثنين، 20 يونيو 2022

كتاب : إعلام الناس بما وقع للبرامكة -الإتليدي

كتاب : إعلام الناس بما وقع للبرامكة -الإتليدي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف الحمد لله الذي أنزل الكتاب المبين، على أشرف الأنبياء والمرسلين، وقص عليه أخبار المتقدمين والمتأخرين، وعلمه ما كان وما يكون إلى يوم الدين، نحمده إذ جعلنا من أمته، ونشكره على عطائه ومنته، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إذ من علينا بمعرفة أحوال من مضى من الأمم، ولم يكشف عنا ستره إذا زل بنا القدم، وجعلنا أمة عدولاً وسطاً، وشهد لنا بذلك في الكتاب المعظم المكرم، فقال تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " ، فظهر الفضل بما جاد به وتكرم، ونشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله الذي قال: " أدبني ربي فأحسن تأديبي " ، فساد على جميع الأنبياء وعليهم تقدم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد، فيقول العبد الفقير الضعيف ذو العجز: والتفريط في أيامه، وكثير التخليط وزيادة آثامه، محمد يعرف بدياب الأتليدي من إقليم المنية الخصيبية، سألني بعض الإخوان الموفقين ممن لا يسعني مخالفته، أن أجمع له شيئاً مما وقع في زمن الخلفاء المتقدمين من بني أمية، والخلفاء العباسيين. فأجبته لذلك مع علمي أني لست أهلاً لذلك، فقد قالوا: الامتثال خير من الأدب، وسميته: إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس " . وابتدأت في ذلك بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، تبركاً به وبذكره.
عمر والعجوز المدينية قيل: لما رجع عمر، رضي الله عنه، من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس ليتعرف أخبار رعيته، فمر بعجوز في خباء لها فقصدها.
فقالت: ما فعل عمر رضي الله عنه؟ قال: قد أقبل من الشام سالماً.
فقالت: يا هذا! لا جزاه الله خيراً عني! وقال: ولمَ؟ قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمر المسلمين ديناراً ولا درهماً.
فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله ! والله ما ظننت أن أحداً يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها.
فبكى عمر رضي الله عنه، وقال: وا عمراه، كل أحد أفقه منك حتى العجائز يا عمر.
ثم قال لها: يا أمة الله! بكم تبيعيني ظلامتك من عمر، فإني أرحمه من النار؟ فقالت: لا تهزأ بنا، يرحمك الله.
فقال عمر: لست أهزأ بك.
ولم يزل حتى اشترى ظلامتها بخمسة وعشرين ديناراً.
فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين! فوضعت العجوز يدها على رأسها وقالت: وا سوأتاه! شتمت أمير المؤمنين في وجهه؟ فقال لها عمر رضي الله عنه: لا بأس عليك، يرحمك الله، ثم طلب قطعة جلد يكتب فيها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما اشترى عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي الخلافة إلى يوم كذا، بخمسة وعشرين ديناراً. فما تدعي عليه عند وقوفه في المحشر بين يدي الله تعالى فعمر بريء منه، شهد على ذلك علي وابن مسعود.
ثم دفعها إلى ولده وقال له: إذا أنا مت فاجعلها في كفني ألقى بها ربي.
عمر والشاب القاتل وأبو ذَرّ
قال شرف الدين حسين بن ريان: أغرب ما سمعته من الأخبار، وأعجب ما نقلته عن الأخيار، ممن كان يحضر مجلس عمر بن الخطاب، أمير المؤمنين، ويسمع كلامه قال: بينما الإمام جالس في بعض الأيام، وعنده أكابر الصحابة، وأهل الرأي والإصابة، وهو يقول في القضايا، ويحكم بين الرعايا، إذ أقبل شاب نظيف الأثواب، يكتنفه شابان من أحسن الشبان، نظيفا الثياب، قد جذباه وسحباه وأوقفاه بين يدي أمير المؤمنين، ولبباه. فلما وقفوا بين يديه، نظر إليهما وإليه، فأمرهما بالكف عنه. فأدنياه منه وقالا: يا أمير المؤمنين، نحن أخوان شقيقان، جديران باتباع الحق حقيقان. كان لنا أب شيخ كبير، حسن التدبير، معظم في قبائله، منزه عن الرذائل، معروف بفضائله، ربانا صغاراً، وأعزنا كباراً، وأولانا نعماً غزاراً، كما قيل:
لنا والدٌ لو كان للناس مثله ... أبٌ آخرٌ أغناهم بالمناقب
خرج اليوم إلى حديقة له يتنزه في أشجارها، ويقطف يانع ثمارها، فقتله هذا الشاب، وعدل عن طريق الصواب. ونسألك القصاص بما جناه، والحكم فيه بما أراك الله.
قال الراوي: فنظر عمر إلى الشاب وقال له: قد سمعت، فما الجواب؟
والغلام مع ذلك ثابت الجأش، خال من الاستيحاش، قد خلع ثياب الهلع، ونزع جلباب الجزع، فتبسم عن مثل الجمان، وتكلم بأفصح لسان، وحياه بكلمات حسان ثم قال: يا أمير المؤمنين، والله لقد وعيا ما ادعيا، وصدقا فيما نطقا وخبرا بما جرى، وعبرا بما ترى، وسأنهي قصتي بين يديك والأمر فيها إليك: اعلم، يا أمير المؤمنين، أني من العرب العرباء، أبيت في منزل البادية، وأصيح على أسود السنين العادية، فأقبلت إلى ظاهر هذا البلد بالأهل والمال والولد، فأفضت بي بعض طرائقها، إلى المسير بين حدائقها، بنياق حبيبات إلي، عزيزات علي، بينهن فحل كريم الأصل، كثير النسل، مليح الشكل، حسن النتاج، يمشي بينهن كأنه ملك عليه تاج. فدنت بعض النوق إلى حديقة قد ظهر من الحائط شجرها، فتناولته بمشفرها، فطردتها من تلك الحديقة. فإذا شيخ قد زمجر، وزفر، وتسور الحائط، وظهر وفي يده اليمنى حجر، يتهادى كالليث إذا خطر، فضرب الفحل بذلك الحجر، فقتله وأصاب مقتله. فلما رأيت الفحل قد سقط لجنبه وانقلب، توقدت في جمرات الغضب، فتناولت ذلك الحجر بعينه، فضربته به، فكان سبب حينه، ولقي سوء منقلبه، والمرء مقتول بما قتل به بعد أن صاح صيحة عظيمة، وصرخ صرخة أليمة فأسرعت من مكاني فلم يكن بأسرع من هذين الشابين، فأمسكاني وأحضراني كما تراني.
فقال عمر: قد اعترفت بما اقترفت، وتعذر الخلاص، ووجب القصاص، ولات حين مناص.
فقال الشاب: سمعاً لما حكم به الإمام، ورضيت بما اقتضته شريعة الإسلام، لكن لي أخ صغير، كان له أب كبير، خصه قبل وفاته بمالٍ جزيل، وذهب جليل، وأحضره بين يدي، وأسلم أمره إلي، وأشهد الله علي، وقال: هذا لأخيك عندك، فاحفظه جهدك، فاتخذت لذلك مدفناً، ووضعته فيه، ولا يعلم به إلا أنا، فإن حكمت الآن بقتلي، ذهب الذهب، وكنت أنت السبب، وطالبك الصغير بحقه، يوم يقضي الله بين خلقه، وإن أنظرتني ثلاثة أيام، أقمت من يتولى أمر الغلام، وعدت وافياً بالذمام، ولي من يضمنني على هذا الكلام.
فأطرق عمر، ثم نظر إلى من حضر، وقال: من يقوم على ضمانه والعود إلى مكانه؟ قال: فنظر الغلام إلى وجوه أهل المجلس الناظرين، وأشار إلى أبي ذَرّ دون الحاضرين، وقال: هذا يكفلني ويضمنني.
قال عمر: يا أبا ذر، تضمنه على هذا الكلام؟ قال: نعم، أضمنه إلى ثلاثة أيام.
فرضي الشابان بضمانة أبي ذرّ وأنظراه ذلك القدر. فلما انقضت مدة الإمهال وكاد وقتها يزول أو قد زال، حضر الشابان إلى مجلس عمر والصحابة حوله كالنجوم حول القمر، وأبو ذرّ قد حضر والخصم ينتظر. فقالا: أين الغريم يا أبا ذرّ؟ كيف يرجع من فر، لا تبرح من مكاننا حتى تفي بضماننا.
فقال أبو ذَرّ: وحق الملك العلام، إن انقضى تمام الأيام، ولم يحضر الغلام، وفيت بالضمان وأسلمت نفسي، وبالله المستعان.
فقال عمر: والله، إن تأخر الغلام، لأمضين في أبي ذرّ، ما اقتضته شريعة الإسلام.
فهمت عبرات الناظرين إليه، وعلت زفرات الحاضرين عليه، وعظم الضجيج وتزايد النشيج، فعرض كبار الصحابة على الشابين أخذ الدية واغتنام الأثنية، فأصرا على عدم القبول، وأبيا إلا الأخذ بثأر المقتول.
فبينما الناس يموجون تلهفاً لما مر، ويضجون تأسفاً على أبي ذرّ إذ أقبل الغلام ووقف بين يدي الإمام وسلم عليه أتم السلام ووجهه يتهلل مشرقاً ويتكلل عرقاً وقال: قد أسلمت الصبي إلى أخواله، وعرفتهم بخفي أمواله وأطلعتهم على مكان ماله. ثم اقتحمت هاجرات الحر، ووفيت وفاء الحر.
فعجب الناس من صدقه ووفائه، وإقدامه على الموت واجترائه.
فقال: من غدر لم يعف عنه من قدر، ومن وفى، رحمه الطالب وعفا، وتحققت أن الموت إذا حضر، لم ينج منه احتراس، كيلا يقال: ذهب الوفاء من الناس.
فقال أبو ذَرّ: والله، يا أمير المؤمنين، لقد ضمنت هذا الغلام، ولم أعرفه من أي قوم، ولا رأيته قبل ذلك اليوم. ولكن نظر إلي دون من حضر فقصدني وقال: هذا يضمنني، فلم أستحسن رده، وأبت المروءة أن تخيب قصده، إذ ليس في إجابة القاصد من بأس، كيلا يقال: ذهب الفضل من الناس.
فقال الشابان عند ذلك: يا أمير المؤمنين، قد وهبنا هذا الغلام دم أبينا، فبدل وحشته بإيناس، كيلا يقال: ذهب المعروف من الناس.
فاستبشر الإمام بالعفو عن الغلام وصدقه ووفائه، واستفزر مروءة أبي ذرّ دون جلسائه، واستحسن اعتماد الشابين في اصطناع المعروف، وأثنى عليهما أحسن ثنائه. وتمثل بهذا البيت:
من يصنع الخير لم يعدم جوائزه ... لا يذهب العرف بين الله والناس
ثم عرض عليهما أن يصرف من بيت المال دية أبيهما. فقالا: إنما عفونا ابتغاء وجه ربنا الكريم، ومن نيته هكذا لا يتبع إحسانه مناً ولا أذى.
قال الراوي: فأثبتها في ديوان الغرائب، وسطرتها في عنوان العجائب.
عمر والهرمزان وأحضر الهرمزان بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه مأسوراً فدعاه إلى الإسلام، فأبى، فأمر بضرب عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين، قبل أن تقتلني اسقني شربة من الماء، ولا تقتلني ظمآن.
فأمر له عمر بقدح مملوء ماء، فلما صار القدح في يد الهرمزان، قال: أنا آمن حتى أشربه؟ قال: نعم لك الأمان.
فألقى الهرمزان الإناء من يده فأراقه، ثم قال: الوفاء يا أمير المؤمنين.
فقال عمر رضي الله عنه: دعوه حتى أنظر في أمره.
فلما رفع السيف عنه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
قال عمر، رضي الله عنه: لقد أسلمت خير الإسلام فما أخرك؟ قال: خشيت أن يقال إني أسلمت خوفاً من السيف.
فقال عمر: إنك لفارس حكيم، استحققت ما كنت فيه من الملك.
ثم إن عمر رضي الله عنه، بعد ذلك كان يشاوره في إخراج الجيوش إلى أرض فارس ويعمل برأيه.
وسيأتي نظير ذلك في أخذ الأمان بالحيلة.
خبر جبلة بن الأيهم
لما هرب من عمر إلى هرقل وتنصر
جبلة بن الأيهم وتنصره ومما ذكره عبد الملك بن بدرون، شارح قصيدة عبد المجيد بن عبدون، عما وقع لجبلة بن الأيهم حين لطم الفزاري على وجهه لما داس على ردائه، وقال له عمر رضي الله عنه: دعه يقتص منك، أو ما هذا معناه، فقال لعمر: وهل استوي أنا وهو في ذلك؟ فقال له: نعم، الإسلام ساوى بينكما. فقال: أجلني إلى غد. فلما أصبح مضى إلى قيصر ملك الروم، وارتد ثم ندم وقال أبياتاً، وهي هذه:
تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها لجاج ونخوة ... فبعت بها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشة ... أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ولما تنصر جبلة بن الأيهم ولحق بهرقل، صاحب القسطنطينية، أقطعه هرقل الأموال والضياع، وبقي ما شاء الله.
ثم أن عمر رضي الله عنه بعث إلى قيصر رسولاً يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية. فلما أراد الانصراف قال هرقل للرسول: ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا؟ يعني جبلة الذي أتانا راغباً في ديننا.
قال: لا! قال: فالقه ثم ائتني أعطك جواب كتابك.
قال الرسول: فذهبت إلى دار جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجمع مثلً ما على باب هرقل فلم أزل أتلطف بالإذن حتى أذن لي فدخلت عليه، فرأيته أصهب اللحية ذا سبال، وكان عهدي به أسود اللحية والرأس، فأنكرته، فإذا هو قد دعا بسحالة الذهب، فذرها على لحيته حتى أصهبت، وهو قاعد على سرير من قوارير على قوائمه أربعة أسود من ذهب. فلما عرفني رفعني معه على السرير، فجعل يسألني عن المسلمين، فذكرت له خيراً وقلت له: قد أضعفوا أضعافاً على ما تعرف. فقال: وكيف عمر بن الخطاب؟ قلت: بخير. قال: فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له منه سلامة عمر. ثم انحدرت عن السرير فقال: لم تأبى الكرامة التي أكرمناك بها؟ فقلت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا. فقال: نعم! نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نقّ قلبك ولا تبال على ما قعدت.
فلما سمعته يقول ما قاله صلى الله عليه وسلم، طمعت فيه فقلت له: ويحك يا جبلة، ألا تسلم، وقد عرفت الإسلام وفضله؟ فقال: أبعد ما كان مني؟ قلت: نعم، قد فعل رجل من فزارة أكثر مما فعلت، ارتد عن الإسلام وضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام وقبل منه وخلفته بالمدينة مسلماً.
وإنما ذكرت له أن الذي فعل هذه الفعلة من فزارة، وأنه ضرب وجوه المسلمين بالسيف وارتد ورجع إلى الإسلام لأن الرجل الذي كان تنصر جبلة من أجله لما لطمه وأراد عمر أن يقتص منه كان فزارياً أيضاً. فقلت له: أمرك أخف من أمره إن رجعت إلى الإسلام، فإنك لم تضرب وجوه المسلمين بالسيف كما فعل. فقال: ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر من بعده رجعت إلى الإسلام.
فضمنت له التزويج ولم أضمن له تولية الأمر.
قال: ثم أومأ إلى خادم كان على رأسه واقفاً فذهب مسرعاً، فإذا خدم قد جاؤوا يحملون الصناديق فيها طعام. فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحائف الفضة، وقال لي: كل؛ فقبضت يدي، وقلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل في آنية الذهب والفضة.
قال: نعم! نهى صلى الله عليه وسلم ولكن نقِّ قلبك وكل فيما أحببت.
قال: فأكل في الذهب، وأكلت أنا في الخلنج، ثم دعا بطسوت الذهب وأباريق الفضة، فغسل يديه في الذهب، وغسلت في الصفر. ثم أومأ إلى خادم بين يديه فمر مسرعاً. فسمعت حساً، فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر، فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله، ثم جاءت الجواري وعليهم تيجان الذهب، فقعدن عن يمنيه وعن يساره على تلك الكراسي، ثم جاءت جارية أيضاً كأنها الشمس حسناً على رأسها تاج، وعلى ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه، وفي يدها جامة فيها مسك فتيت، وفي يدها الأخرى جامة فيها ماء ورد، فأومأت تلك الجارية وصفرت بالطائر الذي على تاجها فوقع في جامة المسك، فاضطرب فيها، ثم صفرت به ثانياً فوقع في جامة ماء الورد فاضطرب فيها، ثم أومأت إليه فطار، ثم نزل على صليب في تاج على جبلة، فلم يزل يرفرف حتى نفض ما في ريشه عليه. فضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه، ثم التفت إلى الجواري اللواتي عن يمينه. فقال لهن: أضحكننا، فاندفعن يغنين فجعلن يخفقن عيدانهن ويقلن:
لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول
إلى قوله:
أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل
قال: فضحك جبلة حتى بدت أنيابه، ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ قلت: لا، قال: حسان بن ثابت شاعر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أشار إلى الجواري اللواتي عن يساره، وقال: أبكيننا، فاندفعنا يغنين وتخفق عيدانهن ويقلن:
لمن الدار أوحِت بمعان ... بين أعلى اليرموك فالجمان
إلى قوله:
ذاك مغنىً من آل جفنة في الده؟ ... رِ وحق تعاقب الأزمان
قال: فبكى جبلة حتى سالت دموعه على لحيته، ثم قال: أتدري من يقول هذا؟ قلت: لا، قال: حسان. ثم أنشد الأبيات التي أولها: تنصرت الأشراف إلى آخرها. ثم سألني عن حسان: أحي هو؟ قلت: نعم فأمر له بكسوة ولي أيضاً كذلك. ثم أمر لحسان بمال ونوق موقرة براً، ثم قال لي: إن وجدته حياً فادفع إليه الهدية واقرئه مني السلام؛ وإن وجدته ميتاً فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره.
قال: فلما أخبرت عمر، رضي الله عنه، بخبره وما اشترطه علي وما ضمنت له. قال: فهلا ضمنت له الأمر؟ فإذا أفاء الله بحكمه وقضى علينا بحكمته ما كان إلا ما أراد.
ثم جهزني عمر ثانياً إلى هرقل وأمرني أن أضمن له، أي لجبلة، ما اشترط. فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته فعلمت أن الشقاء غلب عليه في أم الكتاب.
؟
القوي الفاجر وقيل: إنه قدم أهل الكوفة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشكون سعد بن أبي وقاص، فقال: من يعذرني من أهل الكوفة؟ إن وليتهم التقي ضعفوه، وإن وليتهم القوي فجروه. فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن التقي الضعيف له تقاه ولك ضعفه، وإن القوي الفاجر لك قوته وعليه فجوره. قال: صدقت أنت القوي الفاجر فاخرج إليهم.
فلم يزل عليهم أيام عمر وعثمان رضي الله عنهما وأيام معاوية حتى مات المغيرة، انتهى.
أجبن وأحيل وأشجع من لقي وقيل: دخل عمر بن معد يكرب الزبيدي على عمر بن الخطاب، رضي الله عنه فقال عمر: أخبرني عن أجبن من لقيت وأحيل من لقيت وأشجع من لقيت. قال: نعم يا أمير المؤمنين.
خرجت مرة أريد الغارة، فبينما أنا سائر إذا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا رجل جالس كأعظم ما يكون من الرجال خلقاً، وهو محتب بحمائل سيفه، فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ قلت: أنا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، فشهق شهقة فمات. فهذا يا أمير المؤمنين أجبن من رأيت.
وخرجت مرة حتى انتهيت إلى حي فإذا أنا بفرس مشدود ورمح مركوز، وإذا صاحبه في وهدة يقضي حاجته، فقلت: خذ حذرك فإني قاتلك. فقال: ومن أنت؟ فأعلمته بي، فقال: يا أبا ثور ما أنصفتني أنت على ظهر فرسك وأنا على الأرض، فأعطني عهداً أنك لا تقتلني حتى أركب فرسي. فأعطيته عهداً فخرج من الموضع الذي كان فيه واحتبى بحمائل سيفه، وجلس. فقلت: ما هذا؟ فقال: ما أنا براكب فرسي ولا بمقاتلك فإن نكثت عهدك فأنت أعلم بناكث العهد. فتركته ومضيت. فهذا يا أمير المؤمنين أحيل من رأيت.
وخرجت مرة حتى انتهيت إلى موضع كنت أقطع فيه الطريق فلم أر أحداً، فأجريت فرسي يميناً وشمالاً وإذا أنا بفارس، فلما دنا مني، فإذا هو غلام حسن نبت عذاره من أجمل من رأيت من الفتيان، وأحسنهم. وإذا هو قد أقبل من نحو اليمامة، فلما قرب مني سلم علي ورددت عليه السلام وقلت: من الفتى؟ قال: الحرث بن سعد فارس الشهباء.
فقلت له: خذ حذرك فإني قاتلك! فقال: الويل لك، فمن أنت؟ قلت: عمرو بن معد يكرب الزبيدي.
قال: الذليل الحقير، والله ما يمنعني من قاتلك إلا استصغارك.
فتصاغرت نفسي، يا أمير المؤمنين، وعظم عندي ما استقبلني به. فقلت له: دع هذا وخذ حذرك فإني قتلك، والله لا ينصرف إلا أحدنا.
فقال: اذهب، ثكلتك أمك، فأنا من أهل بيت ما أثكلنا فارس قط.
قلت: هو الذي تسمعه.
قال: اختر لنفسك فإما أن تطرد لي، وإما أن أطرد لك.
فاغتنمتها منه فقلت له: أطرد لي.
فأطرد وحملت عليه فظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فإذا هو صار حزاماً لفرسه ثم عطف علي فقنع بالقناة رأسي وقال: يا عمرو خذها إليك واحدةً، ولولا أني أكره قتل مثلك لقتلتك.
قال: فتصاغرت نفسي عندي، وكان الموت، يا أمير المؤمنين أحب إلي مما رأيت، فقلت له: والله لا ينصرف إلا أحدنا. فعرض علي مقالته الأولى فقلت له: أطرد لي، فأطرد فظننت أني تمكنت منه فاتبعته حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه. فإذا هو صار لبباً لفرسه، ثم عطف علي فقنع بالقناة رأسي وقال: خذها إليك يا عمرو ثانية.
فتصاغرت علي نفسي جداً، وقلت: والله لا ينصرف إلا أحدنا فاطرد لي، فاطرد حتى ظننت أني وضعت الرمح بين كتفيه فوثب عن فرسه، فإذا هو على الأرض فأخطأته فاستوى على فرسه واتبعني حتى قنع بالقناة رأسي! وقال: خذها إليك يا عمرو ثالثة، ولولا كراهتي لقتل مثلك لقتلتك.
فقلت: اقتلني أحب إلي ولا تسمع فرسان العرب بهذا.
فقال: يا عمرو، إنما العفو عن ثلاث، وإذا استمكنت منك في الرابعة قتلتك وأنشد يقول:
وكدت إغلاظاً من الإيمان ... إن عدت يا عمرو إلى الطعان
لتجدن لهب السنان ... أولاً فلست من بني شيبان
فهبته هيبة شديدة، وقلت له: إن لي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قلت: أكون صاحباً لك.
قال: لست من أصحابي.
فكان ذلك أشد علي وأعظم مما صنع، فلم أزل أطلب صحبته حتى قال: ويحك أتدري أين أريد؟ قلت: لا والله.
قال: أريد الموت الأحمر عياناً.
قلت: أريد الموت معك.
قال: امض بنا.
فسرنا يومنا أجمع حتى أتانا الليل ومضى شطره. فوردنا على حي من أحياء العرب، فقال لي: يا عمرو في هذا الحي الموت الأحمر فإما أن تمسك علي فرسي فأنزل وآتي بحاجتي، وإما أن تنزل وأمسك فرسك فتأتيني بحاجتي.
فقلت: بل أنزلت أنت. فأنت أخبر بحاجتك مني.
فرمى إلي بعنان فرسه ورضيت والله يا أمير المؤمنين بأن أكون له سائساً، ثم مضى إلى قبة فأخرج منها جارية لم تر عيناي أحسن منها حسناً وجمالاً، فحملها على ناقة ثم قال: يا عمرو، فقلت: لبيك! قال: إما أن تحميني وأقود الناقة أو أحميك وتقودها أنت؟ قلت: لا بل أقودها وتحميني أنت.
فرمى إلي بزمام الناقة ثم سرنا حتى أصبحنا. قال: يا عمرو قلت: ما تشاء؟ قال: التفت فانظر هل ترى أحداً؟
فالتفت فرأيت رجالاً فقلت: اغذذ السير. ثم قال: يا عمرو انظر إن كانوا قليلاً فالجلد والقوة وهو الموت الأحمر. وإن كانوا كثيراً فليسوا بشيء.
فالتفت وقلت: وهم أربعة أو خمسة.
قال: اغذذ السير.
ففعلت. ووقف وسمع وقع حوافر الخيل عن قرب فقال: يا عمرو. كن عن يمين الطريق وقف وحول وجه دوابنا إلى الطريق.
ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف عن يسارها ودنا القوم منا وإذا هم ثلاثة أنفار: شابان وشيخ كبير، وهو أبو الجارية والشابان أخواها. فسلموا فرددنا السلام. فقال الشيخ: خل عن الجارية يا ابن أخي.
فقال: ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها.
فقال لأحد ابنيه: اخرج إليه، فخرج وهو يجر رمحه فحمل عليه الحرث وهو يقول:
من دون ما ترجوه خضب الذابل ... من فارس ملثم مقاتل
ينمي إلى شيبان خير وائل ... ما كان يسري نحوها بباطل
ثم شد على ابن الشيخ بطعنة قد منها صلبه، فسقط ميتاً، فقال الشيخ لابنه الآخر: اخرج إليه فلا خير في الحياة على الذل، فأقبل الحرث وهو يقول:
لقد رأيت كيف كانت طعنتي ... والطعن للقرم الشديد الهمة
والموت خير من فراق خلتي ... فقتلتي اليوم ولا مذلتي
ثم شد على ابن الشيخ بطعنة سقط منها ميتاً، فقال له الشيخ: خل عن الظعينة يا ابن أخي، فإني لست كمن رأيت، فقال: ما كنت لأخليها، ولا لهذا قصدت.
فقال الشيخ: يا ابن أخي اختر لنفسك فإن شئت نازلتك وإن شئت طاردتك فاغتنمها الفتى ونزل فنزل الشيخ وهو يقول:
ما أرتجي عند فناء عمري ... سأجعل التسعين مثل شهر
تخافني الشجعان طول دهري ... إن استباح البيض قصم الظهر
فأقبل الحرث وهو ينشد ويقول:
بعد ارتحالي ومطال سفري ... وقد ظفرت وشفيت صدري
فالموت خير من لباس الغدر ... والعار أهديه لحي بكر
ثم دنا فقال له الشيخ: يا ابن أخي إن شئت ضربتك، فإن أبقيت فيك بقية فيَّ فاضربني، وإن شئت فاضربني. فإن أبقيت بقية ضربتك.
فاغتنمها الفتى وقال: أنا أبدأ.
فقال الشيخ: هات.
فرفع الحرث يده بالسيف فلما نظر الشيخ أنه قد أهوى به إلى رأسه ضرب بطنه بطعنة قد منها أمعاءه ووقعت ضربة الفتى على رأس الشيخ فسقطا ميتين. فأخذت يا أمير المؤمنين أربعة أفراس وأربعة أسياف ثم أقبلت إلى الناقة فقالت الجارية: يا عمرو: إلى أين ولست بصاحبتك ولست لي بصاحب ولست كمن رأيت. فقلت: اسكتي.
قالت: إن كنت لي صاحباً فأعطني سيفاً أو رمحاً فإن غلبتني فأنا لك وإن غلبتك قتلتك.
فقلت: ما أنا بمعط ذلك. وقد عرفت أهلك وجراءة قومك وشجاعتهم.
فرمت نفسها عن البعير ثم أقبلت تقول:
أبعد شيخي ثم بعد أخوتي ... يطيب عيشي بعدهم ولذتي
وأصحبن من لم يكن ذا همةٍ ... هلا تكون قبل ذا منيتي
ثم أهوت إلى الرمح وكادت تنزعه من يدي. فلما رأيت ذلك منها خفت إن ظفرت بي قتلتني. فقتلتها. فهذا يا أمير المؤمنين أشجع من رأيت.
يقتلع ذنب البعير قيل: أتى رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستحمله فقال له: خذ لك بعيراً من إبل الصدقة فتناول ذنب بعير فجذبه فاقتلعه. فتعجب عمر رضي الله عنه من شدته وقوته، فقال له: هل رأيت أقوى منك من أحد؟ قال: نعم. خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلت على حوض، فأقبل رجل معه ذود، فضرب ذوده إلى الحوض فساورها. يعني المرأة، فنادتني فما انتهيت إليها حتى خالطها. فجئت لأدفعه عنها فأخذ رأسي بين عضديه وجنبه. فما استطعت التحرك حتى قضى وطره منها. فقلت: أي فحل هذا لو كنت منيحة فأمهلته حتى امتلأ نوماً. فقمت له بالسيف فضربت ساقه، فانتبه، فتناول رجله فرماني بها فأخطأني، أي فاتني، وأصاب رأس بعير فقتله.
فقال عمر رضي الله عنه: ما فعلت بالمرأة؟ فقلت: هذا حديث الرجل.
فكرر عليه السؤال فلم يزده على هذا ففطن أنه قتلها. انتهى.
عبد الله بن رواحة وجاريته
ويحكى أن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه كان عنده جارية جميلة. وكان يحبها محبة شديدة. ولم يتمكن منها خوفاً من زوجته. فمضت يوماً زوجته لحاجة ثم عادت فوجدته هو والجارية معتنقين نائمين، فقالت: أفعلتها؟ قال: لم أكن فاعلها. قالت: فاقرأ! فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم قال:
علمت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا
وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا
وتحمله ملائكة كرام ... ملائكة الإله مسومينا
قالت: صدقت وكذبت عيناي. قال: فذهبت وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه وصار يكررها ويقول كيف قلت. انتهى.
أول دولة بني أمية
معاوية بن أبي سفيان
رضي الله عنه جلس يوماً في مجلس كان له بدمشق، وكان الموضع مفتح الجوانب الأربعة يدخل فيه النسيم من كل جانب. قال: فبينما هو جالس ينظر إلى بعض الجهات وكان يوماً شديد الحر لا نسيم فيه. قال: وكان وسط النهار، وقد لفحت الهواجر، إذ نظر إلى رجل يمشي نحوه، وهو يتلظى من حر التراب، ويحجل في مشيته حافياً، فتأمله، وقال لجلسائه: هل خلق الله سبحانه وتعالى أشقى ممن يحتاج إلى الحركة في هذا الوقت، وفي مثل هذه الساعة؟ فقال بعضهم: لعله يقصد أمير المؤمنين.
فقال: والله لئن كان قاصدي لأجل شيء لأعطينه وأستجلب الأجر به أو مظلوماً لأنصرنه يا غلام! قف بالباب، فإن طلبني هذا الأعرابي، فلا تمنعه من الدخول علي.
فخرج فوافاه، فقال: ما تريد؟ قال: أمير المؤمنين.
قال: ادخل.
فدخل، فسلم فقال له معاوية: ممن الرجل؟ قال: من تميم.
قال: فما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ قال: جئتك مشتكياً وبك متسجيراً.
قال: ممن؟ قال: من مروان بن الحكم عاملك، وأنشد يقول:
معاوي! يا ذا الجود والحلم والبذل ... ويا ذا الندى والعلم والرشد والنبل
أتيتك لما ضاق في الأرض مذهبي ... فيا غوث! لا تقطع رجائي من العدل
وجد لي بإنصاف من الجائر الذي ... بلاني بشيء كان أيسره قتلي
سباني سعاداً وانبرى لخصومتي ... وجار ولم يعدل وأغصبني أهلي
وهم بقتلي غير أن منيتي ... تأنت، ولم أستكمل الرزق من أجلي
قال: فلما سمع معاوية كلامه، والنار تتوقد من فيه، قال له: مهلاً يا أخا العرب! اذكر قصتك وأبن لي عن أمرك، فقال: يا أمير المؤمنين، كانت لي زوجة وكنت لها محباً وبها كلفاً، وكنت بها قرير العين طيب النفس، وكانت لي جذعة من الإبل كنت أستعين بها على قوام حالي وكفاية أودي، فأصابتنا سنة أذهبت الخف والحافر، فبقيت لا أملك شيئاً، فلما قل ما بيدي وذهب ما لي وفسد حالي بقيت مهاناً ثقيلاً على الذي يألفني، وأبعدني من كان يشتهي قربي وأزور من لا يرغب في زيارتي، فلما علم أبوها ما بي من سوء الحال وشر المال أخذها مني وجحدني وطردني وأغلظ علي، فأتيت إلى عاملك مروان بن الحكم راجياً لنصرتي، فلما أحضر أباها وِسأله عن حالي قال: ما أعرفه قط. فقلت: أصلح الله الأمير إن رأى أن يحضرها ويسألها عن قول أبيها ففعل، وبعث خلفها. فلما حضرت بين يديه وقعت منه موقع الإعجاب، فصار لي خصماً وعلي منكراً، وأظهر لي الغضب وبعث بي إلى السجن، فبقيت كأنما خررت من السماء، أو استهوت بي الريح في مكان سحيق. ثم قال لأبيها: هل لك أن تزوجنيها على ألف دينار وعشرة آلاف درهم، وأنا ضامن خلاصها من هذا الأعرابي؟ فرغب أبوها في البذل وأجابه إلى ذلك. فلما كان من الغد بعث إلي وأحضرني ونظر إلي كالأسد الغضبان، وقال: طلق سعاد! فقلت: لا، فسلط علي جماعة من غلمانه فأخذوا يعذبوني بأنواع العذاب فلم أجد لي بداً من طلاقها ففعلت. فأعادني إلى السجن، فمكثت فيه إلى أن انقضت عدتها فتزوجها وأطلقني، وقد أتيتك راجياً وبك مستجيراً وإليك ملتجئاً، وأنشد يقول:
في القلب مني غرام للنار فيه ... استعار والجسم مرمى بسهمٍ
فيه الطبيب يحار وفي فؤادي ... جمر والجمر فيه شرار
والعين تهطل دمعاً ... فدمعها مدرار
وليس إلا بربي ... وبالأمير انتصار
قال: ثم اضطرب واصطكت لهاته وصار مغشياً عليه. وأخذ يتلوى كالحية. قال: فلما سمع معاوية كلامه وإنشاده، قال: تعدى ابن الحكم في حدود الدين وظلم واجترأ على حرم المسلمين. ثم قال: لقد أتيتني يا أعرابي بحديث لم أسمع بمثله قط. ثم دعا بدواة وقرطاس وكتب إلى مروان ابن الحكم كتاباً يقول فيه: أنه قد بلغني أنك تعديت على رعيتك في حدود الدين، وينبغي لمن كان والياً أن يكف بصره عن شهواته ويزجر نفسه عن لذاته، ثم كتب بعده كلاماً طويلاً اختصرته، وأنشد يقول:
وليت أمراً عظيماً لست تدركه ... فاستغفر الله من فعل امرئ زاني
وقد أتانا الفتى المسكين منتخباً ... يشكو إلينا ببث ثم أحزان
أعطي الإله يميناً لا يكفرها ... شيءٌ، وأبرأ من ديني وإيماني
إن أنت خالفتني فيما كتبت به ... لأجعلنك لحماً بين عقبان
طلق سعاد وعجلها مجهزةً ... مع الكميت ومع نصر بن ذبيان
ثم طوى الكتاب وطبعه واستدعى بالكميت ونصر بن ذبيان، وكان يستنهضهما في المهمات لأمانتهما، فأخذا الكتاب وسارا حتى قدما المدينة، فدخلا على مروان بن الحكم، وسلما عليه، وسلما إليه الكتاب، وأعلماه بصورة الحال، فصار مروان يقرأ ويبكي؛ ثم قام إلى سعاد وأعلمها ولم يسعه مخالفة معاوية فطلقها بمحضر الكميت ونصر بن ذبيان، وجهزهما وصحبتهما سعاد. ثم كتب مروان كتاباً يقول فيه هذه الأبيات:
لا تعجلن أمير المؤمنين فقد ... أوفي بنذرك في سر وإعلان
وما أتيت حراماً حين أعجبني ... فكيف أدعى باسم الخائن الزاني؟
أعذر، فإنك لو أبصرتها لجرت ... فيك الأماني على تمثال إنسان
فسوف يأتيك شمس ليس يدركها ... عند الخليفة من إنس ومن جان
ثم ختم الكتاب ودفعه إلى الرسولين، وسارا حتى وصلا إلى معاوية وسلما إليه الكتاب فقرأه وقال لقد أحسن في الطاعة وأطنب في ذكر الجارية. ثم أمر بإحضارها فلما رآها رأى صورة حسناء لم ير أحسن منها ولا مثلها في الحسن والجمال والقد والاعتدال، فخاطبها فوجدها فصيحة اللسان حسنة البيان، فقال: علي بالأعرابي. فأتي به وهو في غاية من تغير الحال، فقال: يا أعرابي! هل لك عنها من سلوة وأعوضك عنها ثلاث جوار نهد أبكار، كأنهن الأقمار، مع كل جارية ألف دينار، وأقسم لك في بيت المال كل سنة ما يكفيك وما يغنيك.
قال: فلما سمع الأعرابي كلام معاوية شهق شهقة ظن معاوية أنه مات بها فقال له معاوية: ما بالك بشر بالٍ، وسوء حال؟ فقال الأعرابي: استجرت بعدلك من جور بن الحكم، فبمن أستجير من جورك وأنشد يقول:
لا تجعلني، فداك الله من ملك ... كالمستجير من الرمضاء بالنار
اردد سعاد على حيران مكتئب ... يمسي ويصبح في هم وتذكار
أطلق وثاقي، ولا تبخل علي بها ... فإن فعلت فإني غير كفار
ثم قال: يا أمير المؤمنين، لو أعطيتني الخلافة ما أخذتها دون سعاد، وأنشد يقول:
أبى القلب إلا حب سعدى، وبغضت ... إلي نساء، ما لهن ذنوب
فقال له معاوية: إنك مقر بأنك طلقتها، ومروان مقر بأنه طلقها، ونحن نخيرها، فإن اختارت سواك تزوجناها، وإن اختارتك حولناها إليك. قال: افعل.
فقال: ما تقولين يا سعدى، أيما أحب إليك، أمير المؤمنين في عزه وشرفه وقصوره وسلطانه وأمواله وما أبصرته عنده، أو مروان بن الحكم في تعسفه وجوره، أو هذا الأعرابي في جوعه وفقره، فأنشدت تقول:
هذا وإن كان في جوع وأضرار ... أعز عندي من قومي ومن جاري
وصاحب التاج، أو مروان عامله ... وكل ذي درهم عندي ودينار
ثم قالت: والله يا أمير المؤمنين، ما أنا بخاذلته لحادثة الزمان، ولا لغدرات الأيام، وإن له صحبة قديمة لا تسنى، ومحبة لا تبلى، وأنا أحق من يصبر معه في الضراء كما تنعمت معه في السراء.
فتعجب معاوية من عقلها ومودتها له، وموافاتها، فدفع لها عشرة آلاف درهم، ودفع مثلها للأعرابي وأخذها وانصرف.
الأجوبة الهاشمية
ومن ثمرات الأوراق عن الأجوبة الهاشمية وبلاغتها في المحل الرفيع؛ فمن أجل ذلك أنه اجتمع عند معاوية عمرو بن العاص، رضي الله عنه، والوليد بن عقبة، وعتبة بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ابعث إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما يحضر لدينا، قال لهم: ولم؟ قالوا: كي نوبخه ونعرفه أن أباه قتل عثمان. فقال لهم معاوية: إنكم لن تطيقوه ولن تنتصفوا منه، ولا تقولوا له شيئاً إلا كذبكم ولا يقول لكم ببلاغته شيئاً إلا صدقه الناس. فقالوا: أرسل إليه فإنا نكفيه.
فأرسل له معاوية، فلما حضر قال: يا حسن! إني لم أرسل إليك، ولكن هؤلاء أرسلوا إليك، فاسمع مقالتهم.
فقال الحسن رضي الله عنه: فليتكلموا ونحن نسمع.
فقام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا حسن، هل تعلم أن أباك أول من أثار الفتنة وطلب الملك، فكيف رأيت صنع الله تعالى به؟ ثم قام الوليد بن عقبة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني هاشم! كنتم أصهار عثمان بن عفان، فنعم الصهر كان لكم لقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقربكم ويفضلكم، ثم بغيتم عليه وقتلتموه، وقد أردنا قتل أبيك فأنقذنا الله منه، ولو قتلناه ما كان علينا ذنب.
ثم قام عتبة بن أبي سفيان فقال: يا حسن، إن أباك قد تعدى على عثمان فقتله حسداً على الملك والدنيا، فسلبهما الله منه، ولقد أردنا قتل أبيك، حتى قتله الله تعالى.
ثم قام المغيرة بن شعبة، وقال كلاماً سبا لعلي وتعظيماً لعثمان.
فقام الحسن، رضي الله عنه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: بك أبدأ يا معاوية! لم يشتمني هؤلاء ولكن أنت تشتمني بغضاً وعداوة وخلافاً لجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التفت إلى الناس، وقال: أنشدكم الله إن الذي شتمه هؤلاء أما كان أبي، وهو أول من آمن بالله وصلى إلى القبلتين، وأنت يا معاوية كافر تشرك بالله؟ وكان مع أبي لواء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ولواء المشركين مع معاوية؛ ثم قال: أنشدكم الله تعالى، أما كان معاوية يكتب لجدي صلى الله عليه وسلم، فأرسل إليه يوماً فرجع الرسول، وقال: هو يأكل. فرد إليه الرسول ثلاث مرات، كل ذلك يقول هو يأكل فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا أشبع الله بطنه، يا معاوية! أما تعرف ذلك من بطنك؟ ثم قال: وأنشدكم الله أما تعلمون أن معاوية كان يقود بأبيه، وهو على جمل، وأخوه هذا يسوقه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وأنت تعلم ذلك. هذا كله لك يا معاوية.
وأما أنت يا عمرو. فقد تنازعك خمسة من قريش. فغلب عليك شبه الأبهم، وهو أقلهم حسباً وأسوأهم منصباً، ثم قمت وسط قريش فقلت: إني شانيء محمداً بثلاثين بيتاً من الشعر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم إني لا أحسن الشعر. اللهم العن عمرو بن العاص بكل بيت لعنة، ثم انطلقت إلى النجاشي بما عملت وعلمت. فكذبك وردك خائباً، فأنت عدو بني هاشم في الجاهلية والإسلام. فلا نلومك على بغضك الآن.
وأما أنت يا ابن أبي معيط فكيف نلومك على سبك لأبي، وقد جلدك أبي في الخمر ثمانين جلدةً، وقتل أباك صبراً بأمر جدي، وقتله جدي بأمر ربي، ولما قدمه للقتل قال: من للصبية بعدي يا محمد؟ فقال جدي: لهم النار، فلم يكن لهم عند جدي غير النار، ولم يكن لهم عند أبي غير السوط والسيف.
وأما أنت يا عتبة فكيف تعيب أحداً بالقتل ولا تعيب نفسك، فلم لا قتلت الذي وجدته على فراشك مضاجعاً لزوجتك؟ ثم أمسكتها بعد أن بغت.
وأما أنت يا أعور ثقيف، ففي أي شيء تسب علياً؟ أفي بعده من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم لحكم جائر في رعيته في الدنيا؟ فإن قلت في شيء من ذلك كذبت وكذبك الناس، وإن زعمت أن علياً قتل عثمان فقد كذبت وكذبك الناس، وإنما مثلك كمثل بعوضة وقعت على نخلة فقالت لها: استمسكي فإني أريد أن أطير. فقالت لها النخلة: ما علمت بوقوعك فكيف يشق علي طيرانك؟ فكيف يا أعور ثقيف يشق علينا سبك؟ ثم نفض ثيابه وقام. فقال لهم معاوية: ألم أقل لكم لا تنتصفوا منه، فوالله لقد أظلم علي البيت حتى قام.
معاوية والحسن
وروي أن معاوية رضي الله عنه خرج عاماً حاجاً، فمر بالمدينة ففرق على أهلها أموالاً جزيلة، ولم يحضر الحسن بن علي رضي الله عنهما، فلما حضر قال له معاوية: مرحباً مرحباً برجل تركنا حتى نفد ما عندنا وتعرض لنا ليبخلنا؟ فقال الحسن رضي الله عنه: كيف ينفد ما عندك، وخراج الدنيا يجيء إليك؟ فقال له معاوية: قد أمرت لك بمثل ما أمرت به لأهل المدينة، وأنا ابن هند.
فقال الحسن: قد رددته عليك، وأنا ابن فاطمة الزهراء رضي الله عنها.
قيل: إن معاوية رضي الله عنه جلس يوماً بين أصحابه، إذ أقبلت قافلتان من البرية، فقال لبعض من كان بين يديه: انظروا هؤلاء القوم وائتوني بأخبارهم. فمضوا وعادوا وقالوا: يا أمير المؤمنين، إحداهما من اليمن والأخرى من قريش. فقال: ارجعوا إليهم وادعوا قريشاً يأتونا، وأما أهل اليمن فينزلون في أماكنهم إلى أن نأذن لهم في الدخول.
معاوية والطرماح بن الحكم فلما دخلت قريش سلم عليهم وقربهم وقال: أتدرون يا أهل قريش لم أخرت أهل اليمن وقربتكم؟ قالوا: لا والله يا أمير المؤمنين. قال: لأنهم لم يزالوا يتطاولون علينا بالفخار ويقولون ما ليس فيهم، وإني أريد إذا دخلوا غداً وأخذوا أماكنهم من الجلوس أن أقوم فيهم نذيرا وألقي عليهم من المسائل ما أقل به إكرامهم وأرخص به مقامهم، فإذا دخلوا وأخذوا أماكنهم من الجلوس وسألوا عن شيء فلا يجبهم أحد غيري.
قال الراوي: وكان المقدم عليهم رجلاً يقال له الطرماح بن الحكم الباهلي، فأقبل على أصحابه، وقال: أتدرون يا أهل اليمن لم أخركم ابن هند وقدم قريشاً؟ قالوا: لا قال: لأنه في غداة غد يقوم فيكم نذيراً ويلقي عليكم من المسائل ما يقل به إكرامكم ويرخص به مقامكم، فإذا دخلتم عليه وأخذتم أماكنكم من الجلوس وسألكم عن شيء فلا يجبه أحد غيري.
فلما كان من الغد دخلوا عليه وأخذوا أماكنهم فنهض معاوية قائماً على قدميه، وقال: أيها الناس من تكلم قبل العرب، وعلى من أنزلت العربية؟ فقام الطرماح وقال: نحن يا معاوية، ولم يقل يا أمير المؤمنين.
فقال: لماذا؟ فقال: لأنه لما نزلت العرب ببابل وكانت العبرانية لسان الناس كافة أرسل الله تعالى العربية على لسان يعرب بن قحطان الباهلي، وهو جدنا فقرأ العربية وتداولها قومه من بعده إلى يومنا هذا، فنحن يا معاوية عرب بالجنس وأنتم عرب بالتعليم.
فسكت معاوية زماناً ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس، من أقوى العرب إيماناً ومن شهد له بذلك؟ فقال الطرماح: نحن يا معاوية.
قال: ولم؟ قال: لأن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم فكذبتموه وسفهتموه وجعلتموه مجنوناً، فآويناه ونصرناه فأنزل الله: " والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً " . وكان النبي صلى الله عليه وسلم، محسناً لنا متجاوزاً عن سيئاتنا فلم لم تفعل أنت كذلك؟ كأنك خالفت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فسكت زماناً ثم رفع رأسه وقال: أيها الناس، من أفصح العرب لساناً ومن شهد له بذلك؟ قال الطرماح: نحن يا معاوية.
قال: ولم ذلك؟ قال: لأن امرأ القيس بن حجر الكندي منا قال في بعض قصائده:
يطعمون الناس غباً ... في السنين الممحلات
في جفانٍ كالخوابي ... وقدور راسيات
وقد تكلم بألفاظ جاء مثلها في القرآن، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك.
قال: فسكت معاوية زماناً وقال: أيها الناس، من أقوى العرب شجاعة وذكراً ومن شهد له بذلك؟ قال الطرماح: نحن يا معاوية.
قال: ولم ذلك؟ قال: لأن منا عمرو بن معد يكرب الزبيدي، كان فارساً في الجاهلية وفارساً في الإسلام وشهد له بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال له معاوية: وأين أنت وقد أتي به مصفداً بالحديد؟ فقال له الطرماح: ومن أتى به؟ قال معاوية: أتى به علي.
قال الطرماح: والله لو عرفت مقداره لسلمت إليه الخلافة ولا طمعت فيها أبداً.
فقال له معاوية: أتحجني يا عجوز اليمن؟ قال: نعم أحجك يا عجوز مضر لأن عجوز اليمن بلقيس آمنت بالله، وتزوجت بنبيه سليمان بن داود، عليهما السلام، وعجوز مضر جدتك التي قال الله في حقها: " وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد " .
قال: فسكت معاوية زماناً ثم رفع رأسه وقال: جزاك الله خيراً من صاحب ووفر عقلك ورحم سلفك وأعطاه وأحسن إليه، انتهى.
معاوية والأحنف بن قيس قال الراوي: وخطب معاوية يوماً فقال: أيها الناس إن الله تعالى قال: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدرٍ معلوم " ، فعلام تلومونني إذا قصرت عنكم في عطاياكم؟ فقال له الأحنف بن قيس: إنا والله ما نلومك فيما في خزائن الله، ولكن وضعت يدك على ما أنزل الله من خزائنه فجعلته في خزائنك وحلت بيننا وبينه.
معاوية وسودة الأسدية ومما يروى عن الشعبي قال: استأذنت سودة بنت عمارة بن الأسد على معاوية بن أبي سفيان، فأذن لها، فلما دخلت عليه قال لها: يا بنت الأسد الست القائلة:
شمر كفعل أبيك يا ابن عمارة ... يوم الطعان وملتقى الأقران
وانصر علياً والحسين ورهطه ... واقعد لهند وابنها بهوان
إن الإمام أخا النبي محمد ... علم الهدى ومنارة الإيمان
وقد الجيوش وسر أمام لوائه ... وارم بأبيض صارم وسنان
قالت: بلى يا معاوية، وما مثلي من رغب عن الحق واعتذر.
قال: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب علي واتباع الحق.
قال: والله ما أرى عليك من أثر علي شيئاً.
قالت: أنشدك الله يا معاوية! لا تذكر ما مضى.
قال: هيهات! وما مثلك، ومقام أخيك يسيئني، وما لقيت من أخيك.
قالت: صدقت يا معاوية، لم يكن أخي ذميم المقام، ولا خبياً، وهو والله كقول الخنساء:
وإن صخراً لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار
وأنا أسألك يا معاوية إعفاك مما استعفيت به.
قال: قد فعلت؛ فما حاجتك؟ قالت: يا معاوية، إنك أصبحت للناس سيداً ولأمورهم والياً، والله سائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من يغرك ويبطش بسلطانك، ويحصدنا حصد السنبل، ويدرسنا درس العصفر، ويسومنا الخسف، ويسلبنا الحيل، هذا ابن أرطاة قدم علينا فقتل رجالي وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما عزلته. فشكرناك، وإما أقررته فعرفناك.
فقال لها: أبقولك تهدديني؟ هممت أن أحملك على قتب جمل أشرس وأسيرك إليه لينفذ فيك أمره.
فأطرقت وبكت وأنشدت تقول:
صلى الإله على روح تضمنها ... قبر فأصبح فيه الحق مدفونا
قد حالف الحق لا يبغي به بدلاً ... فصار بالحق والإيمان مقرونا
قال: ومن ذاك؟ قالت: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
قال: ولم؟ قالت: أتيته في رجل ولاه علينا، ولم يكن بيننا وبينه إلا كما بين الغث والسمين، فوجدته قائماً يصلي، فلما نظر إلي انفتل من صلاته. ثم قال برأفة ورحمة: ألك حاجة؟ فأخبرته فبكى. ثم قال: اللهم اشهد علي وعليهم أني لم أولهم وآمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقك. ثم أخرج من جيبه قطعة من جلد كهيئة طرف الجواب فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم: " قد جاءتكم بينة من ربكم، فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم، ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ " . إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك حتى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه وأوصلته إليه فامتثل ورجع عما كان فيه.
فقال معاوية: اكتبوا لها برد مالها والعدل في حالها.
فقال: ألي خاصة أم لي ولقومي؟ قال: بل لك.
قالت: إذا الفحشاء واللؤم، هي والله إما عدلاً شاملاً وإلا فأنا كسائر قومي. قال: اكتبوا لها بحاجتها هي وقومها.
معاوية وميسون الكلبية ولما اتصلت ميسون بنت بحدل بمعاوية رضي الله عنه ونقلها من البدو إلى الشام كانت تكثر الحنين على ناسها والتذكر لمسقط رأسها، فاستمع عليها ذات يوم فسمعها تنشد وتقول:
لبيت تخفق الأرواح فيه ... أحب إلي من قصر منيف
وأكل كسيرة في كسر بيتي ... أحب إلي من أكل الرغيف
وأصوات الرياح بكل فجٍ ... أحب إلي من نقر الدفوف
ولبس عباءة وتقر عيني ... أحب إلي من لبس الشفوف
وكلب ينبح الطراق حولي ... أحب إلي من قط ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعبٌ ... أحب إلي من بغل زفوف
وخرق من بني عمي نحيفٌ ... أحب إلي من علج عنيف
قال الراوي: فلما سمع معاوية الأبيات قال: ما رضيت ابنة بحدل حتى جعلتني علجاً عنيفاً.
ملك فارس والبوم الواعظ له حكاية أجنبية عن المقام. يحكى أن بهراماً لما ولي الملك بعد أبيه، أقبل على اللهو واللذات والتنزه والصيد، لا يفكر في ملكه ولا في رعيته حتى خرجت البلاد عن يده وخربت في أيامه وقلت العمارة وخلت بيوت الأموال. فلما كان في بعض الأيام ركب إلى بعض منازهه وصيده، وهو يسير نحو المدائن، وكانت ليلة مقمرة، فدعا بالموبذان، وهو عند المجوس كحاخام عند اليهود والقسيس عند النصارى، لأمر خطر بباله فجعل يحادثه فتوسطا في سيرهما بين خرابات كانت من أمهات الضياع قد خربت في مدة ملكه لا أنيس فيها إلا البوم، وإذا ببوم يصيح وصاحبته تجاوبه من تلك الخرابات، فقال بهرام: أترى أن أحداً من الناس أعطي فهم لغة هذا الطائر المصوت في الليل البهيم؟ فقال الموبذان: أيها الملك، أنا ممن خصه الله بذلك.
قال: فما يقول هذا الطائر وما يقول الطائر الآخر؟ فقال الموبذان: هذا بوم ذكر يخطب بومة ويقول لها: متعيني بنفسك حتى يخرج من بيننا أولاد يسبحون الله ويبقى لنا في هذا العالم عقب يكثرون الترحم علينا. فأجابت: أن الذي تدعونني إليه لي فيه الحظ الأكبر والنصيب الأوفر في العاجل والآجل إلا أني أشترط عليك خصالاً إن أعطيتها أجبتك إلى ذلك.
فقال لها الذكر: وما تطلبينه مني؟ قالت: أن تعطيني من خرابات أمهات الضياع عشرين قرية مما خربت في أيام هذا الملك السعيد.
فقال له الملك فما الذي قال لها الذكر؟ قال الموبذان: كان من قوله لها إن دامت أيام هذا الملك السعيد قطعك منها ألف قرية خراب، فما تصنعين بها؟ قالت: في اجتماعنا يحصل ظهور النسل وكثرة الذكر، فنقطع لكل ولد من أولادنا ضيعة من هذه الخرابات.
فقال لها الذكر: هذا أسهل أمر سألتنيه، وأنا مليء بذلك ما حيى هذا الملك.
فلما سمع الكلام من الموبذان تأثر في نفسه واستيقظ من نومه وفكر فيما خوطب به فنزل من ساعته ونزل بنزوله الناس وخلا بالموبذان، فقال: أيها القائم بأمر الدين الناصح للملك والمنبه له عما أغفله من أمور ملكه وإضاعة بلاده ورعيته، ما هذا الكلام الذي خاطبتني به فقد حركت مني ما كان ساكناً.
فقال الموبذان: صادفت من الملك السعيد وقت سعد العباد والبلاد فجعلت الكلام مثلاً وموعظة على لسان الطائر عند سؤال الملك إياي عما سأل.
فقال له الملك: أيها الناصح، اكشف لي عن هذا الغرض، ما المراد منه؟ فقال: أيها الملك، إن الأمر لا يتم إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال، ولا قوام للرجال إلا بالمال، ولا سبيل للمال إلا بالعمارة، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل، وهو الميزان المنصوب بين الخليقة، نصبه الرب، جل وعلا وجعل له قيماً وهو الملك.
فقال الملك: أما ما وصفت فحق فأين لي عما إليه تقصد وأوضح لي في البيان.
قال: نعم أيها الملك، إنك عمدت إلى الضياع فأقطعتها الخدم وأهل البطالة فعمدوا إلى ما تعجل من غلاتها فاستعجلوا المنفعة وتركوا العمارة والنظر في العواقب وما يصلح الضياع، وسومحوا في الخراج لقربهم من الملك، ووقع الحيف على الرعية وعمار الضياع، فانجلوا عن ضياعهم، وقلت الأموال وهلكت الجنود والرعية وطمع في ملك فارس من أطاف بها من الملوك والأمم لعلمهم بانقطاع المواد التي بسببها تستقيم دعائم الملك.
فلما سمع الملك ذلك أقام في موضعه ثلاثة أيام وأحضر الوزراء والكتاب وأرباب الدواوين فانتزعت الضياع من أيدي الخاصة والحاشية وردت إلى أربابها وحملوا على رسومهم السالفة وأخذوا في العمارة وقوي من ضعف منهم فعمرت البلاد بذلك وأخصبت وكثرت الأموال عند الجباة وقويت الجنود وانقطعت مواد الأعداء وأقبل الملك يباشر الأمور بنفسه فحسنت سيرته وانتظم ملكه حتى كانت أيامه بعده تدعى بالأعياد مما عم الناس من الخصب وشملهم من العدل.
العاشق ذو المروءة
حكاية أخرى أجنبية. حكي عن الأصمعي أنه قال: دخلت البصرة أريد بادية بني سعد، وكان على البصرة يومئذ خالد بن عبد الله القسري، فدخلت عليه يوماً فوجد قوماً متعلقين بشاب ذي جمال وكمال وأدب ظاهر، بوجه زاهر حسن الصورة طيب الرائحة جميل البزة، عليه سكينة ووقار، فقدموه إلى خالد فسألهم عن قصته فقالوا: هذا لص أصبناه البارحة في منازلنا. فنظر إليه فأعجبه حسن هيئته ونظافته، فقال: خلوا عنه. ثم أدناه منه وسأله عن قصته، فقال: إن القول ما قالوه والأمر على ما ذكروه.
فقال له: ما حملك على ذلك وأنت في هيئة جميلة وصورة حسنة؟ قال: حملني الشره في الدنيا. وبذا قضى الله سبحانه وتعالى.
فقال له خالد: ثكلتك أمك، أما كان لك في جمال وجهك وكمال عقلك وحسن أدبك زاجر لك عن السرقة.
قال: دع عنك هذا أيها الأمير، وانفذ ما أمرك الله تعالى به. فذلك بما كسبت يداي. وما الله بظلام للعبيد.
فسكت خالد ساكة يفكر في أمر الفتى ثم أدناه منه وقال له: إن اعترافك على رؤوس الأشهاد قد رابني وأنا ما أظنك سارقاً. وإن لك قصة غير السرقة فأخبرني بها.
فقال: أيها الأمير، لا يقع في نفسك سوى ما اعترفت به عندك، وليس لي قصة أشرحها لك إلا أني دخلت دار هؤلاء فسرقت منها مالاً فأدركوني وأخذوه مني وحملوني إليك.
فأمر خالد بحبسه وأمر منادياً ينادي في البصرة: ألا من أحب أن ينظر إلى عقوبة فلان اللص وقطع يده فليحضر من الغد.
فلما استقر الفتى في الحبس ووضع في رجليه الحديد تنفس الصعداء، ثم أنشأ يقول:
هددني خالد بقطع يدي ... إن لم أبح عنده بقصتها
فقلت: هيهات أن أبوح بما ... تضمن القلب من محبتها
قطع يدي بالذي اعترفت به ... أهون للقلب من فضيحتها
فسمعه الموكلون به فأتوا خالداً وأخبروه بذلك، فلما جن الليل أمر بإحضاره عنده، فلما حضر استنطقه فرآه أديباً عاقلاً لبيباً ظريفاً فأعجب به فأمر له بطعام فأكلا وتحادثا ساعة. ثم قال له خالد: قد علمت أن لك قصة غير السرقة، فإذا كان غداً وحضر الناس والقضاة وسألتك عن السرقة فأنكرها واذكر فيها شبهاتٍ تدرأ عنك القطع. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ادرءوا الحدود بالشبهات " .
ثم أمر به إلى السجن، فلما أصبح الناس لم يبق بالبصرة رجل ولا امرأة إلا حضر ليرى عقوبة ذلك الفتى، وركب خالد ومعه وجوه أهل البصرة وغيرهم، ثم دعا بالقضاة وأمر بإحضار الفتى، فأقبل يحجل في قيوده، ولم يبق أحد من النساء إلا بكى عليه وارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، فأمر بتسكيت الناس، ثم قال له خالد: إن هؤلاء القوم يزعمون أنك دخلت دارهم وسرقت مالهم فما تقول؟ قال: صدقوا أيها الأمير، دخلت دارهم وسرقت مالهم.
قال خالد: لعلك سرقت دون النصاب.
قال: بل سرقت نصاباً كاملاً.
قال: فلعلك سرقته من غير حرز مثله.؟ قال: بل من حرز مثله.
قال: فلعلك شريك القوم في شيء منه؟ قال: بل هو جميعه لهم لا حق لي فيه.
فغضب خالد وقام إليه بنفسه وضربه على وجهه بالسوط. وقال متمثلاً بهذا البيت:
يريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلا ما أرادا
ثم دعا بالجلاد ليقطع يده. فحضر وأخرج السكين، ومد يده ووضع عليها السكين، فبرزت جارية من صف النساء عليها آثار وسخ، فصرخت ورمت بنفسها عليه، ثم أسفرت عن وجه كأنه البدر وارتفع للناس ضجة عظيمة كاد أن تقع منه فتنة، ثم نادت بأعلى صوتها: إليه رقعة ففضها خالد فإذا هي مكتوب فيها:
أخالد هذا مستهام متيمٌ ... رمته لحاظي من قسي الحمالق
فأصماه سهم اللحظ مني فقلبه ... حليف الجوى من دائه غير فائق.
أقر بما لم يقترفه لأنه ... رأى ذاك خيراً من هتيكة عاشق
فهلا على الصب الكئيب لأنه ... كريم السجايا في الهوى غير سارق
فلما قرأ الأبيات تنحى وانعزل عن الناس وأحضر المرأة، ثم سألها عن القصة، فأخبرته أن هذا الفتى عاشق لها وهي له كذلك، وأنه أراد زيارتها وأن يعلمها بمكانه، فرمى بحجر إلى الدار، فسمع أبوها واخوتها صوت الحجر، فصعدوا إليه، فلما أحس بهم جمع قماش البيت كله وجعله صرة، فأخذوه وقالوا: هذا سارق وأتوا به إليك فاعترف بالسرقة وأصر على ذلك حتى لا يفضحني بي اخوتي، وهان عليه قطع يده لكي يستر علي ولا يفضحني. كل ذلك لغزارة مروءته وكرم نفسه.
فقال خالد: إنه خليق بذلك.
ثم استدعى الفتى إليه وقبل ما بين عينيه وأمر بإحضار أبي الجارية وقال له: يا شيخ إنا كنا عزمنا على إنفاذ الحكم في هذا الفتى بالقطع، وإن الله عصمه من ذلك، وقد أمرت له بعشرة آلاف درهم لبذله يده وحفظه لعرضك وعرض ابنتك وصيانته لكما من العار. وقد أمرت لابنتك بعشرة آلاف درهم، وأنا أسألك أن تأذن لي في تزويجها منه.
فقال الشيخ: قد أذنت أيها الأمير بذلك.
قال: فحمد الله وأثنى عليه وخطب خطبة حسنة وقال للفتى: قد وقدره عشرة آلاف درهم.
فقال الفتى: قبلت منك هذا التزويج.
وأمر بحمل المال إلى دار الفتى مزفوفاً في الصواني، وانصرف الناس مسرورين ولم يبق أحد في سوق البصرة إلا نثر عليهما اللوز والسكر حتى دخلا منزلهما مسرورين مزفوفين.
قال الأصمعي: فما رأيت يوماً أعجب منه أوله بكاء وترح وآخره سرور وفرح.
جعفر بن سليمان والعاشقان وهذه حكاية تشابه ما تقدم. قال حماد الراوية: كنت عند جعفر بن سليمان بالبصرة إذ أتى بشاب حسن الوجه، ومعه جارية كأنها قضيب بان، فقال صاحب الشرطة: أصلح الله الأمير، إني وجدت هذا وهذه مجتمعين في خلوة وليس لها بمحرم.
فقال جعفر للفتى: ما تقول؟ فقال: صدق ولقد طال والله غرامي بها منذ ثلاث سنين والله ما أمكنني الخلوة بها إلا في هذا الوقت، وأنشد يقول:
تمنيت من ربي أفوز بقربها ... فلما تهيأ لي المنى عاقه العسر
فوالله بل والله ما كان ريبةٌ ... وما كان إلا اللفظ والضحك والبشر
فدونكم جلدي ولا تجلدونها ... فكم من حرامٍ كان من دونه ستر
قال: فجعلت الجارية تبكي بكاء شديداً فقال لها: وأنت لم تبكين؟ فقالت: والله شفقة مما حل بنا وكيف احتلت حتى خرجت وكيف بلينا بهذه البلية؟ قال: أتحبينه؟ قال: فلم غررت بنفسي؟ قال لها: أنت حرة أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة.
فأمرها فدخلت الدار وأحضر مولاها فاشتراها منه بمائتي دينار وأعتقها وزوجها الفتى ووهب له مائة دينار وكساها، فأنشد الفتى يقول:
لقد جدت يا ابن الأكرمين بنعمة ... جمعت بها بين المحبين في ستر
فلا زلت بالإحسان كهفاً وملجأ ... وقد جل ما قد كان منك عن الشكر
قال: فضحك وأمر لهما بجائزة وانصرفا مسرورين.
في أيام دولة عبد الملك بن مروان وهو أول من تسمى عبد الملك في الإسلام، وكان يلقب برشح الحجر. ذكره في حياة الحيوان.
وذكر محمد بن واسع الهيتي أن عبد الملك بن مروان بعث كتاباً إلى الحجاج بن يوسف يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى الحجاج بن يوسف، إذا ورد عليك كتابي هذا وقرأته فسير لي ثلاث جوار مولدات نهد أبكار يكون إليهن المنتهى في الجمال، واكتب لي بصفة كل واحدة منهن ومبلغ ثمنها في المال.
فلما ورد الكتاب على الحجاج دعا بالنخاسين، م أمرهم بما أمر به أمير المؤمنين، وأمرهم أن يغوصوا في البلاد حتى يقعوا على الغرض، فلم يزالوا من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم حتى وقعوا على الغرض، ورجعوا إلى الحجاج بثلاث جوار نهد أبكار مولدات ليس لهن مثيل.
وكان الحجاج فصيحاً، فجعل ينظر إلى كل واحدة منهن وثمنها من المال، فوجدهن لا يقومن بقيمة، وأن ثمنهن ثمن واحدة منهن. ثم كتب كتاباً إلى عبد الملك بن مروان يقول فيه: بعد الثناء الجميل وصلني كتاب أمير المؤمنين، متعني الله تعالى ببقائه، يأمر فيه أن أشتري له ثلاث جوار مولدات نهد أبكار، وأن أكتب له بصفة كل واحدة منهن وثمنها. أما الجارية الأولى، أطال الله بقاء أمير المؤمنين، فإنها لطيفة السوالف، عظيمة الروادف، كحلاء العينين، حمراء الوجنتين، قد نهد نهداها والتف فخذاها، كأنها ذهب شيب بفضة، وهي كما قيل:
بيضاء في طرفها دعج يزينها ... كأنها فضة قد شابها ذهب
وثمنها يا أمير المؤمنين، ثلاثون ألف درهم.
وأما الجارية الثانية فإنها فائقة في الجمال معتدلة القد والكمال يشفي السقيم كلامها الرخيم، وثمنها يا أمير المؤمنين، ثلاثون ألف درهم.
وأما الجارية الثالثة، فإنها فاترة الطرف لطيفة الكاف عظيمة الردف شاكرة للقليل مساعدة للخليل، بديعة الجمال، كأنها خشف غزال، وثمنها يا أمير المؤمنين، ثمانون ألف درهم.
ثم أطنب في الشكر والثناء على أمير المؤمنين وطوى الكتاب وختمه ودعا بالنخاسين وقال: تجهزوا للسفر بهؤلاء الجواري لأمير المؤمنين ا ه؟.
فقال أحد النخاسين: أيد الله الأمير: إني رجل كبير وضعيف عن السفر ولي ولد ينوب عني فتأذن لي أن أجهزه؟ قال: نعم.
فتجهزوا وخرجوا ففي بعض مسيرهم نزلوا ليستريحوا في بعض الأماكن فنامت الجواري فهبت ريح فانكشفت إحداهن. وهي الكوفية فظهر نور ساطع وكان اسمها مكتوم، فنظر إليها ابن النخاس، وكان شاباً جميلاً ففتن بها لساعته، فأتاها على غفلة من أصحابه وجعل يقول:
أمكتوم عيني لا تمل من البكا ... وقلبي بأسهام الأسى يترشق
أمكتوم! كم من عاشق قتل الهوى ... وقلبي رهين كيف لا أتعشق؟
فأجابته تقول:
لو كان حقاً ما تقول لزرتنا ... ليلاً، إذا هجعت عيون الحسد
فلما جن الليل، انقض ابن النخاس بسيفه وأتى نحو الجارية فوجدها قائمة تنتظر قدومه، فأخذها وأراد الهرب بها ففطن به أصحابه فأخذوه وكتفوه وأوثقوه بالحديد ولم يزل مأسوراً معهم إلى أن قدموا على عبد الملك.
فلما قدموا بالجواري بين يديه، أخذ الكتاب وفتحه وقرأه فوجد الصفة موافقة في اثنتين ولم توافق في الثالثة، ورأى بوجهها صفرة، وهي الجارية الكوفية، فقال للنخاسين: ما بال هذه الجارية لم توافق الصفة التي ذكرها الحجاج في كتابه، وما هذا الإصفرار الذي بها، وهذا النحول؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين، نقول وعلينا الأمان.
قال: إن صدقتم أمنتم؛ وإن كذبتم هلكتم.
فخرج أحد النخاسين وأتى بالفتى، وهو مصفد بالحديد، فلما قدموه بين يدي أمير المؤمنين وأخبروه بما فعل بكى بكاء شديداً وأيقن بالعذاب ثم أنشأ يقول:
أمير المؤمنين أتيت رغماً ... وقد شدت إلى عنقي يديا
مقراً بالقبيح وسوء فعلي ... ولست بما رميت به بريا
فإن تقتل ففوق القتل ذنبي ... وإن تعف فمن جودٍ عليا
فقال له عبد الملك: يا فتى ما حملك على ما فعلت؟ أستخفافاً بنا أم هوى للجارية؟ فقال: وحقك يا أمير المؤمنين، وعظيم قدرك، ما هو إلا هوى للجارية.
فقال: هي لك بما أعد لها.
فأخذ الغلام الجارية بكل ما أعد لها أمير المؤمنين من الحلي والجمان وسار بها فرحاً مسروراً حتى إذا كانا ببعض الطريق نزلا منزلاً ليلاً فتعانقا. فلما أصبح الصباح وأراد الناس الرحيل، نبهوهما فوجدا ميتين. فبكوا عليهما ودفنوهما في الطريق. ومضى خبرهما إلى أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فبكى عليهما وتعجب من ذلك.
شجرة العروسين وهذه حكاية تشابهها في العشق. حكي عن عبد الله بن معمر القيسي أنه قال: حججت سنةً إلى بيت الله الحرام، فلما قضيت حجي عدت لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما أنا ذات ليلة جالس بين القبر والروضة إذ سمعت أنيناً عالياً وحنيناً بادياً، فأنصت إليه، فإذا هو يقول هذه الأبيات:
أشجاك نوح حمائم السدر ... فأهجن منك بلابل الصدر؟
أم عز نومك ذكر غانية ... أهدت إليك وساوس الفكر
يا ليلة طالت على دنف ... يشكو الغرام وقلة الصبر
أسلمت من يهوى لحر جوى ... متوقد كتوقد الجمر
فالبدر يشهد أنني كلف ... مغرى بحب شبيهة البدر
ما كنت أحسبني بها شجناً ... حتى بليت وكنت لا أدري
قال: ثم انقطع الصوت ولم أدر من أين جاءني فبقيت حائراً، وإذا به قد أعاد البكاء والحنين وأنشأ يقول هذه الأبيات:
أشجاك من ريا خيال زائر ... والليل مسود الذوائب عاكر
واقتاد مقلتك الهوى برسيسه ... واهتاج مقلتك الخيال الزاهر
ناديت ليلى، والظلام كأنه ... يم تلاطم فيه موج زاخر
والبدر يسري في السماء كأنه ... مالك ترحل، والنجوم عساكر
يا ليل! طلت على محب ما له ... إلا الصباح مساعد وموازر
فأجابني: مت حتف أنفك واعلمن ... أن الهوى لهو الهوان الحاضر
قال: فنهضت عند ابتدائه الأبيات أؤم الصوت فما انتهى لآخر الأبيات إلا وأنا عنده، فرأيت غلاماً ما سال عذاره، وقد خرج الدمع وجنتيه خرقين، فقلت: نعمت غلاماً! فقال: وأنت، فمن الرجل؟ قلت: عبد الله بن معمر القيسي.
قال: أفلك حاجة؟ قلت له: كنت جالساً في الروضة، فما راعني في هذه الليلة إلا صوتك فبنفسي أفديك، ما الذي تجده؟ قال: اجلس! فجلست، أنا عتبة بن الخباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري، غدوت إلى مسجد الأخراب فبقيت راكعاً وساجداً ثم اعتزلت غير بعيد، فإذا بنسوة يتهادين كالأقمار، وفي وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي، وقالت: يا عتبة، ما تقول في وصل من يطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت. فلم أسمع لها خبراً ولا وقفت لها على أثر. فأنا حيران أتنقل من مكان إلى مكان.
ثم صرخ وانكب على الأرض مغشياً عليه، ثم أفاق كأنما صبغت ديباجتا خديه بورس ثم أنشد يقول هذه الأبيات:
أراكم بقلبي من بلاد بعيدة ... تراكم تروني بالقلوب على بعد
فؤادي وطرفي يأسفان عليكم ... وعندكم روحي وذكركم عندي
ولست ألذ العيش حتى أراكم ... ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد
قال: فقلت له: يا ابن أخي تب إلى ربك واستقل من ذنبك، فإن بين يديك هول المطلع.
فقال: هيهات ما أنا بسال حتى يثوب القارظان.
ولم أزل به حتى طلع الفجر، فقلت: قم بنا إلى مسجد الأخراب، فقمنا إليه فجلسنا حتى صلينا الظهر، وإذا بنسوة قد أقبلن وأما الجارية فليست فيهن فقلن: يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاشفة ما بك؟ قال: وما بالها قلن: أخذها أبوها وارتحل إلى السماوة. فسألتهن على الجارية فقلن: هي ريا بنت الغطريف السلمي، فرفع رأسه وأنشأ يقول:
خليلي! ريا قد أجد بكورها ... وسار إلى أرض السماوة عيرها
خليليّ! إني قد عييت عن البكا ... فهل عند غيري عبرة أستعيرها؟
فقلت له: يا عتبة إني وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر، ووالله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك وفوق الرضا. قم بنا إلى مسجد الأنصار، فقمنا حتى أشرفنا على مائهم فسلمت فأحسنوا الرد ثم قلت: أيها الملأ، ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا: من سادات العرب، قلت: فإنه رمي بداهية من الهوى فأريد منكم المساعدة إلى السماوة، قالوا: سمعاً وطاعة.
وركبنا وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم فأعلم الغطريف بمكاننا فخرج مبادراً واستقبلنا وقال: حييتم يا كرام! قلنا: وأنت حييت، إنا لك أضياف، فقال: نزلتم بأكرم منزل.
ثم نادى: يا معشر العبيد انزلوا. فنزلت العبيد ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت النعم والغنم. فقلنا: لسنا بذائقين طعامك حتى تقضي حاجتنا. قال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب ابنتك الكريمة لعتبة بن الخباب بن المنذر العالي الفخر الطيب العنصر. فقال: يا أخي إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل وأخبرها.
ثم نهض مغضباً ودخل إلى ريا فقالت: يا أبتي! ما لي أرى الغضب بين عينيك؟ فقال: ورد علي قوم من الأنصار يخطبونك مني. فقالت: سادات كرام استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم فلمن الخطبة فيهم؟ قال: لفتى يعرف بعتبة بن الخباب، قالت: سمعت عن عتبة هذا أنه يقي بما وعد ويدرك ما طلب. قال: أقسمت لا أزوجك به أبداً فقد نمى إلي بعض حديثك معه. قالت: ما كان ذلك؟ قال: ولكن أقسمت أني ما أزوجك به. قالت: أحسن إليهم فإن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً، فأحسن الرد. قال: بأي شيء؟ قالت: أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون. قال: ما أحسن ما قلت.
ثم خرج مبادراً. فقال: إن فتاة الحي قد أجابت ولكن أريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ قال عبد الله فقلت: أنا! فقال: أريد لها ألف سوار من ذهب أحمر، وخمسة آلاف درهم من ضرب هجر، ومائة ثوب من الأبراد والحبر، وخمسة أكرشة من العنبر.
قال قلت: لك ذلك، فهل أجبت؟ قال: أجل.
فأنفذ عبد الله نفراً من الأنصار إلى المدينة المنورة فأتوا بجميع ما ضمنه وذبحت النعم والغنم، واجتمع الناس لأكل الطعام. قال: فأقمنا على هذا لحال أربعين يوماً. ثم قال: خذوا فتاتكم فحملناها على هودج وجهزها بثلاثين راحلة من التحف ثم ودعنا وانصرف، وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة المنورة مرحلة خرجت علينا خيل تريد الغارة، وأحسب أنها من بني سليم، فحمل عليها عتبة بن الخباب فقتل عدة رجال وانحرف راجعاً وبه طعنة، ثم سقط إلى الأرض. وأتتنا النصرة من سكان تلك الأرض فطردوا عنا الخيل، وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وا عتبتاه! فسمعنا الجارية تقول وا عتبتاه، فألقت نفسها من فوق البعير وانكبت عليه وجعلت تصيح وتقول بحرقة:
تصبرت لا أني صبرت، وإنما ... أعلل نفسي أنها بك لاحقة
ولو أنصفت روحي لكانت إلى الردى ... أمامك من دون البرية سابقة
فما أحد بعدي وبعدك منصف ... خليلاً، ولا نفس لنفس موافقة
ثم شهقت شهقة قضت نحبها. واحتفرنا لهما قبراً واحداً وواريناهما في التراب، ورجعت إلى ديار قومي وأقمت سبع سنين، ثم عدت إلى الحجاز ووردت المدينة المنورة للزيارة فقلت: لأعودن إلى قبر عتبة، فأتيت إلى القبر، فإذا شجرة عليها عصائب حمر وصفر وخضر، فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ فقالوا: شجرة العروسين، فأقمت عند القبر يوماً وليلة وانصرفت وكان آخر العهد به.
العاشق الكتوم ومثل ما تقدم من العشق وما ورد في كتمان الهوى مع تحقق النظر عند إعلانه. ما حكي عن بعض المعمرين من ذوي النعم قال: بينما أنا في منزلي إذ دخل علي خادم لي ومعه كتاب، فقال: رجل بالباب دفع إلي هذا الكتاب ففتحته فإذا فيه:
تجنبك البلاء، ونلت خيراً ... ونجاك المليك من الغموم
فعندك لو مننت شفاء نفسي ... وأعضاء ضنين من الكلوم
فقلت: عاشق والله، وقلت للخادم: اخرج وائتني به، فخرج فلم ير أحداً فعجبت من أمره وأحضرت الجواري كلهن من يخرج منهن ومن لم يخرج منهن وسألتهن عن ذلك فحلفن أنهن لا يعرفن من حديث هذا الكتاب شيئاً، فقلت: إني لم أفعل ذلك بخلاً بمن يهوى منكن، فمن عرفت بحال هذا الفتى، فهي هبة مني له بمالها ومائة دينار. وكتبت جوابه أشكره على ذلك وأسأله قبولها ووضعت الكتاب في جنب البيت ومائة دينار، وقلت: من عرف شيئاً فليأخذه، فمكث الكتاب والذهب أياماً لا يأخذه أحد، فغمني ذلك، وقلت: هذا قنع ممن يحبه بالنظر، فمنعت من يخرج من جواري من الخروج. فما كان إلا يوماً أو بعض يوم إذ دخل علي الخادم ومعه كتاب. وقال هذا من بعض أصدقائك بعث به إليك. فقلت: اخرج وائتني به. فخرج فلم يجده ففتحت الكتاب فإذا فيه:
ماذا أتيت إلى روح معلقة ... عند التراقي، وحادي الموت حاديها
حثثت حاديها ظلماً، فجد بها ... في السير حتى تخلت عن تراقيها
والله لو قيل لي: تأتي بفاحشةٍ ... وإن عقباك دنيانا وما فيها
لقلتُ: لا والذي أخشى عقوبته ... ولا بأضعافها ما كنت آتيها
لولا الحياء لبحنا بالذي سكنت ... بيت الفؤاد وأبدينا أمانيها
قال: فغمني أمره فقلت للخادم: لا يأتينك أحد بكتاب إلا قبضنا عليه. قال: وقرب موسم الحج. قال: فبينما أنا قد أفضت من عرفة، وإذا فتى إلى جانبي على ناقة لم يبق منه إلا الخيال، فسلم علي فرددت عليه السلام ورحبت به، فقال: أتعرفني؟ فقلت: وما أنكرك بسوء. فقال: أنا صاحب الكتابين. فانكببت عليه فقلت له: يا أخي لقد غمني أمرك وأقلقني كتمانك لنفسك ووهبت لك طلبك ومائة دينار. فقال: بارك الله لك إنما أتيتك مستحلاً من نظر كنت أنظره على غير حكم الكتاب والسنة. فقلت: غفر الله لك وللجارية فسر معي إلى منزلي لأسلمها إليك ومائة دينار مثلها في كل سنة. فقال: لا حاجة لي بذلك. فألححت عليه فلم يفعل. فقلت له: أما إذا أبيت فعرفني من هي من جواري لأكرمها من أجلك ما حييت. فقال: ما كنت لأسميها لأحد. وودعني وانصرف وكان آخر العهد به. انتهى.
تولية الحجاج للعراق ونعود إلى الكلام على ما وقع في زمان عبد الملك بن مروان. روي أنه لما ولي الحجاج الحرمين الشريفين حظي عنده إبراهيم بن محمد بن طلحة فلما أراد الحجاج الرجوع إلى الشام إلى عبد الملك بن مروان، وفد معه إبراهيم بن محمد بن طلحة وقال: أتيتك برجل الحجاز في الشرف والأبوة والفضل والمروءة يا أمير المؤمنين، مع ما هو عليه من حسن الطاعة وجميل المناصحة، والله لم يكن في الحجاز له نظير، فبالله عليك يا أمير المؤمنين، إلا فعلت معه من الخير ما هو مستحقه؟ فقال عبد الملك: من هو يا أبا محمد؟ قال له: إبراهيم بن محمد بن طلحة.
قال: يا أبا محمد لقد ذكرتنا بحق واجب ائذن له في الدخول.
فلما دخل على عبد الملك أمر بجلوسه في صدر المجلس ثم قال: إن أبا محمد الحجاج ذكر لنا ما نعرفه من كمال مروءتك وحسن نصيحتك، فلا تدع في صدرك حاجة إلا أعلمتنا بها حتى نقضيها لك ولا نضيع شكر أبي محمد الحجاج فيك.
قال إبراهيم: إن الحاجة التي نبغي بها وجه الله تعالى والتقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في القيامة نصيحة أمير المؤمنين. قال: قل! قال: لا أقولها وبيني وبينك ثالث.
قال: ولا صديقك الحجاج؟ قال: لا.
قال: قم.
فقام خجلاً وهو لا يعرف أين تطأ رجله، فلما مضى قال له: هات نصيحتك.
فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، وليت الحجاج الحرمين الشريفين وفيهما من تعرف من أولاد المهاجرين والأنصار وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما تعلمه من ظلمه وفسقه وجوره وبعده من الحق وقربه إلى الباطل، يسومهم الخسف ويطؤهم بالعسف، فليت شعري أي جواب أعددته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سألك الله في عرصات القيامة عن ذلك؟ فبالله عليك يا أمير المؤمنين، إلا عزلته وادخرتها قربة إلى الله تعالى.
فقال عبد الملك: لقد ظن الحجاج الخير بغير أهله، ثم قال: يا إبراهيم! قم.
فقمت على أنحس حال وخرجت من المجلس، وقد اسودت الدنيا في وجهي فتبعني حاجبه وقبض على زندي وجلس بي في الدهليز، ثم دعا عبد الملك بالحجاج. فدخل فمكث طويلاً فما شككت إلا أنهما يتشاوران في قتلي. ثم دعاني فقمت ودخلت فوافاني الحجاج خارجاً فعانقني، وقال: جزاك الله عني خيراً في هذه النصيحة، أما والله لئن عشت لأرفعن قدرك.
وتكرني وخرج ودخلت وأنا أقول: يهزأ بي، وهو معذور، فدخلت على عبد الملك فأجلسني مجلسي الأول ثم قال لي: قد علمت صدقك وقد عزلته عن الحرمين ووليته العراق وأعلمته أنك استقللت له الحجاز واستدعيت له العراق، وأنك تطلب له الزيادة في الأعمال وهو يظن أنك السبب في توليته العراق، وقد تهلل وجهه فرحاً لذلك، فسر معه أينما توجه يولك خيراً، ولا تقطع نصيحتك عنا والله أعلم.
كيف ولد الحجاج وفي مروج الذهب للمسعودي وشرح السيرة وغيرهما. أن أم الحجاج ابن يوسف وهي الفارعة بنت همام. ولدته مشوهاً لا دبر له فثقب دبره، وأبى أن يقبل ثدي أمه وغيرها فأعياهم أمره، فيقال: إن الشيطان تصور لهم في صورة الحرث بن كلدة، فقال: ما خبركم؟ فقالوا: ولد ليوسف الثقفي من الفارعة ولد وقد أبى أن يقبل ثدي أمه فقال: اذبحوا له تيساً أسود والعقوه دمه ثم اذبحوا له أسود سالخاً، وأولغوه من دمه واطلوا به وجهه ثلاثة أيام ففعلوا فقبل الثدي في اليوم الرابع فكان لا يصبر عن سفك الدم وارتكاب أمور لا يقدر عليها غيره، انتهى.
الحجاج والأعرابي
وحكي أن الحجاج انفرد يوماً من عسكره فلقي أعرابياً فقال له: يا وجه العرب، كيف الحجاج؟ فقال: ظالم غاشم. قال: هلا شكوته إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: أظلم وأغشم عليهما لعنة الله.
فبينما هو كذلك إذ تلاحقت به عساكره فعلم الأعرابي أنه الحجاج فقال الأعرابي: أيها الأمير السر الذي بيني وبينك لا يطلع عليه أحد إلا الله.
فتبسم الحجاج وأحسن إليه وانصرف.
الحجاج والفتى المحدث وذكر أهل التواريخ أن الحجاج بن يوسف الثقفي سهر ليلة وعنده جماعة منهم خالد بن عرفطة فقال: يا خالد ائتني بمحدث من المسجد. والناس إذ ذاك يطلبون المقام في المسجد. فانتهى إلى شاب قائم يصلي فجلس حتى سلم ثم قال: أجب الأمير.
فقال: أبعثك الأمير إلي قاصداً.
قال: نعم فمضى معه حتى انتهى إلى الباب فقال له خالد: كيف أنت ومحادثة الأمير.
قال: سيجدني كما يحب إن شاء الله تعالى.
فلما دخل عليه قال له الحجاج: هل قرأت القرآن؟ قال: نعم وقد حفظته.
قال: فهل تروي شيئاً من الشعر.
قال: وما من شاعر إلا وأروي عنه؟ قال: فهل تعرف من أنساب العرب ووقائعها؟ قال: لا يذهب عني شيء من ذلك.
فلم يزل يحدثه بكل ما أحب حتى إذا هم بالانصراف، قال: يا خالد، مر للفتى ببرذون وغلام ووصيفة وأربعة آلاف درهم.
فقال الفتى: أصلح الله الأمير بقي من حديثي أظرفه وأعجبه فأعاده الحجاج إلى مجلسه وقال: حدثني.
فقال: أصلح الله الأمير هلك والدي وأنا طفل صغير فنشأت في حجر عمي وله ابنة بسني، وكان في التصابي من الصبا وما كنا فيه أعجوبة، حتى إذا بلغت وبلغت تنافس الخطاب فيها وبذلوا فيها أموالاً لجمالها وكمالها، فلما رأيت ذلك خامرني السقم، وضنيت ورميت على الفراش ثم عمدت إلى خابية عظيمة فملأتها رملاً وصخراً وقبرت رأسها ودفنتها تحت فراشي، فلما تم على ذلك أيام بعثت إلى عمي فقلت: يا عمي، إني كنت أريد السفر فوقعت على مال عظيم وخفت أن أموت ولا يعلمه أحد فإن حدث بي أمر فأخرجه وأعتق عني عشر نسمات واحجج عني عشر حجج، وجهز عني عشر رجال بخيولهم وأسلحتهم، وتصدق عني بألف دينار، ولا تبال يا عم! فإن المال كثير.
فلما سمع عمي مقالتي أتى امرأته فأخبرها بقولي فما كان بأسرع من أن أقبلت بجواريها حتى دخلت علي فوضعت يدها على رأسي ثم قالت: والله يا ابن أخي ما علمت بسقمك وما حل بك حتى أخبرني أبو فلان الساعة. وأقبلت تلاطفني وتعالجني بالأدوية وحملت لي لطائف، وردت الخطاب عن ابنتها، فلما رأيت ذلك تحاملت ثم بعثت إلى عمي أن الله عز وجل قد أحسن إلي وعافاني فابتغ لي جارية من خصالها وكمالها كيت وكيت، ولا يسألونك شيئاً إلا أعطيته، فقال: يا ابن أخي ما يمنعك من ابنة عمك؟ فقلت: هي من أعز خلق الله تعالى علي غير أني قد خطبتها قبل ذلك فامتنعت.
قال: كلا، إن الامتناع كان من قبل أمها، وهي الآن قد سمحت ورضيت بذلك.
فقلت: شأنك.
فرجع إلى امرأته فأخبرها بقولي، فجمعت عشيرتها فزوجوني إياها فقلت: عجل علي بابنة عمي كيف شئت ثم أريك الخابية. فأهديت إلي، ولم تدع شيئاً يصنع بأشراف النساء إلا فعلته. ثم زفت ابنتها علي وأحضرتها بكل ما وجدت إليه سبيلاً، وأخذ عمي متاعاً من التجار بعشرة آلاف درهم، وكان يأتينا في كل صباح من قبل أبويها لطائف وتحف مدة. فلما كان بعد ذلك بأيام أتاني عمي وقال: يا ابن أخي، إنا قد أخذنا من التجار متاعاً بعشرة آلاف درهم، وليسوا صابرين على حبس الثمن.
قلت: شأنك والخابية.
فمر مسرعاً حتى جاء بالرجال والحبال فاستخرجها وحملها، ومر مسرعاً بها إلى منزله، فلما فتحها كان فيها ما علمت، فما كان بأسرع من أن جاءت أمها بجواريها فلم تدع في منزلي كثيراً ولا قليلاً إلا حملته، فبقيت مهاناً على الأرض وجفتنا كل الجفاء، فهذا حالي، أصلح الله الأمير، فأنا من خجلي وضيق صدري آوي إلى المساجد.
فقال الحجاج: يا خالد، مر للفتى بثياب ديباج وفرس أرمنية وجارية وبرذون وغلام وعشرة آلاف درهم. وقال: يا فتى اغد إلى خالد غداً حتى تستوفي منه المال.
فخرج الفتى من عند الحجاج، قال: فلما انتهيت إلى باب داري سمعت ابنة عمي تقول: ليت شعري ما أبطأ بابن عمي، أقتل أم مات أم عرض له سبع؟
قال: فدخلت عليها وقلت: يا ابنة عمي أبشري وقري عيناً فإني أدخلت على الحجاج فكان من القصة كيت وكيت. وحكيت لها ما كان من أمري، فلما سمعت الفتاة مقالتي لطمت وجهها وصاحت، فسمع أبوها وأمها وأخواتها صراخها فدخلوا عليها وقالوا لها: ما شأنك؟ فقالت لأبيها: لا وصل الله رحمك ولا جزاك عني وعن ابن أخيك خيراً جفوته وضيعته حتى أصابته الخفة وذهب عقله اسمع مقالته.
فقال العم: يا ابن أخي ما حالك؟ فقلت: والله ما بي من بأس إلا أني دخلت على الحجاج وذكر له من أمره ما كان وأنه أمر له بمال جزيل.
فقال العم لما سمع مقالته: هذه مرة صفراء ثائرة فباتوا يحرسونه تلك الليلة فلما أصبحوا بعثوا إلى المعالج فجعل يعالجه ويسعطه مرة ويسهله أخرى، فيقول الفتى: والله ما بي من بأس وإنما أدخلت على الحجاج فكان كيت وكيت. فلما رأى الفتى أن ذكر الحجاج لا يزيده إلا بلاء كف عنه وعن ذكره ثم قال له: ما تقول في الحجاج؟ قال: ما رأيته. ثم خرج المعالج فقال لهم قد ذهب عنه الأذى ولكن لا تعجلوا بحل قيده فبقي الفتى مقيداً مغلولاً.
فلما كان بعد أيام ذكره الحجاج فقال: يا خالد ما فعل الفتى؟ فقال: أصلح الله الأمير ما رأيته منذ خرج من حضيرة الأمير.
قال: فابعث إليه أحداً.
قال: فبعث إليه خالد حرسياً، فمر الحرسي على عم الفتى فقال له: ما فعل ابن أخيك؟ فإن الحجاج يطلبه.
قال: إن ابن أخي لفي شغل عن الحجاج قد ابتلى ببلاء في عقله.
قال: لا أدري ما تقول، لا بد من الذهاب به الساعة.
فدخل عليه العم فقال: يا ابن أخي، إن الحجاج قد بعث في طلبك أفأحلك؟ قال: لا، إلا بين يديه.
فحمل في قيوده وغله على ظهور الرجال حتى أدخل على الحجاج. فلما نظره من بعد جعل يرحب به حتى انتهى إليه فكشف قيده وغله وقال: أصلح الله الأمير، إن آخر أمري أعجب من أوله، وحدثه بحديثه فعجب الحجاج وقال: يا خالد، أضعف للفتى ما كنا قد أمرنا له، فقبض المال أجمع وحسن حاله ولم يزل مسامراً للحجاج حتى مات.
؟
الأعرابي وحلوى الحجاج وحضر أعرابي عند الحجاج فقدم الطعام فأكل الناس منه ثم قدمت الحلوى فترك الحجاج الأعرابي حتى أكل منها لقمة ثم قال: من أكل من الحلوى ضربت عنقه، فامتنع الناس من أكلها وبقي الأعرابي ينظر إلى الحجاج مرة وإلى الحلوى مرة ثم قال: أيها الأمير أوصيك بأولادي خيراً. ثم اندفع يأكل فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه وأمر له بصلة.
علموا أولادكم الأدب وحكي أن الحجاج أمر صاحب حراسته أن يطوف بالليل فمن وجده بعد العشاء ضرب عنقه. فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان يتمايلون وعليهم أثر الشراب، فأحاط بهم وقال لهم: من أنتم حتى خالفتم الأمير؟ فقال الأول:
أنا ابن من دانت الرقاب له ... ما بين مخزومها وهاشمها
تأتي إليه الرقاب صاغرة ... يأخذ من مالها ومن دمها
فأمسك عن قتله، وقال: لعله من أقارب أمير المؤمنين، وقال الثاني:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره ... وإن نزلت يوماً فسوف تعود
ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره ... فمنهم قيامٌ حولها وقعود
فأمسك عن قتله وقال: لعله من أشراف العرب، وقال الثالث:
أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه ... وقومها بالسيف حتى استقامت
ركاباه لا تنفك رجلاه منهما ... إذا الخيل في يوم الكريهة ولت
فأمسك عن قتله وقال: لعله من شجعان العرب. فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج فأحضرهم وكشف عن حالهم، فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن فوال، والثالث ابن حائك. فتعجب الحجاج من فصاحتهم وقال لجلسائه: علموا أولادكم الأدب، فوالله لولا الفصاحة لضربت أعناقهم، ثم أطلقهم وأنشد:
كن ابن من شئت واكتسب أدباً ... يغنيك محموده عن النسب
ن الفتى من يقول: ها أنا ذا! ... ليس الفتى من يقول: كان أبي
الحجاج والأسرى
وقيل: أمر الحجاج بقتل أسرى. فقتل منهم جماعة، فقال رجل منهم وقد عرض للقتل: يا حجاج. إن كنا أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو، والله تعالى يقول: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء " . فهذا قول الله تعالى في الكفار فكيف بالمسلمين. وقد قال الشاعر:
وما نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
فقال الحجاج: أف لهؤلاء الجيف والله لو قال هؤلاء مثل ما قال هذا الرجل ما قتلت منهم أحداً ولكن أطلقوا بقيتهم.
الحجاج والمرأة الحرورية قال الرواي: ولما ولي الحجاج العراق قال: علي بالمرأة الحرورية. فلما حضرت قال لها: كنت بالأمس في وقعة ابن الزبير تحرضين الناس على قتل رجالي ونهب أموالي؟ قالت: نعم. قد كان ذلك يا حجاج.
فلتفت الحجاج إلى وزرائه وقال: ما ترون في أمرها؟ فقالوا: عجل بقتلها.
فضحكت المرأة فاغتاظ الحجاج وقال: ما أضحكك؟ قالت: وزراء أخيك فرعون خير من وزرائك هؤلاء.
قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأنه استشارهم في موسى فقالوا: " أرجه وأخاه " ، أي أنظره إلى وقت آخر، وهؤلاء يسألونك تعجيل قتلي. فضحك الحجاج وأمر لها بعطاء وأطلقها.
الحجاج وهند بنت النعمان وحكي أن هند بنت النعمان كانت أحسن نساء زمانها. فوصف للحجاج حسنها فخطبها وبذل لها مالاً جزيلاً وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم ودخل بها.
ثم أنها انحدرت معه إلى بلد أبيها المعرة. وكانت هند فصيحة أديبة، فأقام بها الحجاج بالمعرة مدة طويلة. ثم إن الحجاج رحل بها إلى العراق فأقامت معه ما شاء الله، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة، وتقول:
وما هند إلا مهرةٌ عربيةٌ ... سلالة أفراس تحللها بغل
فإن ولدت فحلاً فلله درها ... وإن ولدت بغلاً فجاء به البغل
فلما سمع الحجاج كلامها انصرف راجعاً ولم يدخل عليها. ولم تكن علمت به، فأراد الحجاج طلاقها، فأنفذ إليها عبد الله بن طاهر وأنفذ لها معه مائتي ألف درهم، وهي التي كانت لها عليه، وقال: يا ابن طاهر، طلقها بكلمتين، ولا تزد عليهما. فدخل عبد الله بن طاهر عليها فقال لها: يقول لك أبو محمد الحجاج كنت فبنت. وهذه المائتا ألف درهم التي كانت لك قبله.
فقالت: اعلم يا ابن طاهر، إنا والله كنا فما حمدنا، ثم بنا فما ندمنا وهذه المائتا ألف هي لك ببشارتك بخلاصي من كلب ثقيف.؟ ثم بعد ذلك بلغ أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان خبرها، ووصف له جمالها، فأرسل إليها يخطبها لنفسه، فأرسلت إليه كتاباً تقول فيه بعد الثناء عليه: اعلم يا أمير المؤمنين، أن الكلب ولغ في الإناء. فلما قرأ عبد الملك بن مروان الكتاب ضحك من قولها، وكتب إليها يقول: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، إحداهن بالتراب، فغسل الإناء يحل الاستعمال.
فلما قرأ كتاب أمير المؤمنين، لم يمكنها المخالفة فكتبت إليه تقول: بعد الثناء عليه، اعلم يا أمير المؤمنين أني لا أجري العقد إلا بشرط، فإن قلت: ما الشرط؟ أقول: أن يقود الحجاج محملي من المعرة إلى بلدتك التي أنت فيها ويكون ماشياً حافياً بحليته التي كان فيها أولاً.
فلما قرأ ذلك الكتاب عبد الملك ضحك ضحكاً شديداً، وأرسل إلى الحجاج يأمره بذلك. فلما قرأ الحجاج رسالة أمير المؤمنين أجاب ولم يخالف وامتثل الأمر.
وأرسل الحجاج إلى هند يأمرها بالتجهز فتجهزت وسار الحجاج في موكبه حتى وصل إلى المعرة بلد هند. فركبت في محمل وركب حولها جواريها وخدمها فترجل الحجاج، وهو حاف، وأخذ بزمام البعير يقوده ويسير بها، فأخذت تهزأ منه وتضحك مع الهيفاء دابتها، ثم إنها قالت لدايتها: يا دايتي اكشفي لي ستارة المحمل لنشم رائحة النسيم! فكشفته فوقع وجهها في وجهه فضحكت عليه، فأنشد يقول:
فإن تضحكي يا هند يا رب ليلة ... تركتك فيها كالقباء المفرج
فأجابته تقول:
وما نبالي إذا أرواحنا سلمت ... بما فقدناه من مال ومن نشب
فالمال مكتسب والعز مرتجع ... إذا النفوس وقاها الله من عطب
ولم تزل تلعب وتضحك إلى أن قربت من بلد الخليفة فلما قربت من البلد رمت من يدها ديناراً على الأرض وقالت: يا جمال! إنه سقط منا درهم فادفعه إلينا. فنظر الحجاج إلى الأرض فلم ير إلا ديناراً فقال: إنما هو دينار. فقالت: بل درهم. قال: بل دينار. فقالت: الحمد لله سقط منا درهم فعوضنا الله ديناراً. فخجل الحجاج وسكت ولم يرد جواباً ثم دخل بها على عبد الملك بن مروان فتزوج بها وكان من أمرها ما كان.
الحجاج وقتله لسعيد بن جبير قال عون بن أبي شداد العبدي بلغني أن الحجاج بن يوسف لما ذكر له سعيد بن جبير أرسل قائداً من الشام يسمى المتلمس بن الأحوص ومعه عشرون رجلاً، فبينما هم يطلبونه إذا هم براهب في صومعة له فسألوه عنه فقال الراهب: صفوه؟ فوصفوه، فدلهم عليه، فانطلقوا فوجدوه ساجداً يناجي ربه بأعلى صوته، فدنوا منه وسلموا عليه، فرفع رأسه فأتم بقية صلاته ثم رد عليهم السلام، فقالوا له: أرسل الحجاج إليك فأجبه.
فقال: لا بد من الإجابة؟ قالوا: لا بد.
فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم قام فمشى معهم حتى انتهى إلى دير الراهب، فقال الراهب: يا معشر الفرسان أصبتم صاحبكم؟ قالوا: نعم! قال: اصعدوا إلى الدير فإن الأسد واللبوة يأويان إلى الدير، فعجلوا الدخول قبل المساء.
ففعلوا ذلك وأبى سعيد أن يدخل الدير، فقالوا: ما نراك ألا تريد الهرب؟ قال: لا، ولكن لا أدخل منزل مشرك أبداً.
قالوا: فإنا لا ندعك فإن السباع تقتلك؟ قال سعيد: إن معي ربي يصرفها عني ويجعلها حرساً لي من كل سوء إن شاء الله تعالى.
قالوا: أفأنت نبي من الأنبياء؟ قال: ما أنا من الأنبياء ولكن عبد من عبيد الله خاطئ مذنب.
قالوا: احلف لنا أنك لا تبرح؟ فحلف لهم، فقال لهم الراهب: اصعدوا الدير وأوتروا القسي لتنفروا السباع عن هذا العبد الصالح فإنه كره الدخول علي في الصومعة. فدخلوا وأوتروا القسي فإذا هم بلبوة أقبلت ودنت من سعيد وتحككت وتمسحت به، ثم ربضت قريباً منه، ثم أقبل الأسد فصنع مثل ذلك. فلما رأى الراهب ذلك، وأصبحوا، نزل إليه وسأله عن شرائع الإسلام وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم ففسر سعيد ذلك كله، فأسلم الراهب وحسن إسلامه. وأقبل القوم على سعيد يعتذرون إليه ويقبلون يديه ورجليه ويأخذون التراب الذي وطئه بالليل وصلى عليه وقالوا: يا سعيد، حلفنا للحجاج بالطلاق إن نحن رأيناك لا ندعك حتى نشخصك إليه فمرنا بما شئت؟ قال: امضوا لشأنكم، فإنه لا بد من الرجوع لخالقي ولا راد لقضائه.
فساروا حتى وصلوا واسط فلما انتهوا قال لهم سعيد: يا معشر القوم قد تحرمت بكم وصحبتكم ولست أشك أن أجلي قد حضر وأن المدة قد انقضت، فدعوني الليلة آخذ أهبة الموت وأستعد لمنكر ونكير وأذكر عذاب القبر وما يحثى علي من التراب، فإذا أصبحتم فالميعاد بيني وبينكم المكان الذي تريدون.
فقالوا لبعضهم: لا نريد ثراً بعد عين. وقال بعضهم: قد بلغتم أمنيتكم واستوجبتم جوائزكم من الأمير فلا تعجزوا عنه. فقال بعضهم: هو علي أدفعه إليكم إن شاء الله.
فنظروا إلى سعيد فدمعت عيناه واغبر لونه ولم يأكل ولم يشرب ولم يضحك مذ لقوه. فقالوا بأجمعهم: يا خير أهل الأرض، ليتنا لم نعرفك ولم نرسل إليك الويل لنا كيف ابتلينا، ما عذرنا عند خالقنا يوم المحشر الأكبر والمجاوبة له؟ وقال كفيله: أسألك يا سعيد بالله ألا ما زودتنا من دعائك وكلامك، فأنا لا ألقى مثلك أبداً؟ فدعا لهم سعيد ثم خلو سبيله، فغسل رأسه ومدرعته وكساءه وهم مختفون في الليل كله، فلما انكشف عمود الصبح جاءهم سعيد ابن جبير فقرع الباب فقالوا: صاحبكم ورب الكعبة، فنزلوا إليه وبكوا معه طويلاً، ثم ذهبوا به إلى الحجاج فدخل عليه المتلمس فسلم عليه وبشره بقدوم سعيد بن جبير. فلما مثل بين يديه قال: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير.
قال: أنت شقي بن كسير؟ قال: بل أمي كانت أعلم باسمي منك؟ قال: شقيت أنت وشقيت أمك.
قال: الغيب يعلمه غيرك.
قال: لأبدلنك بالدنيا ناراً.
قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلهاً.
قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة.
قال: فما قولك في علي، أفي الجنة أم في النار؟ قال: لو دخلتهما وعرفت أهلهما عرفت من فيهما.
قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل.
قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي.
قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم.
قال: فما بالك لا تضحك؟ قال: أيضحك مخلوق خلق من الطين، والطين تأكله النار.
قال: فما بالنا نضحك؟ قال: لم تستو القلوب.
قال: ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فوضعه بين يديه. فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتفتدي به من فزع يوم القيامة فصالح وإلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، ولا خير في شيء جمع للدنيا إلا ما طاب وزكا.
ثم دعا الحجاج بآلات اللهو. فبكى سعيد. فقال الحجاج: ويلك يا سعيد اختر أي قتلة تريد؟ قال: اختر لنفسك يا حجاج فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.
قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو من الله بلى، وأما أنت فلا.
قال: اذهبوا به فاقتلوه.
فلما خرج من الباب ضحك فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جراءتك على الله وحلم الله عليك.
فأمر بالنطع فبسط بين يديه وقال: اقتلوه! قال: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين " .
قال: وجهوه لغير القبلة.
قال سعيد: " فأينما تولوا فثم وجه الله " .
قال: كبوه لوجهه، فقال سعيد: " منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى " .
فقال الحجاج: اذبحوه.
فقال سعيد: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.
فذبح على النطع، رحمه الله تعالى. فكان رأسه بعد قطعه يقول لا إله إلا الله. وعاش الحجاج بعدها خمسة عشر يوماً. وذلك في سنة خمس وتسعين وكان عمر سيعد رضي الله عنه تسعاً وأربعين سنة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان كان يختم القرآن في ثلاث وكان يختم في رمضان سبع عشرة ختمة. قال إبراهيم بن علية: كان يعطيني أكياس الدنانير أقسمها في الصالحين، وكان يقول: لولا أن الله عز وجل ذكر اللواط في كتابه العزيز، ما ظننت أن أحداً يفعله.
قال الحافظ ابن عساكر: كان الوليد عند أهل الشام من أفضل خلفائهم، بني المسجد بدمشق وفرض للمجذومين ما يكفيهم وقال: لا تسألوا الناس، وأعطى كل مقعد خادماً وكل أعمى قائداً.
وذكر أن جملة ما أنفق على المسجد الأموي أربعمائة صندوق، في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. وكان فيه ستمائة سلسلة ذهب للقناديل، وما كمل بناءه إلا أخوه سليمان لما ولي الخلافة وفعل خيرات كثيرة وآثاراً حسنة، وبعد هذا كله فقد روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال: لما أدرج في أكفانه وغلت يداه إلى عنقه، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ونسأله حسن الخاتمة.
خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان فما يذكر من محاسنه: أن رجلاً دخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله والأذان، فقال سليمان: أما أنشدك الله فقد عرفناه، فما الأذان؟ قال: قوله تعالى: " فأذن مؤذن بينهم: أن لعنة الله على الظالمين " .
فقال سليمان: ما ظلامتك؟ قال: ضيعتي الفلانية غلبني عليها عاملك فلان.
فنزل سليمان عن سريره ورفع البساط ووضع خده على الأرض وقال: والله لا رفعت خدي من الأرض حتى يكتب له برد ضيعته. فكتب الكتاب وهو واضع خده على الأرض ولما سمع كلام ربه الذي خلقه وخوله في نعمه خشي من لعن الله وطرده، رحمه الله.
صفات سليمان بن عبد الملك قيل: أنه أطلق من سجن الحجاج ثلاثمائة ألف نفس ما بين رجل وامرأة، وصادر آل الحجاج واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز وزيراً ومشيراً، وكان شرهاً في الأكل، نكاحاً.
قال ابن خلكان في ترجمته: أنه كان يأكل كل يوم نحو مائة رطل شامي.
قال محمد بن سيرين رحمه الله: سليمان افتتح خلافته بخير وختمها بخير، افتتحها بإقامة الصلاة لمواقيتها الأولى وختمها باستخلافه لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
سليمان والدلفاء
وقال أبو سويد: حدثني أبو زيد الأسدي قال: دخلت على سليمان بن عبد الملك وهو جالس في إيوان مبلط بالرخام الأحمر مفروش بالديباج الأخضر فيوسط بستان ملتف قد أثمر وأينع، على رأسه وصائف كل واحدة منهم أحسن من صاحبتها، وقد غابت الشمس وغنت الأطيار فتجاوبت وصفقت الرياح على الأشجار فتمايلت فقلت: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته.
وكان مطرقاً فرفع رأسه وقال: يا أبا زيد! في مثل هذا الحين تصالحنا.
فقلت: أصلح الله الأمير أو قامت القيامة؟ قال: نعم على أهل المحبة.
ثم أطرق ملياً ورفع رأسه وقال: يا أبا زيد: ما يطيب في يومنا هذا؟ قلت: أعز الله الأمير قهوة حمراء في زجاجة بيضاء تناولها غادة هيفاء ملفوفة لفاء أشربها من كفها وأمسح فمي بخدها.
فأطرق سليمان ملياً لا يرد جواباً تتحدر من عينيه عبرات بلا شهيق فلما رأت الوصائف ذلك تنحين عنه، ثم رفع رأسه فقال: يا أبا زيد حضرت في يوم انقضاء أجلك ومنتهى مدتك وتصرم عمرك والله لأضربن عنقك أو لتخبرني ما أثار هذه الصفة من قلبك؟ قلت: نعم أيها الأمير، كنت جالساً على باب أخيك سعد بن عبد الملك، فإذا أنا بجارية قد خرجت من باب القصر كأنها غزال انفلتت من شبكة صياد عليها قميص سكب إسكندراني يبين منها بياض ثدييها وتدوير سرتها ونقش تكتها، وفي رجليها نعلان صراران قد أشرق بياض قدميها على حمرة نعليها بذؤابتين تضربان حقويها، ولها صدغان كأنهما نونان وحاجبان قد قوسا على محاجر عينيها، وعينان مملؤتان سحراً، وأنف كأنه قصبة بلور، وفم كأنه جرح يقطر دماً، وهي تقول: عباد الله من لي بدواء من لا يسلو وعلاج من لا يسمو؟ طال الحجاب، وأبطأ الجواب، فالقلب طائر، والعقل عازب، والنفس والهة، والفؤاد مختلس، والنوم محتبس، رحمة الله على قوم عاشوا تجلداً وماتوا كمداً، ولو كان إلى الصبر حيلة، وإلى العزاء سبيل، لكان أمراً جميلاً.
ثم أطرقت ملياً ورفعت رأسها فقلت: أيتها الجارية إنسية أم جنية سماوية أم أرضية؟ فقد أعجبني ذكاء عقلك وأذهلني حسن منطقك.
فسترت وجهها بكفها كأنها لم ترني ثم قالت: اعذر أيها المتكلم فما أوحش الساعد بلا مساعد والمقاساة لصب معاند.
ثم انصرفت فوالله أصلح الله الأمير ما أكلت طيباً إلا غصصت به لذكرها وما رأيت حسناً إلا سمج في عيني لحسنها.
فقال سيلمان: يا أبا زيد، كاد الجهل يستفزني، والصبا يعاودني، والحلم يعزب عني لشجو ما سمعت. اعلم يا أبا زيد أن تلك الجارية التي رأيتها هي الذلفاء التي قيل فيها:
كأنما الذلفاء ياقوتة ... قد أخرجت من كيس دهقان
شراؤها على أخي بألف ألف درهم، وهي عاشقة لمن باعها والله إن مات إنما يموت بحبها، ولا يدخل القبر إلا بغصتها، وفي الصبر سلوة وفي توقع الموت هيبة، قم يا أبا زيد في دعة الله، يا غلام! ثقله ببدرة.
فأخذتها وانصرفت. قال: فلما أفضت الخلافة له صارت إليه الذلفاء فأمر بفسطاط فأخرج على دهناء الغوطة وضرب في روضة خضراء موثقة زهراء ذات حدائق بهجة تحتها أنواع الزهر من أصفر فاقع وأحمر ساطع وأبيض ناصع، وكان لسليمان مغن يقال له سنان، كان به يأنس وإليه يسكن فأمره أن يضر فسطاطه بالقرب منه. فكانت الذلفاء قد خرجت مع سليمان إلى ذلك المنتزه فلم يزل في أكل وشرب وسرور وأتم حبور إلى أن انصرف شيء من الليل فذهب إلى فسطاطة، وذهب سنان أيضاً فنزل به جماعة من إخوانه فقالوا له: تزيد قرى أصلحك الله؟ قال: وما قراكم؟ قالوا: أكل وشرب وسماع.
قال: أما الأكل والشرب فمباحان لكم، وأما السماع فقد عرفتم غيرة أمير المؤمنين ونهيه إلا ما كان في مجلسه.
قالوا: لا حاجة لنا بطعامك وشرابك إن لم تسمعنا.
قال: فاختاروا صوتاً واحداً أغنيكموه.
قالوا: غننا بصوت كذا وكذا.
قال: فشرع يتغنى بهذه الأبيات:
محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... من آخر الليل لما نبه السحر
في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أم عنده القمر
لم يحجب الصوت حراس ولا غلق ... فدمعها لطروق الصوت ينحدر
لو مكنت لمشت نحوي على قدم ... تكاد من لينها في المشي تنفطر
قال: فسمعت الذلفاء صوت سنان. فخرجت إلى صحن الفسطاط، فجعلت لا تسمع شيئاً من حسن خلق ولطافة إلا رأت ذلك كله في نفسها وهيئتها فحرك ذلك ساكناً في قلبها، فهملت عيناها وعلا نحيبها، فانتبه سليمان. فلم يجدها معه فخرج إلى صحن الفسطاط فرآها على تلك الحالة، فقال: ما هذا يا ذلفاء؟ فقالت:
ألا رب شخص رائع ومشوه ... قبيح المحيا واضع الأب والجد
يروعك منه صوته ولعله ... إلى أمةٍ يعزى معاً وإلى عبد
فقال سليمان: دعيني من هذا المحال، فوالله خامر قلبك منه. يا غلام: علي بسنان.
فدعت الذلفاء خادماً لها وقالت له: إن سبقت رسول أمير المؤمنين إلى سنان فحذرته، فلك عشرة آلاف درهم، وأنت حر لوجه الله تعالى.
فخرج الرسولان فسبق رسول أمير المؤمنين فلما أتى به قال: يا سنان، ألم أنهك عن مثل هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين، حملين الشمول، وأنا عبد أمير المؤمنين وغرس نعمته، فإن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عني فليفعل.
قال: قد عفوت عنك، ولكن أما علمت أن الفرس إذا صهل ودقت له الحجرة، وأن الفحل إذا هدر ضبعت له الناقة، ون الرجل إذا تغنى صغت إليه المرأة، وإياك والعود إلى ما كان منك فيطول غمك، انتهى.
جابر عثرات الكرام قيل: كان في أيام سليمان رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد، كان له مروءة ظاهرة ونعمة حسنة وفضل وبر بالإخوان، فلم يزل على تلك الحالة حتى قعد به الدهر فاحتاج إلى إخوانه الذين كان يتفضل عليهم وكان يؤاسيهم، فواسوه ثم ملوه، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه، فقال لها: يا ابنة عمي، قد رأيت من إخواني تغيراً، وقد عزمت على أن ألزم بيتي إلى أن يأتيني الموت، فأغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد وبقي حائراً وكان يعرفه عكرمة الفياض الربعي متولي الجزيرة، وإنما سمي بذلك لأجل كرمه، فبينما هو في مجلسه إذ ذكر خزيمة بن بشر فقال عكرمة الفياض: ما حاله؟ فقالوا: قد صار إلى أمر لا يوصف وإنه أغلق بابه ولزم بيته.
قال: أفما وجد خزيمة بن بشر مواسياً ولا مكافئاً؟ فقالوا: لا.
فأمسك عن الكلام ثم لما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ثم أمر بإسراج دابته وخرج سراً من أهله. فركب ومعه غلام من غلمانه يحمل المال. ثم سار حتى وقف بباب خزيمة فأخذ الكيس من الغلام، ثم أبعده عنه وتقدم إلى الباب فدفعه بنفسه فخرج إليه خزيمة فناوله الكيس، وقال: أصلح بهذا شأنك، فتناوله فرآه ثقيلاً فوضعه عن يده ثم أمسك بلجام الدابة، وقال له: من أنت؟ جعلت فداك.
فقال له عكرمة: يا هذا ما جئتك في هذا الوقت والساعة أريد أن تعفني؟ قال: فما أقبله إلا أن عرفتني من أنت؟ فقال: أنا جابر عثرات الكرام.
قال: زدني.
قال: لا. ثم مضى ودخل خزيمة بالكيس إلى ابنة عمه، فقال لها: أبشري فقد أتى الله بالفرج والخير ولو كانت فلوساً فهي كثيرة. قومي فاسرجي.
قالت: لا سبيل إلى السراج.
فبات يلمسها بيده فيجد خشونة الدنانير ولا يصدق، وأما عكرمة فإنه رجع إلى منزله فوجد امرأته قد فقدته وسألت عنه فأخبرت بركوبه فأنكرت ذلك وارتابت. وقالت له: والي الجزيرة يخرج بعد هدو من الليل منفرداً من غلمانه في سر من أهله إلا إلى زوجة أو سرية.
فقال: اعلمي أني ما خرجت في واحدة منها.
قالت: فخبرني فيما خرجت؟ قال: يا هذه ما خرجت في هذا الوقت وأنا أريد أن يعلم بي أحد.
قالت: لا بد أن تخبرني؟ قال: تكتمينه إذاً.
قالت: فإني أفعل.
فأخبرها بالقصة على وجهها وما كان من قوله ورده عليه. ثم قال أتحبين أن أحلف لك أيضاً؟ قالت: لا فإن قلبي قد سكن وركن إلى ما ذكرت.
وأما خزيمة فلما أصبح صالح الغرماء وأصلح ما كان من حاله ثم إنه تجهز يريد سليمان بن عبد الملك، وكان نازلاً يومئذ بفلسطين، فلما وقف ببابه واستأذن دخل الحاجب فأخبره بمكانه، وكان مشهوراً بمروءته وكرمه. وكان سليمان عارفاً به فأذن له، فلما دخل سلم عليه بالخلافة فقال له سليمان بن عبد الملك: يا خزيمة، ما أبطأك عنا؟ قال: سوء الحال.
قال: فما منعك من النهضة إلينا؟ قال: ضعفي يا أمير المؤمنين.
قال: فبم نهضت إلينا الآن؟
قال: لم أعلم يا أمير المؤمنين إلا أني بعد هدو من الليل لم أشعر إلا ورجل يطرق الباب وكان من أمره كيت وكيت، وأخبره بقصته من أولها إلى آخره.
فقال سليمان: هل تعرف هذا الرجل؟ فقال: خزيمة: ما عرفته يا أمير المؤمنين لأنه كان متنكراً وما سمعت من لفظه إلا إني جابر عثرات الكرام.
قال: فتلهب وتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال: لو عرفناه لكافأناه على مروءته، ثم قال: علي بقناة.
فأتى بها فعقد لخزيمة بن بشر المذكور على الجزيرة عاملاً عوضاً عن عكرمة الفياض. فخرج خزيمة طالباً الجزيرة، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلد للقائه، فسلما على بعضهما ثم سارا جميعاً إلى أن دخلا البلد. فنزل خزيمة في دار الإمارة وأمر أن يؤخذ لعكرمة كفيل وأن يحاسب، فحوسب فوجد عليه فضول أموالٍ كثيرة فطالبه بأدائها قال: ما لي إلى شيء من ذلك سبيل.
قال: لا بد منها.
قال: لست عندي فاصنع ما أنت صانع.
فأمر به إلى الحبس ثم أنفذ إليه من يطالبه فأرسل يقول: إني لست ممن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت.
فأمر أن يكبل بالحديد فأقام شهراً كذلك أو أكثر فأضناه ذلك وأضر به، وبلغ ابنة عمه خبره فجذعت واغتمت لذلك ثم دعت مولاة لها، وكانت ذات عقل ومعرفة، وقالت لها: امض الساعة إلى باب هذا الأمير خزيمة بن بشر وقولي: عندي نصيحة، فإذا طلبت منك فقولي: لا أقولها إلا للأمير خزيمة بن بشر، فإذا دخلت عليه فسليه أن يخليك، فإذا فعل ذلك فقولي: ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك. كافأته بالحبس والضيق والحديد.
ففعلت الجارية ذلك. فلما سمع خزيمة كلامها نادى برفيع صوته وا سوأتاه، وإنه لهو؟ قالت: نعم، فأمر لوقته بدابته فأسرجت وبعث إلى وجوه أهل البلد فجمعهم إليه وأتى بهم إلى باب الحبس ففتح ودخل خزيمة ومن معه فرآه قاعداً في قاعة الحبس متغيراً أضناه الضر والألم وثقل القيود فلما نظر إليه عكرمة والى الناس أحشمه ذلك فنكس رأسه فأقبل خزيمة حتى أكب على رأسه فقبله فرفع عكرمة إليه رأسه وقال: ما أعقب هذا منك؟ قال: كريم فعالك وسوء مكافأتي.
قال: يغفر الله لنا ولك.
ثم أتي بالحداد ففك القيود عنه وأمر خزيمة أن توضع القيود في رجل نفسه.
فقال عكرمة: ماذا تريد.؟ فقال: أريد أن ينالين من الضر مثل ما نالك.
فقال: أقسم عليك بالله لا تفعل.
فخرجا جميعاً حتى وصلا إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف عنه. فقال: ما أنت ببارح.
قال: وما تريد؟ قال: أغير حالك وإن حيائي من بنت عمك أشد من حيائي منك.
ثم أمر بالحمام فأهلي ودخلاه معاً فقام خزيمة وتولى أمره وخدمه بنفسه ثم خرجا فخلع عليه وحمله وحمل معه مالاً كثيراً ثم سار معه إلى داره واستأذنه في الاعتذار إلى ابنة عمه، فاعتذر إليها وتذمم من ذلك.
قال: ثم سأله بعد ذلك أن يسير معه إلى سليمان بن عبد الملك، وهو يومئذ مقيم بالرملة، فأنعم له بذلك وسارا جميعاً حتى قدما على سليمان بن عبد الملك فدخل الحاجب فأعلمه بقدوم خزيمة بن بشر فراعه ذلك وقال: والي الجزيرة يقدم بغير أمرنا؟ ما هذا إلا لحادث عظيم! فلما دخل قال له قبل أن يسلم: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: الخير يا أمير المؤمنين.
قال: فما الذي أقدمك؟ قال: ظفرت بجابر عثرات الكرام، فأحببت أن أسرك به لما رأيت من تلهفك وتشوقك إلى رؤيته.
قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض؟ قال: فأذن له بالدخول.
فدخل وسلم عليه بالخلافة فرحب به وأدناه من مجلسه وقال: يا عكرمة ما كان خيرك له إلا وبالاً لعيك. ثم قال سليمان: اكتب حوائجك كلها وما تحتاج إليه في رقعة. ففعل ذلك، فأمر بقضائها منه ساعته، وأمر له بعشرة آلاف دينار وسفطين ثياباً، ثم دعا بقناة وعقد له على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان وقال له: أمر خزيمة إليك إن شئت أبقيته وإن شئت عزلته.
قال بل اردده إلى عمله يا أمير المؤمنين، ثم انصرفا من عنده جميعاً ولم يزالا عاملين لسليمان مدة خلافته، والله أعلم.
خلافة عمر بن عبد العزيز
رضي الله عنه
عمر والشعراء
أمه أم عصام بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو تابعي جليل. قال الإمام أحمد بن حنبل: ليس أحد من التابعين قوله حجة إلا عمر بن عبد العزيز. كان، رضي الله عنه عفيفاً زاهداً ناسكاً عابداً مؤمناً تقياً صادقاً، أزال ما كانت بنو أمية تذكر به علياً رضي الله عنه، على المنابر وجعل مكان ذلك قوله تعالى: " إن الله يأمر بالعدل والإحسان " الآية، ولما ولي الخلافة رضي الله عنه، وفد الشعراء إليه وأقاموا ببابه أياماً لا يؤذه لم فبينما هم كذلك إذ مر بهم رجاء بن حيوة وكان جليس عمر فلما رآه جرير دخلاً قام إليه وأنشد يقول أبياتاً منها:
يا أيها الرجل المرخي عمامته ... هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
فدخل ولم يذكر شيئاً من أمرهم ثم مر بهم عدي بن أرطاة فقال جرير أبياتاً آخرها قوله:
لا تنس حاجتنا لقيت مغفرة ... قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
قال: فدخل عدي على عمر، وقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة.
فقال: ويحك يا عدي ما لي وللشعراء؟ قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتدح وأعطي ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة.
قال: كيف.؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه.
قال: أو تروي من قوله.
قال: نعم، وأنشد:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتاباً جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما
ونورت بالبرهان أمراً مدنساً ... وأطفأت بالإسلام ناراً تضرما
فمن مبلغ عني النبي محمداً ... وكل امرئ يجزى بما كان قدما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه ... وقد كان قدماً ركنه قد تهدما
فقال: ويلك يا عدي، من بالباب منهم؟ قال: عمر بن أبي ربيعة.
قال: أوليس هو الذي يقول:
ثم نبهتها فمدت كعاباً ... طفلةً ما تبين رجع الكلام
ساعة، ثم إنها لي قالت: ... ويلتي قد عجلت يا ابن الكرام
فلو كان عدو الله إذ فجر كتم على نفسه لكان أستر له: لا يدخل علي والله أبداً، فمن بالباب سواه؟ قال: الفرزدق.
قال: أوليس هو الذي يقول:
هما دلتا في من ثمانين قامةً ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره
فما استوت رجلاي في الأرض قالتا: ... أحي فيرجى أم قتيل نحاذره؟
لا يدخل علي والله أبداً، فمن سواه منهم.
قال: الأخطل.
قال: يا عدي، أوليس هو الذي قال:
ولست بصائم رمضان يوماً ... ولست بآكل لحم الأضاحي
ولست بزاجر عنساً بكوراً ... إلى بطحاء مكة للنجاح
ولست بقائم كالعير أدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح
ولكني سأشربها شمولاً ... وأسجد عند منبلج الصباح
والله لا يدخل علي أبداً وهو كافر، فمن بالباب سوى من ذكرت؟ قال: الأحوص.
قال: أوليس هو الذي يقول:
الله بيني وبين سيدها ... يفر مني بها وأتبعه
فمن بالباب دون من ذكرت أيضاً؟ قال: جميل بن معمر.
قال: أوليس هو الذي يقول:
فيا ليتنا نحيا جميعاً، وإن أمت ... يوافق موتي موتها وضريحها
فلو كان عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ليعمل بعد صالحاً لكان أصلح. والله لا يدخل علي بداً، فهل أحد سوى من ذكرت؟ قال: جرير.
قال: أوليس هو الذي يقول:
طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... وقت الزيارة، فارجعي بسلام
فإن كان ولا بد فهو الذي يدخل. فلما مثل بين يديه قال: يا جرير اتق الله ولا تقل إلا حقاً.
فأنشد قصيدته الرائية المشهورة التي منها:
إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما ترجو من المطر
جاء الخلافة، أو كنت له قدراً ... كما أتى موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حياً لا يفارقنا ... بوركت يا عمر الخيرات من عمر
فقال: يا جرير لا أرى لك فيما ههنا حقاً.
قال: بلى يا أمير المؤمنين! أنا ابن سبيل منقطع.
فأعطاه من طيب ماله مائة درهم وقال: ويحك، يا جرير، لقد ولينا هذا الأمر ولم نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام: أعطه المائة الأخرى.
فأخذها جرير وقال: والله لهي أحب مال اكتسبته في عمري. ثم خرج فقال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ فقال: ما يسوءكم. خرجت من عند خليفة يعطي الفقراء ويمنع الشعراء، وإني عنه لراض وأنشد يقول:
رأيت رقي الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا
خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان
الوليد بن هشام ويونس الكاتب والجارية قال أبو الفرج الأصبهاني في كتاب الأغاني: قال يونس الكاتب: خرجت إلى الشام في خلافة هشام بن عبد الملك ومعي جارية غانية وكنت علمتها جميع ما تحتاج إليه، وأنا أقدر فيها أنها تساوي مائة ألف درهم.
قال: فلما قربنا من الشام نزلت القافلة على غدير من الماء ونزلت ناحية منه، وأصبت من طعام كان معي وأخرجت ركوة كان فيها نبيذ. فبينما أنا كذلك، وإذا بفتى حسن الوجه والهيئة على فرس أشقر ومعه خادمان فسلم علي وقال: أتقبل ضيفاً؟ قلت: نعم.
فأخذت بركابه ونزل وقال: اسقنا من شرابك فسقيته، فقال: إن شئت أن تغني صوتاً فغنيته:
حازت من الحسن ما لا حازه البشر ... فلذ لي في هواها الدمع والسهر
فطرب طرباً شديداً واستعاده مراراً ثم قال: قل لجاريتك فلتغن، فأمرتها فغنت:
حورية حار قلبي في محاسنها ... فلا قضيب ولا شمس ولا قمر
فطرب طرباً شديداً واستعاده مراراً. ولم يزل مقيماً إلى أن صلينا العشاء، ثم قال: ما أقدمك علينا في هذا البلد.؟ قلت: أردت بيع جاريتي هذه.
قال: فكم أملت فيها من الثمن؟ قلت: ما أقضي به ديني وأصلح به حالي.
قال: ثلاثون ألفاً.
قلت: ما أحوجني إلى فضل الله والمزيد فيه.
قال: أيقنعك أربعون ألفاً؟ قلت: فيها قضاء ديني وأبقى صفر اليد.
قال: قد أخذناها بخمسين ألفاً من الدراهم ولك بعد ذلك كسوة ونفقة طريقك وأشركك في حالي أبداً ما بقيت.
فقلت: قد بعتكها.
قال: أفتثق بي أن أوصل ذلك غداً وأحملها معي، أو تكون عندك إلى أن أحمل ذلك إليك غداً؟ فحملني السكر والحياء مع الخشية منه على أن قلت: نعم قد وثقت بك، فخذها بارك الله لك فيها.
فقال لأحد غلاميه: احملها على دابتك وارتدف وراءها وامض بها.
ثم ركب فرسه وودعني وانصرف، فما هو إلا أن غاب عني ساعة فعرفت موضع خطإي وغلطي وقلت: ماذا صنعت بنفسي؟ أسلم جاريتي إلى رجل لا أعرفه ولا أدري من هو، وهب أني عرفته فمن أين الصلة إليه. فجلست متفكراً إلى أن صليت الصبح. ودخلت أصحابي دمشق وجلست حائراً لا أدري ما أصنع وقرعتني الشمس. وكرهت المقام، فهممت بالدخول إلى دمشق ثم قلت: لم آمن أن الرسول يأتي فلا يجدني فأكون قد جنيت على نفسي جناية ثانية. فجلست في ظل جدار هناك فلما أضحى النهار، وإذا أحد العلامين اللذين كانا معه قد أقبل علي فما أذكر أني سررت بشيء أعظم من سروري ذلك الوقت بالنظر إليه فقال لي: يا سيدي، أبطأنا عليك.
فلم أذكر له شيئاً مما كان بي ثم قال لي: أتعرف الرجل.؟ قلت: لا.
قال: هو الوليد بن هشام ولي العهد.
فسكت عند ذلك ثم قال: قم فاركب.
وإذا معه دابة فركبتها وسرنا إلى أن وصلنا إلى داره فدخلت إليه، وإذا بالجارية قد وثبت وسلمت علي فقلت: ما كان من أمرك؟ " قالت: أنزلني هذه الحجرة وأمر لي بما أحتاج إليه.
فجلست عندها ساعة وإذا أنا قد أتاني خادم له فقال لي: قم.
فقمت فأدخلني على سيده، فإذا هو صاحبي بالأمس، وهو جالس على سريره فقال: من تكون؟ فقلت: يونس الكاتب.
قال: مرحباً بك قد كنت والله إليك بضنين وكنت أسمع بخبرك فكيف كان مبيتك في ليلتك؟ قلت: بخير أعزك الله.
قال: فلعلك ندمت على ما كان منك البارحة وقلت: دفعت جاريتي إلى رجل لا أعرفه ولا أعرف اسمه ولا من أي البلاد هو؟ فقلت: معاذ الله أيها الأمير أن أندم ولو أهديتها إلى الأمير كانت أقل وأخس، وما قدر هذه الجارية؟ فقال: والله لكني ندمت على أخذها منك، وقلت: رجل غريب لا يعرفني وقد دهمته وسفهت عليه في استعجالي لأخذ الجارية. أفتذكر ما كن بيننا؟ قلت: نعم.
قال: بعتني هذه الجارية بخمسين ألف درهم. قلت: نعم.
قال: هات يا غلام المال. فوضعوها بين يديه فقال: هات يا غلام ألف دينار، فتي بها ثم قال: يا غلام هات خمسماية دينار أخرى، فجاء بها ثم قال هذا ثمن جاريتك فضمه إليك، وهذه ألف دينار لحسن ظنك بنا، وهذه الخمسمائة دينار لنفقة طريقك، وما تبتاعه لأهلك، رضيت؟ قلت: رضيت، وقبلت يديه وقلت: والله قد ملأت عيني ويدي.
ثم قال: والله إني لم أدخل بها ولا شبعت من غنائها، علي بها فجاءت فأمرها بالجلوس فجلست فقال لها غني، فأنشدت تقول:
أيا من حاز كل الحسن طراً ... ويا حلو الشمائل والدلال
جميع الحسن في عجم وعرب ... وما في الكل مثلك يا غزالي
تعطف يا مليح على محب ... بوعدك أو بطيف من خيال
حلا لي فيك ذلي وافتضاحي ... وطاب لمقلتي سهر الليالي
وما أنا فيك أول مستهام ... فكم قبلي قتلت من الرجال
رضيت لي من الدنيا نصيباً ... وأنت أعز من روحي ومالي
فطرب طرباً شديداً وشكر حسن تأديبي لها وتعليمي إياها ثم قال: يا غلام قدم له دابة بسرجها وآلتها لركوبه وبغلاً لحمل حوائجه وثقله. ثم قال: يا يونس، إذا بلغك أن هذا الأمر أفضى إلي فألحق بي، فوالله لأملأن لك يدك ولأعلين قدرك ولأغينك ما بقيت.
قال: فأخذت المال وانصرفت. فلما أفضت الخلافة إليه سرت إليه فوفى والله بوعده وزاد في إكرامي وكنت معه على أسر حال وأسنى منزلة وقد اتسعت أحوالي وكثرت أموالي وصار لي من الضياع والأملاك ما يكفيني إلى مماتي ويكفي من بعدي ولم أزل معه حتى قتل، عفا الله عنه.
هشام وزين العابدين والفرزدق وقيل: إنه لما حج هشام في أيام أبيه طاف بالبيت وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام، فنصب له منبر وجلس عليه ينظر إلى الناس ومعه جماعة من أهل الشام. فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم أرجاً فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر الأسود تنحى له الناس حتى استلمه، فقال رجل من أهل الشام: من هذا الذي قد هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: لا أعرفه! مخافة أن يرغب فيه أهل الشام. وكان أبو فراس الفرزدق حاضراً فقال: أنا والله أعرفه، فقال الشامي: من هذا يا أبا فراس، فقال:
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها: ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
في كفه خيزران ريحه عبقٌ ... من كف أروع في عرنينه شمم
يغضى حياءً ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم
ينشق نور الهدى من نور غرته ... كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم
مشتقة من رسول الله نبعته ... طابت مفارزه والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجده أ،بياء الله قد ختموا
الله شرفه قدماً وعظمه ... جرى بذاك له في لوحه القلم
وليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان: حسن الخلق والشيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشمائل تحلو عنده نعم
ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاءه نعم
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغياهب والإملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهمو ... كفر وقربهم منجى ومعتصم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم ... أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قومٌ وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطاً من أكفهم ... سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم ... خلق كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم ... لأولية هذا أوله نعم
من يعرف الله يعرف أولية ذا ... فالدين من بيت هذا ناله الأمم
فلما سمع هشام ذلك غضب وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين رضي الله عنه، اثني عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله لا للعطاء والصلات. فقال زين العابدين: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئاً لا نعود فيه. فقبلها الفرزدق، انتهى.
هشام والغلام الفصيح مما يحكى أن هشام بن عبد الملك كان ذات يوم في صيده وقنصه إذ نظر إلى ظبي تتبعه الكلاب فتبعته وأحالته إلى خباء أعرابي يرعى غنماً، فقال هشام: يا صبي دونك هذا الظبي فأتني به.
فرفع الصبي رأسه إليه وقال له: يا جاهل بقدر الأخيار لقد نظرت إلي باستصغار وكلمتني باحتقار فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار.
فقال هشام: يا صبي، ونيلك ما تعرفني؟ فقال: قد عرفني بك سوء أدبك إذ بدأتني بكلامك قبل سلامك.
فقال: ويلك أنا هشام بن عبد الملك.
فقال له الأعرابي: لا قرب دارك ولا حيي مزارك، ما أكثر كلامك وأقل إكرامك.
فما استتم حتى أحدقت به الجيوش من كل جانب، كل منهم يقول: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال هشام: أقصروا الكلام واحفظوا الغلام.
فقبضوا عليه ورجع هشام إلى قصره وجلس في مجلسه وقال: علي بالغلام البدوي، فأتي به.
فلما رأى الغلام كثرة الغلمان والحجاب والوزراء والكتاب وأبناء الدولة وأرباب الصولة لم يكترث بهم ولم يسأل عنهم بل جعل ذقنه على صدره وجعل ينظر حيث تقع قدماه إلى أن وصل إلى هشام فوقف بين يديه، ونكس رأسه إلى الأرض، وسكت وامتنع من الكلام.
فقال بعض الخدام: يا كلب العرب! ما منعك أن تسلم على أمير المؤمنين؟ فالتفت إليه مغضباً وقال: يا برذعة الحمار، منعني من ذلك طول الطريق ونهز الدرجة والتعويق.
فقال هشام وقد تزايد به الغضب: يا صبي قد حضرت في يوم حضر فيه أجلك وخاب فيه أملك وانصرم فيه عمرك.
فقال له الصبي: والله يا هشام لئن كان في المدة تأخير ما ضرني من كلامك لا قليل ولا كثير.
فقال له الحاجب: بلغ من أمرك ومحلك يا أخس العرب أن تتخاطب أمير المؤمنين كلمة بكلمة.
فقال له مسرعاً: لقيك الخذل ولامك الويل والهبل: ما سمعت ما قال الله تعالى: " يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها " . فإذا كان الله يجادل جدالاً فمن هشام حتى لا يخاطب خطاباً؟ فعند ذلك قام هشام واغتاظ غيظاً شديداً، وقال: يا سياف علي برأس هذا الغلام فقد أكثر الكلام فيما لا يخطر على الأوهام.
فقام السياف وأخذ الغلام وأبركه في نطع الدم. سل سيف النقمة على رأسه. وقال: يا أمير المؤمنين، عبدك المدل بنفسه المتقلب في رمسه، أأضرب عنقه، وأنا بريء من دمه؟ قال: نعم.
فاستأذنه ثانية فأذن له ثم استأذنه ثالثة فهم أن يأذن له فضحك الصبي حتى بدت نواجذه، فازداد منه تعجباً وقال: يا صبي أظنك معتوهاً. ترى أنك مفارق الدنيا ومزايل الحياة وأنت تضحك هزأ بنفسك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لئن كان في المدة تأخير ولم يكن في الأجل تقصير ما ضرني منك قليل ولا كثير، ولكن أبيات حضرت الساعة فاسمعها، فقتلي لا يفوت فكثر الصموت.
فقال هشام: هت وأوجز، فهذا أول أوقاتك من الآخرة وآخر أوقاتك من الدنيا.
فأنشد يقول:
نبئت أن الباز علق مرة ... عصفور بر ساقه المقدور
فتعلق العصفور في إظفاره ... والباز منهمك عليه يطير
فأتى لسان الحال يخبر قائلاً: ... ها قد ظفرت وإنني مأسور
مثلي فما يغني لمثلك جوعةً ... ولئن أكلت فإنني محقور
فتبسم الباز المدل بنفسه ... طرباً وأطلق ذلك العصفور
قال: فتبسم هشام وقال: وقرابتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم لو تلفظ بهذا من أول وقت من أوقاته وطلب، ما دون الخلافة، لأعطيته، يا خادم: احش فاهه دراً وجوهراً وأحسن جائزته ودعه يمضي إلى حال سبيله.
؟
عروة بن أذنية وهشام بن عبد الملك قيل: وفد عروة بن أذينة على هشام بن عبد الملك فشكا إله فقره فقال: ألست القائل:
لقد علمت وما الإسراف من خلقي ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني
أسعى إليه فيعيبني تطلبه ... وإن قعدت أتاني ليس يعيبني
وخرجت الآن من الحجاز إلى الشام في طلب الرزق؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وعظت فأبلغت.
وخرج وركب ناقته وكر إلى الحجاز راجعاً، فلما كان الليل نام هشام على فراشه فذكر عروة وقال: رجل من قريش قال حكمة ووفد علي فرددته خائباً. فلما أصبح وجه ليه بألف دينار فقرع عليه الرسول باب داره بالمدينة فأعطاه المال فقال: أبلغ عني أمير المؤمنين السلام، وقل له: كيف رأيت قولي، سعت فأكديت، فرجعت خائباً، فجلست في داري فأتاني رزقي في منزلي، انتهى.
ابتداء الدولة العباسية كان القائم بهذه الدولة أبو مسلم الخراساني، وكان اسمه عبد الرحمن ابن مسلم، فمن قوله:
أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا
ما زلت أسعى بجهدٍ في دمارهم ... والقوم في غفلة والناس قد رقدوا
حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا ... من نومةٍ لم ينمها قبلهم أحد
ومن رعى غنماً في أرض مسبعةٍ ... ونام عنها تولى رعيها الأسد
ولهم أبو عبد الله السفاح. ذكر ابن الجوزي في كتاب الأذكياء عن خالد بن صفوان أنه دخل يوماً على أبي العباس السفاح وليس عنده أحد، فقال: يا أمير المؤمنين إني والله ما زلت منذ قلدك الله خلافته أطلب أن أصير معك بمثل هذا الموقف في الخلوة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإمساك الباب فعل حتى نفرغ.
فأمر الحاجب بذلك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إني فكرت في أمرك واستجلبت الفكر فيك، فلم أر أحداً له قدرة واتساع في الاستمتاع بالنساء ولا أضيق فيهن عيشاً منك. إنك ملكت نفسك امرأة من نساء العالمين فاقتصرت عليها، فإن مرضت مرضت وإن غابت غبت، وإن عزلت عزلت وحرمت، يا أمير المؤمنين، على نفسك التلذذ بما يشتهى منهن، فإن منهن الطويلة التي تشتهى لحسنها، والبيضاء التي تحب لرؤيتها، والسمراء اللعساء، والصفراء الذهبية، ومولدات المدينة والطائف واليمامة ذوات الألسنة العذبة والجواب الحاضر، وبنات سائر الملوك وما يشتهى من نضارتهن ونظافتهن.
وتخلل خالد لسانه فأطنب في صفات ضروب الجواري وشوقه إليهن. فلما فرغ من كلامه قال له السفاح: ويحك ملأت مسامعي، ما شغل خاطري والله ما سلك مسامعي كلام أحسن من هذا فأعد علي كلامك فقد وقع مني موقعاً.
فأعاد عليه خالد كلامه بأحسن مما ابتدأ به. ثم قال له: انصرف! فانصرف وبقي أبو العباس مفكراً. فدخلت عليه أم سلمة زوجته، وكان قد حلف لها أنه لا يتزوج عليها سرية ووفى لها. فلما رأته على تلك الحالة قالت له: إني لأنكرك يا أمير المؤمنين، فهل حدث شيء تكرهه أو أتاك خبر ارتعت له؟ قال: لا.
فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد فقالت له: وما قلت لابن الفاعلة؟ فقال لها: أينصحني وتشتميه؟ فخرجت إلى مواليها وأمرتهم بضرب خالد.
قال خالد: فخرجت من الدار مسروراً بما ألقيت إلى أمير المؤمنين. ولم أسك في الصلة. فبينما أنا واقف إذ أقبل موالي أم سلمة يسألون عني فحققت الجائزة فقلت لهم: ها أنا واقف. فاستبق إلي أحدهم بخشبة فغمزت برذوني فلحقني وضرب كفل البرذون، وركضت ففررت منهم واستخفيت في منزلي أياماً ووقع في قلبي أني أمنت من أم سلمة. فبينما أنا ذات يوم جالس في المنزل فلم أشعر إلا بقوم قد هجموا علي فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فسبق إلى قلبي أنه الموت فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، لم أر دم شيخ أضيع من دمي. فركبت إلى دار أمير المؤمنين فأصبته جالساً ولحظت في المجلس بيتاً عليه ستور رقاق وسمعت حساً خفيفاً خلف الستر فأجلسني. ثم قال: يا خالد أنت وصفت لأمير المؤمنين صفة فأعدها.
فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمتك أن العرب ما اشتقت اسم الضرتين إلا من الضر وإن أحداً لم يكثر من النساء أكثر من واحدة إلا كان في ضر وتنغيص.
فقال السفاح: لم يكن هذا من كلامك أولاً؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الثلاث من النساء يدخلن على الرجل البؤس وتشييب الرأس.
فقال: برئت من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت سمعت هذا منك أولاً أو مر في حديثك.
قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجتمع لصاحبهن يشيبنه ويهرمنه.
قال: والله ما سمعت منك هذا أولاً؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين، وأخبرتك أن أبكار الإماء رجال إلا نه ليست لهن خصاء.
قال أمير المؤمنين: أفتكذبني؟ قلت: أفتقتلني؟ قال خالد، فسمعت ضحكاً خلف الستر، ثم قلت وأخبرتك إن عندك ريحانة قريش وأنت تطمع بعينيك إلى النساء والجواري.
فقيل لي من وراء الستر: صدقت يا عماه هذا حديثك ولكنه غير حديثك ونطق بما في خاطره عن لسانك.
فقال السفاح: ما بك قاتلك الله؟ قال خالد، فانسللت وخرجت فبعثت إلي أم سلمة بعشرة آلاف درهم وبرذوناً وتخت ثياب، انتهى.
أبو دلامة والسفاح وروي أن أبو دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض الأيام فقال: سلني حاجتك؟ فقال له أبو دلامة: أريد كلب صيد.
فقال: أعطوه إياه.
فقال: ودابة أتصيد عليها.
فقال: أعطوه دابة.
فقال: وغلاماً يقود الكلب والصيد.
فقال: أعطوه غلاماً.
فقال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه.
فقال: أعطوه جارية.
فقال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عيال ولا بد لهم من دار يسكنونها.
فقال: أعطوه داراً تجمعهم.
ثم قال: وإن تكن لهم الدار فمن أين يعيشون؟ قال: قد أقطعتك عشرة ضياع عامرة وعشرة غامرة من فيافي بني إسرائيل.
قال: وما معنى الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال: ما لا نبات فيها.
قال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيافي بني سعد.
فضحك منه وقال: أعطوه كلها عامرة.
قال الحافظ: فانظر إلى حذقه بالمسالة ولطفه فيها كيف ابتدأ بكلب صيد فصهل القضية وجعل يأتي بمسألة مسألة على ترتيب وفكاهة حتى نال ما سأله. ولو سأل ذلك بديهة لما وصل إليها، بارك الله فيه، انتهى.
راعي الذمم وروي عن الحسن بن الحصين. قال: لما أفضت الخلافة إلى بني العباس كان من جملة من اختفى إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك فلم يزل مختفياً إلى أن أضناه وأضجره الاختفاء، فأخذ له أمان من السفاح، فقال له: لقد مكثت زماناً طويلاً مختفياً فحدثني بأعجب ما رأيت في اختفائك، فإنها كانت أيام تكدير.
فقال: يا أمير المؤمنين، وهل سمع بأعجب من حديثي؟ لقد كنت مختفياً في منزل أنظر منه إلى البطحاء فبينما أنا على مثل ذلك، وإذا بأعلام سود قد خرجت من الكوفة تريد الحيرة فوقع في ذهني أنها خرجت تطلبني، فخرجت متنكراً حتى أتيت الكوفة من غير الطريق، وأنا والله متحير، ولا أعرف بها أحداً، وإذا أنا بباب كبير في رحبة منيعة. فدخلت في تلك الرحبة فوقفت قريباً من الدار، وإذا برجل حسن الهيئة، وهو راكب فرساً ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه، فدخل الحربة فرآني واقفاً مرتاباً فقال لي: ألك حاجة؟ قلت: غريب خائف من القتل.
قال: ادخل قد خلت إلى حجرة في داره، فقال: هذه لك، وهيأ لي ما أحتاج إليه من فرش وآنية ولباس وطعام وشراب، وأقمت عنده ووالله ما سألني قط من أنا، ولا ممن أخاف؟ وهو في أثناء ذلك يركب في كل يوم ويعود تعباً متأسفاً كأنه يطلب شيئاً فاته ولم يجده، فقلت له يوماً: أراك تركب في كل يوم وتعون تعباً متأسفاً كأنك تطلب شيئاً فاتك؟ فقال لي: إن إبراهيم بن سليمان بن عبد الملك قتل أبي وقد بلغني أنه مختف من السفاح، وأنا أطلبه لعلي أجده وآخذ بثأري منه.
فتعجبت والله يا أمير المؤمنين من هربي وشؤم بختي الذي ساقني إلى منزل رجل يريد قتلي ويطلب ثأره مني. فكرهت الحياة واستعجلت الموت لما نالني من الشدة، فسألت الرجل عن اسم أبيه وعن سبب قتله، فعرفني الخبر فوجدته صحيحاً، فقلت: يا هذا قد وجب علي حقك، وأن من حقك أن أدلك على قاتل أبيك وقرب إليك الخطوة وأسهل عليك ما بعد.
فقال: أتعلم أين هو؟ قلت: نعم.
فقال: أين هو؟ فقلت: والله هو أنا فخذ بثأرك مني.
فقال لي: أظن أن الاختفاء أضناك فكرهت الحياة.
قلت: نعم والله أنا قتلته يوم كذا وكذا.
فلما علم صدقي تغير لونه واحمرت عيناه وأطرق رأسه ساعة ثم رفع رأسه إلي وقال لي: أما أبي فسيلقاك غداً يوم القيامة فيحاكمك عند من لا تخفى عليه خافية، وأما أنا فلست مخفراً ذمتي ولا مضيعاً نزيلي، أخرج عني فإني لا آمن من نفسي عليك بعد هذا اليوم.
ثم وثب يا أمير المؤمنين إلى صندوق فأخرج منه صرة فيها خمسمائة دينار وقال: خذ هذه واستعن بها على اختفائك.
فكرهت أخذها وخرجت من عنده وهو أكرم رجل رأيت. فبقي السفاح يهتز طرباً ويتعجب.
مفاخرة اليمن ومضر وعن الهيثم بن عدي. قال كان أبو العباس السفاح تعجبه المسامرة ومنازعة الرجال فحضرت ذات ليلة في مسامرة إبراهيم بن مخرمة الكندي وناس من بني الحارث بن كعب وهم أخواله وخالد بن صفوان بن إبراهيم التميمي. فخاضوا في الحديث وتذاكروا مضر واليمن فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، إن اليمن هم العرب الذين دانت لهم الدنيا وكانت لهم القرى ولم يزالوا ملوكاً أرباباً وورثوا ذلك كابراً عن كابر أولاً عن آخر منهم النعمانيات والمنذريات والقابوسيات والتبابعة، ومنهم من مدحته الزبر، ومنهم غسيل الملائكة، ومنهم من اهتز لموته العرش، ومنهم من كلمه الذئب، ومنهم الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً. وليس شيء له خطر إلا وإليهم ينسب من فرس رائع أو سيف قاطع أو درع حصينة أو حلة مصونة أو درة مكنونة، إن سئلوا أعطوا وإن سيموا أبوا، وإن نزل بهم ضيف قروا لا يبلغهم مكابر، ولا ينالهم مفاخر، هم العرب العرباء، وغيرهم المتعربة.
قال أبو العباس السفاح: ما أظن التميمي يرضى بقولك. ثم قال: ما تقول يا خالد؟ قال: إن أذنت في الكلام تكلمت.
قال: أذنت لك في الكلام فتكلم ولا تهب أحد.
فقال: أخطأ يا أمير المؤمنين المقتحم بغير علم والناطق بغير صواب، فكيف يكون ما قال، وإن القوم ليست لهم ألسن فصيحة ولا حجة رجيحة. نزل به كتاب ولا جاءت به ا سنة، وهم منا على منزلتين: إن حادوا عن قصدنا أكلوا، وإن جازوا حكمنا قتلوا، يفخرون علينا بالنعمانيات والمنذريات وغير ذلك مما سنأتي عليه، ونفخر عليهم بخير الأنام وأكرم الكرام سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، ولله المنة علينا وعليهم لقد كانوا أتباعه فبه غزوا وله أكرموا، فمنا النبي صلى الله عليه وسلم ومنا الخليفة المرتضى، ولنا البيت المعمور والمسعى وزمزم والمقام والمنبر والركن والحطيم والمشاعر والحجابة والبطحاء مع ما لا يخفى من المآثر ولا يدرك من المفاخر. فليس يعدل بنا عادل ولا يبلغ فضلنا قول قائل ومنا الصديق والفاروق والوصي وأسد الله وسيد الشهداء ذو الجناحين وسيف الله، عرفوا الله وأتاهم اليقين، فمن زاحمنا زاحمناه ومن عادانا اصطلمناه.
ثم التفت إلى إبراهيم فقال: أعالم أنت بلغة قومك؟ قال: نعم.
قال: فما اسم العين؟ قال: الجمجمة.
قال: فما اسم السن؟ قال: الميذن.
قال: فما اسم الأذن؟ قال: الصنارة.
قال: فما اسم الأصابع؟ قال: الشناتر.
قال: فما اسم اللحية؟ قال: الذئب.
قال: فما اسم الذئب؟ قال: الكنع.
قال: أفمؤمن أنت بكتاب الله؟ قال: نعم.
قال: فإن الله تعالى يقول: " إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون " ، وقال تعالى: " بلسانٍ عربي مبين " ، وقال: " وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومهِ " . فنحن العرب والقرآن بلساننا نزل، ألم تر أن الله تعالى قال: العين بالعين، ولم يقل: الجمجمة بالجمجمة؛ وقال: السن بالسن، ولم يقل الميذن بالميذن؛ وقال: الأذن بالأذن، ولم يقل الصنارة بالصنارة، وقال: " يجعلون أصابعهم في آذانهم " ، ولم يقل شناترهم. وقال: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، ولم يقل بذنبي. وقال تعالى: فأكله الذئب، ولم يقل فأكله الكنع. ثم قال أسألك عن أربع إن أقررت بهن قهرت وإن جحدتهن كفرت.
قال: وما هن؟ قال: الرسول منا أو منكم؟ قال: منكم.
قال: فالقرآن نزل علينا أو عليكم؟ قال: عليكم.
قال: فالبيت الحرام لنا أو لكم؟ قال: لكم.
قال: فالخلافة فينا أو فيكم؟ قال: فيكم.
قال خالد: فما كان بعد هذه الأربع فهو لكم.
خلافة أبي جعفر المنصور
قيل: إنه كان يحفظ الشعر من مرة، وله مملوك يحفظه من مرتين، وكان له جارية تحفظه من ثلاث مرات، وكان بخيلاً جداً حتى إنه كان يلقب بالدوانيقي لأنه كان يحاسب على الدوانيق، فكان إذا جاء شاعر بقصيدة قال له: إن كانت مطوقة بأن يكون أحد يحفظها أو ا؛د أنشأها: أي بأن كان أتى بها أحد قبلك، فلا نعطيك لها جائزة، وإن لم يكن أحد يحفظها نعطيك زنة ما هي مكتوبة فيه، فيقرأ الشاعر القصيدة فيحفظها الخليفة من أول مرة، ولو كانت ألف بيت، ويقول للشاعر اسمعها مني وينشدها بكمالها، ثم يقول له: هذا المملوك يحفظها، وقد سمعها المملوك مرتين، مرة من الشاعر ومرة من الخليفة فيقرؤها، ثم يقول الخليفة: وهذه الجارية التي خلف الستارة تحفظها أيضاً وقد سمعتها الجارية ثلاث مرات فتقرؤها بحروفها فيذهب الشاعر بغير شيء.
قال الراوي: وكان الأصمعي من جلسائه وندمائه فنظم أبياتاً صعبة وكتبها على قطعة عمود من رخام ولفها في عباءة وجعلها على ظهر بعير وغير حليته في صفة أعرابي غريب وضرب له لثاماً ولم يبين منه غير عينيه، وجاء إلى الخليفة وقال: إني امتدحت أمير المؤمنين بقصيدة. فقال: يا أخا العرب إن كانت لغيرك لا نعطيك عليها جائزة وإلا نعطيك زنة ما هي مكتوبة عليه. فأنشد الأصمعي هذه القصيدة:
صوت صفير البلبلهيج قلبي الثملالماء والزهر معا
مع زهر لحظ المقلوأنت يا سيد دليوسيدي وموللي
وكم وكم تيمنيغزيل عقيقيقطفت من وجنته
باللثم ورد الخجلوقلت بس بسبسنيفلم يجد بالقبل
وقال لا لا لللاوقد غدا مهروليوالخود مالت طربا
من فعل هذا الرجلوولولت ولولةًولي ولي يا ويللي
فقلت لا تولوليوبيني اللؤلؤليلما رأته أشمطا
يريد غير القبلوبعده ما يكتفيإلا بطيب الوصللي
قالت له حين كذاانهض وجد بالنقليوفتيةٍ سقونني
قهيوة كالعسلليشممتها في أنفيأزكى من القرنفل
في وسط بستان حليبالزهر والسرولليوالعود دندن دنلي
والطبل طبطبطبليوالرقص قد طبطليوالسقف قد سقسقلي
شووا شووا وشاهشواعلى ورق سفرجليوغرد القمري يصيح
من ملل في ملليفلو تراني راكباًعلى حمار أهزلي
يمشي على ثلاثةكمشية العرنجلوالناس ترجمجملي
في السوق بالقلقليوالكل كعكع كعكعخلفي ومن حوللي
لكن مشيت هارباًمن خشية العقنقليإلى لقاء ملك
معظم مبجليأمر لي بخلعةحمراء كالدمدملي
أجر فيها ماشياًمبغدداً للذيلأنا الأديب الألمعي
من حي أرض الموصلنظمت قطعاً زخرفتتعجز الادبللي
أقول فيمطلعها صوتصفير البلبل
قال الراوي: فلم يحفظها الملك لصعوبتها، ونظر إلى المملوك وإلى الجارية فلم يحفظها أحد منهما فقال: يا أخا العرب هات الذي هي مكتوبة فيه نعطك زنته.
فقال: يا مولاي إني لم أجد ورقاً أكتب فيه وكان عندي قطعة عمود رخام من عهد أبي، وهي ملقاةٌ ليس لي بها حاجة، فنقشتها فيها.
فلم يسع الخليفة إلا أنه أعطاه وزنها ذهباً فنفد ما في خزينته من المال، فأخذه وانصرف، فلما ولى قال الخليفة: يغلب على ظني أن هذا الأصمعي، فأحضره وكشف عن وجهه. فإذا هو الأصمعي فتعجب منه ومن صنيعه وأجازه على عادته، قال: يا أمير المؤمنين، إن الشعراء فقراء وأصحاب عيال وأنت تمنعهم العطاء بشدة حفظك وحفظ هذا المملوك وهذه الجارية. فإذا أعطيتهم ما تيسر ليستعينوا به على عيالهم لم يضرك، انتهى.
حاج يعظ المنصور وذكر الغزالي وابن بليان وغيرهما، أن أبا جعفر المنصور حج ونزل في دار الندوة،وكان يخرج سحراً فيطوف بالبيت، فخرج ذات ليلة سحراً، فبينما هو يطوف إذ سمع قائلاً يقول: اللهم أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بني الحق وأهله من الطمع. فهرول المنصور في مشيته حتى ملأ سمعه ثم رجع إلى دار الندوة. وقال لصاحب شرطته: إن بالبيت رجلاً يطوف فأتني به. فخر صاحب الشرطة فوجد رجلاً عند الركن اليمني. فقال: أجب أمير المؤمنين. فلما دخل عليه، قال: أنا الذي سمعتك آنفاً تشكو إلى الله من ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع، فوالله لقد حشوت مسامعي ما أمرضني.
فقال له: يا أمير المؤمنين، إن الذي داخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله وامتلأت بلاد الله بذلك بغياً وفساداً أنت هو.
فقال له المنصور: ويحك كيف يداخلني الطمع، والصفراء والبيضاء ببابي وملك الأرض في قبضتي.
فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين، وهل داخل أحداً من الطمع ما داخلك؟ استرعاك الله أمور المؤمنين وأموالهم فأهملت أمورهم واهتممت بجمع أموالهم، واتخذت بينك وبين رعيتك حجاباً من الجبس والآجر وحجبة معهم السلاح وأمرت أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان، نفر استخلصتهم لنفسك وأمرتهم على رعيتك، ولم تأمر بإيصال المظلوم ولا الجائع ولا العاري، ولا أحد إلا وله في هذا المال حق. فلما رآك هؤلاء الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك تجمع الأموال وتقسمها، قالوا: هذا خان الله ورسوله فما لنا لا نخونه؟ فأجمعوا على أن لا يصل إليك من أموال الناس إلا ما أرادوا. فصار هؤلاء شركاءك في سلطانك، وأنت غافل عنهم، فإذا جاء المظلوم إلى بابك وجدك وقفت رجلاً ينظر في مظالم الناس، فإن كان الظالم من بطانتك علل صاحب المظالم بالمظلوم وسوّفَ من وقت إلى وقت، فإذا اجتهد وظهرت أنت صرخ بين يديك، فضربه أعوانك ضرباً شديداً ليكون نكالاً لغيره، وأنت ترى ذلك ولا تنكر. لقد كانت الخلفاء قبلك من بني أمية إذا أتت إليهم الظلامة أزيلت في الحال، ولقد كنت أسافر إلى الصين يا أمير المؤمنين، فقدمت مرة فوجدت الملك الذي به قد فقد سمعه، فبكى، فقال له وزراؤه: ما يبكيك أيها الملك؟ لا أبكى الله لك عيناً إلا من خشيته.
فقال: والله ما بكيت لمصيبة نزلت بي وإنما أبكي لمظلوم يصرخ بالباب فلا أسمعه. ثم قال: إن كان سمعي ذهب فإن بصري لم يذهب. نادوا في الناس لا يلبس أ؛د ثوباً أحمر إلا مظلوم. وكان يركب الفيل طرفي النهار ويدور في البلد لعله يجد أحداً لابساً ثوباً أحمر فيعلم أنه مظلوم فينصفه. وهذا الأمير رجل مشرك غلبت عليه رأفته على شح نفسه بالمشركين، وأنت مؤمن بالله ورسوله وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
يا أمير المؤمنين! لا تجعل الأموال إلا لإحدى ثلاثٍ: فإن قلت إنما أجمع الأموال لصالح الملك فقد أراك الله عبرةً في الملوك والقرون من قبلك ما أغنى عنهم ما أعدوا من الأموال والرجال والكراع، حين أراد الله بهم ما أراد، وإن قلت إنما أجمع للولد، فقد أراك الله عبرة فيمن تقدم ممن جمع المال للولد فيلم يغن ذلك عنهم شيئاً بل ربما مات فقيراً ذليلاً حقيراً؛ وإن قلت إنما أجمعه لغاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها، فوالله ما فوق منزلتك إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح.
فبكى المنصور بكاء شديداً ثم قال: وكيف أعمل وقد فرت مني العباد ولم تقربني، افتح الباب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم وخذ المال مما حل وطاب، واقسمه بالحق والعدل، وأنا ضامن من هرب أن يعود إليك.
فقال المنصور: نفعل إن شاء الله تعالى.
وجاء المؤذن فأذن للصلاة فقام وصلى فلما قضى صلاته طلب الرجل فلم يجده، فقال لصاحب الشرطة: علي بالرجل الساعة.
فخرج يتطلبه فوجده عند الركن اليماني فقال له: أجب أمير المؤمنين.
فقال: ليس إلى ذلك من سبيل.
فقال: إذن يضرب عنفي.
فقال: ولا إلى ضرب رقبتك من سبيل. ثم أخرج من مزود كان معه رقاً مكتوباً فقال له: خذه فإن فيه دعاء الفرج من دعا به صباحاً ومات من يومه مات شهيداً، ومن دعا به مساء ومات من ليلته مات شهيداً. وذكر له فضلاً عظيماً وثواباً جزيلاً. فأخذه صاحب الشرطة وأتى به المنصور فلما رآه قال له: ويلك أو تحسن السحر؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين. ثم قص عليه القصة، فأمر المنصور بنقله وأمر له بألف دينار، وهو هذا.
اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء، وعلمك بما تحت أرضك كعلمك بما فوق عرشك. وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك، وعلانية القول كالسر في علمك، وانقاد كل شيء لعظمتك، وخضع كل ذي سلطان لسلطانك، وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك، اجعل لي من كل هم وغم أصبحت أو أميت فيه فرجاً ومخرجاً. اللهم، إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه مما قصرت فيه، أدعوك آمناً وأسألك مستأنساً، فإنك أنتن المحسن إلي وأنا المسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك، تتودد إلي بالنعم وأتبغض إليك بالمعاصي، ولكن الثقة بك حملتني على الجراءة عليك، فجد بفضلك وإحسانك علي، إنك أنت الرؤوف الرحيم.
القاضي ابن أبي ليلى والمنصور وحدث عبد الله البلتاجي، قال: دخل ابن أبي ليلى على أبي جعفر المنصور، وكان ابن أبي ليلى قاضياً فقال أبو جعفر: إن القاضي يرد عليه. من ظرائف الناس ونوادرهم أمور، فإن كان ورد عليك شيء فحدثنيه، فقد طال علي يومي.
قال: والله يا أمير المؤمنين، قد ورد علي منذ ثلاثة أيام أمر ما ورد علي مثله. أتتني عجوز تكاد تنال الأرض بوجهها أو تسقط من انحنائها فقالت: أنا بالله وبالقاضي أن يأخذ لي بحقي وأن يعينني على خصمي.
قلت: ومن خصمك؟ قالت: إبنة أخ لي.
فدعوت بها فجاءت امرأة ضخمة ممتلئة شحماً فجلست منبهرة. فذهبت العجوز تتظلم، فقالت الشابة: أصلح الله القاضي، مرها فلتسكت حتى أتكلم بحجتي وحجتها فإن لحنت بشيء فلترد علي، فإن أذنت لي أسفرت.
فقالت العجوز: إن أسفرت قضيت لها.
فقلت لها: أسفري، فأسفرت عن وجه والله ما ظننت أنه يكون مثله إلا في الجنة. فقالت: أصلح الله القاضي، هذه عمتي مات والدي وتركني يتيمة في حجرها فربتني فأحسنت التربية، حتى إذا بلغت مبلغ النساء قالت لي: يا بنت أخي، هل لك في التزويج؟ قلت: ما أكره ذلك يا عمة.
قالت العجوز: نعم.
قالت: فخطبني وجوه أهل الكوفة فلم ترض إلا رجلاً صيرفياً، فتزوجني، فكنا كأننا ريحانتان ما أظن أن الله خلق غيره يغدو إلى سوقه ويروح علي بما رزقه الله تعالى. فلما رأت العمة موقعه مني وموقعي منه حسدتنا على ذلك، وكانت لها ابنةً فشوفتها وهيأتها لدخول زوجي، فوقعت علينه عليها، فقال: يا عمة هل لك أن تزوجيني ابنتك؟ قالت: نعم بشرط.
فقال لها: وما الشرط.؟ قالت: تصير أمر ابنة أخي إلي.
قال: قد صيرت أمرها إليك.
قالت: فإن قد طلقتها ثلاثاً بتةً.
وزوجت ابنتها زوجي، فكان يغدو عليها ويروح، فقلت لها : يا عمتي أتأذنين لي أن أنتقل عنك؟ قالت: نعم.
فانتقلت عنها وكان لعمتي زوج غائب فقدم فلما توسط منزلها قال: ما لي لا أرى ربيبتنا؟ قالت: طلقها زوجها فانتقلت عنا.
فقال: إن لها من الحق علينا أن نعزيها بمصيبتها.
فلما بلغني مجيئه إلي تهيأت له وتشوفت. فلما دخل علي عزاني بمصيبتي، ثم قال: إن فيك بقيةً من الشباب؛ فهل لك أن أتزوج بك؟ قلت: ما أكره ذلك ولكن على شرط.
قال لي: وما الشرط؟ قلت: تصير أمر عمتي بيدي.
قال: فإني قد فعلت وصيرت أمرها بيدك.
قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتة.
قالت: فقدم علي بثقله من الغد ومعه ستة آلاف درهم فأقام عندي ما أقام، ثم إنه اعتل وتوفي فلما انقضت عدتي جاء زوجي الأول الصيرفي يعزيني بمصيبتي فلما بلغني مجيئه تهيأت وتشوفت له، فلما دخل علي قال لي: يا فلانة إنك تعلمين أنك كنت أعز الناس علي وأحبهم إلي، وقد حلت المراجعة، فهل لك في ذلك؟ قلت: ما أكره ذلك، ولكن اجعل أمر ابنة عمتي بيدي.
قال: فإني قد فعلت.
قلت: فإني قد طلقتها ثلاثاً بتةً، أصلح الله القاضي، فرجعت إلى زوجي فما اعتدائي عليها.
فقالت العجوز: أنا فعلت مرة، وفعلت مرة بعد أخرى.
فقلت: إن الله لم يوقت في هذا وقتاً، وقد قال تعالى: " ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله " . فواحدة بواحدة والبادي أظلم.
فقال القاضي: إن زوج العمة لم يكن له أن يتزوج ابنة أخيها وهي في عدته؛ فأرادت العجوز أن تتولى التفريق بينه وبينها استيفاء لها ومجازاة لها على فعلها، فقلت لها: قد فرقت بينكما، قومي إلى منزلك، انتهى.
الأمير الأموي وملك النوبة وذكر المنصور يوماً في مجلسه زوال ملك بني أمية وما جرى عليهم، وأنهم عاشوا سعداء وماتوا فقراء، فقال له إسماعيل بن علي الهاشمي: إن عبد الله بن مروان بن محمد في حبسك، وله قصة مع ملك النوبة. فأحضره واسأله عنها. فأحضره، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال المنصور: رد السلام أمن ولم تسمح نفسي بذلك، ولكن اقعد! فقعد، فقال: ما قصتك مع ملك النوبة؟
فقال: يا أمير المؤمنين، كنت ولي عهد أبي فلما طلبتنا دعوت عشرة من غلماني ودفعت لكل واحد ألف دينار وأوسقت خمس بغال وشددت في وسطي جوهراً له قيمة عظيمة وخرجت هارباً إلى بلاد النوبة، فلما قربنا بعثت غلاماً لي، فقلت له: امض إلى هذا الملك وأقرئه السلام وخذ لنا منه الأمان وابتغ لنا ميرة. فمضى وأبطأ حتى أسأت به الظن، ثم أقبل ومعه رجل فدخل وسلم وقال: الملك يقرئك السلام ويقول لك: من أنت وما جاء بك إلى بلادي؟ أمحارب، أم راغب في ديني، أم مستجير بي؟ فقلت له: رد على الملك، ما أنا بمحارب ولا راغب في دينك ولا ممن يبتغي بدينه بدلاً بل مستجير به.
فذهب الرسول ورجع إلي وقال: الملك يقول لك إني أجيء إليك غداً فلا تحدث نفسك حدثاً ولا شيئاً من الميرة.
فقلت لأصحابي: افرشوا الفراش، ففرش لي وجلست من الغد أرقبه، وإذا هو قد أقبل وعليه بردان قد ائتزر بأحدهما وارتدى بالآخر، حافي الرجلين، ومعه عشرة معهم الحراب: ثلاثة يقدمونه وسبعة خلفه، فاستصغرت أمره وسولت لي نفسي قتله، فلما قرب إذا سواد عظيم، قلت: ما هذا؟ قالوا: الخيل. فوافى بها عشرة آلاف عنان، ووافت الخيل عند دخوله فأحدقوا بنا، فلما دخل جلس على الأرض، قال: فقلت لترجمانه: لِمَ لمْ يقعد على الموضع الذي وطئ له؟ فسأله، فقال: قل له إنه ملك وكل ملك حقه أن يكون متواضعاً لله وعظمته إذ رفعه الله على عباده.
ثم نكت بإصبعه الأرض طويلاً ورفع رأسه وقال: قل له كيف سلبتم هذا الملك، فأخذ منكم وأنتم أقرب الناس إلى نبيكم؟ فقلت: جاء من هو أقرب منا قرابة إليه، فسلبنا وغلبنا وطردنا فخرجت إليك مستجيراً بالله، ثم بك.
قال: فلم كنتم تشربون الخمر وهو محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا من غير رأينا.
قال: فلم تركبون على الديباج وعلى خيولكم سروج الذهب والفضة وهي محرمة عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وأعاجم دخلوا في ديننا وفي ملكنا بغير رأينا.
قال: فلم كنتم إذا خرجتم إلى الصيد مررتم على القرى وكلفتم أهلها ما لا طاقة لهم به بالضرب والإهانة ولا يقنعكم ذلك حتى تحطموا زرعهم في طلب دراج قيمته نصف درهم، والتكليف والعناء محرم عليكم؟ قلت: فعل ذلك عبيد وغلمان وأتباع.
قال: لا! ولكنكم استحللتم ما حرم الله عليكم وأتيتم ما نهاكم الله عنه فسلبكم العز وألبسكم الذل ونصر أعداءكم عليكم، ولله فيكم نقمة لم تبلغ غايتها بعد، وإني أخاف أن تنزل بك النقمة إذ كنت من الظلمة فتشملني معك، فإن النقمة إذا نزلت شملت، فاخرج بعد ثلاث، فإن وجدتك بعدها أخذت ما معك وقتلتك ومن معك.
ثم وثب قائماً وخرج وقمت ثلاثاً ورجعت إلى مصر فأخذني عاملك وبعث بي إليك، وها أنا ذا والموت أحب إلي من الحياة.
فرق له المنصور وهم بإطلاقه، فقال له إسماعيل بن علي: في عنقي بيعة هذا.
قال: فما ترى؟ قال: ينزل في دار من دورنا ويجري عليه ما يجري على مثله.
ففعل به ذلك، انتهى.
بليتان. المنصور والطاعون وخطب المنصور يوماً بالشام، فقال: أيها الناس ينبغي لكم أن تحمدوا الله تعالى على ما وهبكم في فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان يجيئكم.
فقال أعرابي: إن الله أكرم من أن يجمعك أنت والطاعون علينا.
أبي هرمة والخمر ودخل ابن هرمة على المنصور وامتدحه، فقال له المنصور: سل حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة إذا وجدني سكران لا يحدني.
فقال له المنصور: هذا حد لا سبيل إلى تركه.
فقال: ما لي حاجة غيرها.
فقال لكاتبه: اكتب إلى عاملنا بالمدينة من أتاك بابن هرمة وهو سكران فاجلده ثمانين، واجلد الذي جاء به مائة.
فمكان الشرطة يمرون عليه وهو سكران ويقولون: من يشتري ثمانين بمائة، فيمرون عليه ويتركونه، انتهى.
الرجل الثبت الجنان وحدث أحمد بن موسى قال: ما رأيت رجلاً أثبت جناناً ولا أحسن معرفة ولا أظهر حجة من رجل رفع فيه عند المنصور بأن عنده أموالاً لبني أمية، فأمر المنصور حاجبه الربيع أن يحضره، فلما حضر بين يديه. قال المنصور: رفع إلينا أن عندك ودائع وأموالاً وسلاحاً لبني أمية فأخرجها لنا لنجمع ذلك إلى بيت المال.
فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، أنت وارث لبني أمية؟ قال: لا.
قال: فلم تسأل إذن عما في يدي من أموال بني أمية ولست بوارث لهم ولا وصي.
فأطرق المنصور ساعة، ثم قال: إن بني أمية ظلموا الناس وغصبوا أموال المسلمين.
فقال الرجل: يحتاج أمير المؤمنين إلى بينة يقبلها الحاكم تشهد أن المال الذي لبني أمية هو الذي في يدي وأنه هو الذي غصبوه من الناس. وأن أمير المؤمنين يعلم أن بني أمية كانت لهم أموال لأنفسهم غير أموال المسلمين التي اغتصبوها على ما يتهم أمير المؤمنين؟ قال: فسكت المنصور ساعة، ثم قال: يا ربيع، صدق الرجل ما يجب لنا على الرجل شيء، ثم قال للرجل: ألك حاجة؟ قال: نعم.
قال: ما هي؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى في إليك فوالله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي مال ولا سلاح. وإنما أحضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم، فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه.
فقال المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سعى به فجمع بينهما. فقال: يا أمير المؤمنين، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي.
فسأل المنصور الرجل فأقر بالمال. قال: فما حملك على السعي كاذباً؟ قال: أردت قتله ليخلص لي المال.
فقال الرجل: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين، لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك ووهبته خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي.
فاستحسن المنصور فعله وأكرمه ورده إلى بلده مكرماً.
وكان المنصور كل وقت يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ قط، ولا أثبت من جنانه ولا من حجني مثله ولا رأيت مثل حمله ومروءته، انتهى.
خلاقة المهدي
الرؤيا الصالحة اسمه محمد بن المنصور، حدثنا داود بن رشيد، قال: قلت للهيثم بن علي بأي شيء استحق سعيد بن عبد الرحمن أن ولاه المهدي القضاء وأنزله منه تلك المنزلة الرفيعة؟ فقال: إن خبره باتصاله بالمهدي ظريف، فإن أحببت شرحته لك. قلت والله قد أحببت.
قال: اعلم أنه وافى الربيع الحاجب حين أفضت الخلافة إلى المهدي وقال له: استأذن لي على أمير المؤمنين، فقال له: من أنت وما حاجتك؟ قال: أنا رجل قد رأيت لأمير المؤمنين أعزه الله رؤيا صالحة، وقد أحببت أن تذكرني له، فقال الربيع: يا هذا ، إن القوم لا يصدقون فيما يرونه لأنفسهم فكيف بما يراه لهم غيرهم، فاحتل بحيلة غير هذه، فقال: إن لم تخبره بمكاني سألت من يوصلني إليه وأخبره ني سألتك الإذن لي عليه فلم تفعل؟ فدخل الربيع على المهدي، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنكم قد أطمعتم الناس في أنفسكم فقد احتالوا عليكم بكل ضرب.
فقال له المهدي: هكذا تصنع الملوك فماذا؟ قال: رجل بالباب يزعم أنه رأى لأمير المؤمنين أيده الله رؤيا حسنة، وقد أحب أن يقصها عليك.
فقال المهدي: يا ربيع، إني والله أرى الرؤيا لنفسي فلا تصح لي فكيف يمكن ادعاؤها ممن لعله قد افتعلها؟ قال: والله قلت له مثل هذا فلم يقبل.
قال: هات الرجل.
قال: فأدخل عليه سعيد وكان له رؤية وجمال ومروة ظاهرة ولحية عظيمة ولسان طلق، فقال له: ما رأيت بار الله فيك؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين آتياً أتاني في منامي فقال: أخبر أمير المؤمنين أنه يعيش ثلاثين سنة في الخلافة، وآية ذلك أنه يرى في ليلته الآتية في منامه كأنه يقلب يواقيت ثم يعدها فيجد ثلاثين ياقوتة كأنها قد وهبت له.
فقال المهدي: ما أحسن ما رأيت، ونحن نمتحن رؤياك في ليلتنا المقبلة على ما أخبرتنا: فإن كان الأمر على ما ذكرت أعطيناك فوق ما تريد، وإن كان الأمر بخلاف ذلك لم نعاقبك لعلمنا أن الرؤيا الصالحة ربما صدقت وربما اختلفت.
قال: يا أمير المؤمنين، فما أصنع أنا الساعة إذا صرت إلى منزلي وعيالي وأخبرتهم أني كنت عند أمير المؤمنين أكرمه الله، ثم رجعت صفر اليد؟ فقال له المهدي: فكيف نعمل؟ فقال: يعجل لي أمير المؤمنين أعزه الله تعالى ما أحب وما أحلف له بالطلاق إني قد صدقت.
فأمر له بعِشرة آلاف درهم وأمر بأن يؤخذ له كفيل ليحضر من غد ذلك اليوم فقبض المال وقال له: من يكفلك؟ فمد عينه إلى خادم حسن الوجه والزي وقال: هذا يكفلني.
فقال له المهدي: أكفله يا غلام؟
فاحمر وخجل، وقال: نعم يا أمير المؤمنين، فكفله وانصرف سعيد بن عبد الرحمن بالعشرة آلاف درهم. فلما كانت تلك الليلة رأى المهدي ما ذكره له سعيد حرفاً بحرف وأصبح سعيد فوافى الباب واستأذن، فأذن له. فلما وقعت عين المهدي عليه قال له: أين مصداق ما قلت لنا عليه؟ فقلت له: وما رأى أمير المؤمنين. فضحك في جوابه، فقال له: امرأتي طالق إن لم تكن رأيت شيئاً؟ فقال: لأني أحلف على صدق.
قال له المهدي: فقد والله رأيت ذلك مبيناً.
فقال سعيد: الله أ:بر، فأنجز لي يا أمير المؤمنين ما وعدتني.
قال: حباً وكرامة.
ثم أمر له بثلاثة آلاف دينار وعشر تخوت ثياب من كل صنف وثلاثة مراكب من أنفس دوابه محلاةً، فأخذ ذلك وانصرف فلحق به الخادم الذي كان كفله. وقال: سألتك بالله هل لهذه الرؤيا من أصل؟ فقال سعيد: لا والله.
فقال الخادم: كيف وقد رأى أمير المؤمنين ما ذكرته؟ قال: هذا من المخاريق التي لا أب لها، وذلك أني لما ألقيت هذا الكلام خطر بباله وحدث به نفسه وأسرى به قلبه واشتغل به فكره ففي ساعة نام خيل له ما حل في قلبه واشتغل به فكره فنام فرآه.
فقال له الخادم: قد حلفت بالطلاق.
قال: طلقة واحدة وبقيت معي على اثنتين وأزيد مهرها عشرة دراهم. وأتحصل على عشرة آلاف درهم وثلاثة آلاف دينار وعشرة تخوت من أصناف الثياب، وثلاثة مراكب فارهة.
فبهت الخادم وتعجب من ذلك. فقال له سعيد: قد صدقتك وجعلت ذلك مكافأتك على كفالتك فاستر علي.
ثم طلبه المهدي لمنادمته فنادمه وحظي عنده وقلده القضاء على العسكر. فلم يزل كذلك حتى مات. انتهى.
المهدي والأعرابي يحكى أن المهدي خرج يتصيد، فسار به فرسه حتى دخل إلى خباء أعرابي، فقال: يا أعرابي. هل من قرى؟ قال: نعم، فأخرج له قرض شعير فأكله، ثم أخرج له فضلة من لبن فسقاه، ثم أتاه بنبيذ في ركوة فسقاه قعباً. فلما شرب قال: يا أخا العرب أتدري من أنا؟ قال: لا والله.
قال: أنا من خدم أمير المؤمنين الخاصة.
قال: بارك الله في موضعك.
ثم سقاه قعباً آخر فشربه فقال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من خدم أمير المؤمنين الخاصة.
قال: لا، بل أنا من قواد أمير المؤمنين.
قال: رحبت بلادك وطاب مرادك.
ثم سقاه ثالثاً فلما فرغ منه قال: يا أعرابي، أتدري من أنا؟ قال: زعمت أنك من قواد أمير المؤمنين.
قال: لا، ولكني أمير المؤمنين.
فأخذ الأعرابي الركوة وأوكأها وقال: والله لو شربت الرابع لادعيت أنك رسول الله.
فضحك المهدي حتى غشي عليه وأحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف فطار قلب الأعرابي فقال له: لا بأس عليك ولا خوف ثم أمر له بكسوة ومال.
أبو نواس وجارية بنت المهدي وقيل: كان لأسماء بنت المهدي جارية يقال لها: كاعب. وكانت بكراً ناهداً ذات حسن وجمال وقد واعتدال، وكانت بنت ست عشرة سنة. قال: فتلاعب عليها أبو نواس لينالها، فتمنعت منه مراراً. فظفر بها ليلة من الليالي في ناحية من نواحي القصر فمسكها فبكت وقالت: الموت دون ذلك، فقال أبو نواس في نفسه: هذا جزع الأبكار، فتركها مدة، فائفق أنه خرج من القصر ليلة وقد رقرق الدجى، فوجدها نائمة سكرى فتقرب منها وحل السراويل من وسطها، ودهمها، فإذا هي خالية من البكارة، فارتاع وظن أنه يكون أتاها دم، فلم يجد وقام عنها وندم على ما كن منه وأخذ يقول:
وناهدة الثديين من خدم القصر ... مرقرقة الخدين ليلية الشعر
كلفت بها دهراً حسن وجهها ... طويلاً وما حب الكواعب من أمري
فما زلت بالأشعار حتى خدعتها ... وروضتها، والشعر من خدع السحر
أطالبها شيئاً، فقالت بعبرة: ... أموت به داءً ودمعتها تجري
فلما تعانقنا توسطت لجةً ... غرقت بها يا قوم في لجج البحر
فصحت أغثني يا غلام، فجاءني ... وقد زلقت رجلي ورحت إلى الصد
ولولا صياحي بالغلام وأنه ... تداركني بالحبل رحت إلى القعر
فأقسمت عمري لا ركبت سفينة ... ولا سرت طول الدهر إلى على الظهر
الشاعر المجنون
قال المبرد: صعدت من البصرة إلى بغداد، فمررت بدير العاقول فرأيت مجنوناً فيه. فلم أر قط أظرف منه ولا أحسن ثياباً، ويده الواحدة على صدره. فلما دنوت منه أنشأ يقول:
الله يعلم أنني كمدٌ ... لا أستطيع أبث ما أجد
روحان لي: روح تملكها ... بلد، وأخرى حازها بلد
وأرى الصبابة ليس ينفعها ... صبر وليس لمثلها جلد
وأظن ظاعنتي كشاهدتي ... بمكانها تجد الذي أجد
فقلت: أحسنت والله، لله درك يا مجنون. فأهوى لشيء يرميني به فبعدت عنه. فقال لي: أنشدتك ما تحبه واستحسنته. وتقول لي: يا مجنون، وتكون مع الزمان علي.
فقلت له: أخطأت.
فقال: إذن اعترفت بخطئك. ثم قال: أنشدك شعراً أيضاً؟ قلت: نعم.
فأنشأ يقول:
ما أقتل البين للمحب. وما ... أوجع قلب المحب بالكمد
عرضت نفسي على البلاء لقد ... أسرع في مهجتي وفي كبدي
يا حسرةً! إذ أبيت معتقلاً ... بين اختلاج الهموم والسهد
فقلت: أحسنت والله زدنا، فقال:
إن فتشوني فمحرق الكبد ... أو كشفوني فناحل الجسد
أضعف ما بي وزادني ألماً ... أن لست أشكو النوى إلى أحد
فقلت: أحسنت والله زدنا.
فقال: يا فتى، أراك كلما أنشدتك بيتاً قلت زدنا، وما ذاك إلا لمفارقة حبيبٍ أو خل أريب، ثم قال: أحسبك أبا العباس المبرد. بالله ما هو أنت.
قلت: أنا ذلك فمن أين عرفتني؟ فقال: وهل يخفى القمر؟ ثم قال: يا أبا العباس، أنشدني من شعرك شيئاً تنتعش به روحي، فأنشدته قولي:
بكيت حتى بكى من رحمتي الطلل ... ومن بكائي بكت أعداي إذ رحلوا
يا منزل الحي! أين الحي قد نزلوا؟ ... نفسي تساق إذا ما سيقت الإبل
أنعم صباحاً، سقاك الله من طلل ... غيثاً وجاد عليك الوابل الهطل
سقياً لعهدهم والدار جامعة ... والشمل ملتئم والحبل متصل
فطالما قد نعمنا والحبيب بها ... والدهر يسعد والواشون قد غفلوا
قد غير الدهر ما قد كنت أعرفه ... والدهر ذو دول بالناس ينتقل
بانوا فبان الذي قد كنت آمله ... والبين أعظم ما يبلى به الرجل
فالشمل مفترق، والقلب محترق ... والدمع منسكب، والركب مرتحل
كأن قلبي لما سار عيسهم ... صب به دنف أو شارب ثمل
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهم ... وثوروها وسارت بالهوى الإبل
وقلت من خلال السجف ناظرها ... ترنوا لي، ودمع العين منهمل
يا حادي العيس! عرج بي أو دعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إني وحقك لا أنس مودتهم ... يا ليت شعري لطول العهد ما فعلوا؟
قال أبو العباس المبرد: فلما أتممت شعري. قال لي: ما فعلوا؟ قلت: ماتوا، فصاح صيحة عظيمة وخر مغشياً عليه، فحركته فوجدته قد مات. رحمة الله عليه. انتهى.
خلافة موسى الهادي بن محمد لم أر فيه شيئاً ومن رأى فيه شيئاً فليضعه.
قال بعض الفضلاء: من حيث أن المؤلف أمر بأن من رأى فيه شيئاً فليضعه، فرأيت هذا النذر اليسير مذكوراً في تاريخ الإسحاقي فأحببت ذكره امتثالاً لأمره، فقلت:
الهادي والخارجي
ذكر صاحب الكردان: أن الهادي كان يوماً في بستان يتنزه على حمار، ولا سلاح معه وبحضرته جماعة، من خواصه وأهل بيته، فدخل عليه حاجبه وأخبره أن بالباب بعض الخوارج له بأس ومكايد، وقد ظفر به بعض القواد فأمر الهادي بإدخاله فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه. فلما أبصر الخارجي الهادي جذب يديه من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي ففر كل من كان حوله وبقي وحده، وهو ثابت على حماره، حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه بالسيف أومأ إلى وراء الخارجي وأوهمه أن غلاماً وراءه وقال: يا غلام اضرب عنقه، فظن الخارجي أن غلاماً وراءه والتفت الخارجي، فنزل الهادي مسرعاً عن حماره فقبض على عنق الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه، ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره، وأتباع الهادي ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه حياءً ورعباً، فما عاتبهم ولا خاطبهم في ذلك بكلمة، ولم يفارق السلاح بعد ذلك اليوم، ولم يركب إلا جواداً من الخيل. فانظر إلى هذا المقدار في ثبات جأش الملوك، فإنه قل من يفعل ذلك، وهذه مرتبة لم يصل إليها أحد إلا نادراً.
الهادي وحبه لغادرة حكي عبد الحق أنه قال مما ابتلي به الهادي من المحبة أنه كان مغرماً بجارية تسمى غادراً، وكانت من أحسن النساء وجهاً وأطيبهم غناءً، اشتراها بعشرة آلاف دينار، فبينما هو يشرب مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع الشراب، فقيل له: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: وقع في قلبي أني أموت وأن أخي هارون بلي الخلافة ويتزوج غادراً فامضوا وأتوني برأسه.
ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به، فقال: لا أرضى حتى تحلف علي بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها. فرضي بذلك وحلف إيماناً عظيمة، ودخل إلى الجارية وحلفها أيضاً على مثل ذلك، فلم يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات وولي الخلافة هارون الرشيد فطلب الجارية فقالت: يا أمير المؤمنين كيف تصنع بالإيمان؟ فقال: قد كفرت عنك وعني.
ثم تزوج بها ووقعت في قلبه موقعاً عظيماً وافتتن به أعظم من أخيه الهادي حتى كانت تسكر وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب. فبينما هون في بعض الليالي وهي في حجره نائمة إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة. فقال لها: ما بالك فديتك؟ قالت: رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات:
أخلفت عهدي بعدما ... جاوزت سكان المقابر
ونسيتني، وحنثت في ... إيمانك الزور الفواجر
ونكحت غادرة أخي ... صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الإلف الجدي؟ ... د ولا تدر عنك الدوائر
ولحقتني قبل الصبا - ح وصرت حيث غدوت صائر قالت: ثم ولى عني وكأن الأبيات مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة.
فقال لها: هذه أحلام الشيطان.
فقالت: كلا، والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت بين يديه وماتت في تلك الساعة، ولا تسأل عن هارون الرشيد وما لقي بعدها.
؟؟
خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي هو أخو موسى الهادي، وهو الخامس من بني العباس.
قال إبراهيم الموصلي في تهنئة الخلافة عندما ولي الرشيد بعد أخيه موسى الهادي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة ... فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالاً بملكه ... فهارون واليها ويحيى وزيرها
هارون والأعرابي قدم أعرابي حين ولي هارون الخلافة فقيل له: فيم جئت؟ قال: أتيت برسالة.
قال: ائت بها.
قال: أتاني آت في منامي فقال: ائتِ أمير المؤمنين فابلغه هذه الأبيات:
توارثت الخلافة في قريشٍ ... تزف إليكما أبداً عروسا
إلى هارون تهدي بعد موسى ... تميس، وما لها أن لا تميسا
فأعطاه الرشيد عطاء جزيلاً وصرفه.
ليلة عظيمة بويع له بالخلافة في الليلة التي توفي فيها أخوه وولد في تلك الليلة المأمون، وكانت ليلة عظيمة لم ير مثلها في بني العباس مات فيها خليفة، وولي فيها خليفة، وولد فيها خليفة.
ولما بويع الرشيد قلد جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك وزارته. وسيأتي إيقاع الرشيد بالبرامكة وسبب ذلك.
الرشيد والمستقية
ويحكى أن هارون الرشيد مر في بعض الأيام وبصحبته جعفر البرمكي وإذا هو بعدة بنات يستقون الماء فعرج عليهن يريد الشرب وإذا إحداهن تقول:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت المنام
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في العظام
دنفٌ تقلبه الأكف ... على بساط من سقام
فأعجب أمير المؤمنين ملاحتها وفصاحتها. فقال لها: يا بنت الكرام هذا من قولك أم من منقولك؟ قالت: من قولي.
قال: إن كان كلامك صحيحاً فأمسكي المعنى وغيري القافية فأنشدت تقول:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الوسن
كي أستريح وتنطفي ... نارٌ تأجج في البدن
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من شجن
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من ثمن؟
فقال لها: والآخر مسروق.
قالت: بل كلامي.
فقال: إن كان كلامك أيضاً فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الرقاد
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الفؤاد
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من حداد
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من سداد؟
فقال لها: والآخر مسروق.
فقال: بل كلامي.
فقال لها: إن كان كلامك فأمسكي المعنى وغيري القافية. فقالت:
قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي وقت الهجوع
كي أستريح وتنطفي ... نار تأجج في الضلوع
دنف تقلبه الأكف ... على بساط من دموع
أما أنا فكما علم؟ ... ت فهل لوصلك من رجوع؟
فقال لها أمير المؤمنين: أنت من أي هذا الحي؟ قالت: من أوسطه بيتاً، وأعلاه عموداً.
فعلم أمير المؤمنين أنها بنت كبير الحي. ثم قالت: وأنت من أي راعي الخيل؟ فقال: من أعلاها شجرة وأينعها ثمرة.
فقبلت الأرض وقالت: أيد الله أمير المؤمنين ودعت له ثم انصرفت مع بنات العرب.
فقال الخليفة لجعفر: لا بد من أخذها فتوجه جعفر إلى أبيها، وقال له: أمير المؤمنين يريد بنتك.
فقال: حباً وكرامة، تهدى جارية إلى أمير المؤمنين مولانا.
ثم جهزها وحملها إليه فتزوجها ودخل بها فكانت عنده من أعز نسائه وأعطى والدها ما يستره بين العرب من الأنعام. ثم بعد مدة انتقل والدها بالوفاة إلى رحمة الله تعالى، فورد على الخليفة خبر وفاته فدخل عليها وهو كئيب، فلما شاهدته وعليه الكآبة، نهضت ودخلت إلى حجرتها وقلعت ما عليها من الثياب الفاخرة ولبست ثياب الحزن وقامت النعي له.
فقيل لها: ما سبب هذا؟ فقالت: مات والدي، فمضوا إلى الخليفة فأخبروه فقام وأتى إليها وسألها من أعلمها بهذا الخبر؟ قالت: وجهك يا أمير المؤمنين.
قال: كيف ذلك؟ قالت: منذ أنا عندك ما رأيتك هكذا ولم يكن لي من أخاف عليه إلا والدي لكبره، ويعيش رأسك أنت يا أمير المؤمنين. فترغرغت عيناه بالدموع وعزاها فيه، وقامت مدة، وهي حزينة على والدها ثم لحقت به رحمة الله عليهم أجمعين.
؟
الضيف الطارق ويحكى أن أمير المؤمنين هارون الرشيد أرق ذات ليلة فقام يتمشى في قصره بين المقاصير، فرأى جارية من جواريه نائمة فأعجبته، فداس على رجليها فانتبهت فرأت أمير المؤمنين، فاستحيت منه وقالت: يا أمين الله ما هذا الخبر.
فأجابها بقوله:
قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابته تقول:
بسرور وهناء سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر
فبات عندها إلى الصباح، فسأل أمير المؤمنين من بالباب من الشعراء؟ قيل له: أبو نواس. فمر به فدخل عليه. فقال: هات علي يا أمين الله ما هذا الخبر، فأنشأ يقول:
طال ليلي حين وافاني السهر ... فتفكرت فأحسنت الفكر
قمت أمشي في المجالي ساعة ... ثم أجري في مقاصير الحجر
فإذا وجه جميل مشرقٌ ... زانه الرحمن من بين البشر
فلمست الرجل منها موطئاً ... فدنت مني ومدت للبصر
وأشارت لي بقول مفصحٍ ... يا أمين الله ما هذا الخبر؟
قلت: ضيف طارق في أرضكم ... هل تضيفوه إلى وقت السحر
فأجابت بسرور سيدي ... أخدم الضيف بسمعي والبصر
قال: فتعجب أمير المؤمنين من ذلك وأمر له بصلة.
هارون والجارية السكرى يحكى أن هارون الرشيد هجر جارية له ثم لقيها في بعض الليالي في القصر سكرى تدور في جوانب القصر وعليها مطرف خز، وهي تسحب أذيالها من التيه والعجب، وسقط رداؤها عن منكبيها، والريح أبان نهديها كأنهما رمانتان، ولها ردفان ثقيلان، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين! هجرتني هذه المدة وليس لي علم بملاقاتك فأنظرني إلى غد حتى أتهيأ وآتيك.
فلما أصبح قال للحاجب: لا تدع أحداً يدخل علي إلا فلانة، وانتظرها فلم تجئ فقام ودخل عليها وسألها إنجاز الموعد فقالت: يا أمير المؤمنين، كلام الليل يمحوه النهار. فقام واستدعى من بالباب من الشعراء فدخل عليه أبو نواس والرقاشي وأبو مصعب فقال لهم: هاتوا علي، كلام الليل يمحوه النهار. فقال الرقاشي: أنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أتسلوها، وقلبك مستطار ... وقد منع القرار فلا قرار
وقد تركتك صباً مستهاماً ... فتاة لا تزور ولا تزار
فولت وانثنت تيهاً، وقالت: ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو مصعب: وأنا قائل في ذلك ثلاثة أبيات، وأنشأ يقول:
أما والله لو تجدين وجدي ... لما وسعتك في بغداد دار
أما يكفيك أن العين عبرى ... ومن ذكراك في الأحشاء نار
تبسمت الفتاة بغير ضحك ... كلام الليل يمحوه النهار
وقال أبو نواس: أنا قائل في ذلك أربعة أبيت، وأنشأ يقول:
وخود أقبلت في القصر سكرى ... ولكن زين السكر الوقار
وهز الريح أردافاً ثقالاً ... وغصناً فيه رمانٌ صغار
وقد سقط الردا عن منكبيها ... من التخميش وانحل الإزار
فقلت: الوعد سيدتي، فقالت: كلام الليل يمحوه النهار
فقال الرشيد: قاتلك الله كأنك كنت معنا أو مطلعاً علينا.
ومر لكل بخلعة سنية وخمسة آلاف درهم، ولأبي نواس بعشرة آلاف درهم، انتهى.
الرشيد وجارية الخيزران وذكر الخطيب في بعض مصنفاته أن الرشيد دخل يوماً قبل وقت الظهر، في مقصورة جارية تسمى الخيزران على غفلة منها، فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم ير من جسدها شيئاً، فأعجبه ذلك الفعل واستحسنه، ثم عاد إلى مجلسه وقال: من بالباب من الشعراء؟ قالوا له: أبو نواس وبشار.
فقال: ليحضرا جميعاً.
فأحضرا، فقال الرشيد ليقل كل منكما أبياتاً توافق ما في نفسي، فأنشأ بشار يقول:
تحببتكم والقلب صار إليكمو ... بنفسي ذاك المنزل المتحبب
إذا ذكروا الهجران لا عن ملالةٍ ... وذكراهم، ينمي إلي محبب
وقالوا تجنبنا، ولا قرب بيننا ... فكيف وأنتم حاجتي تتجنبوا
على أنهم أحلى من الشهد عندنا ... وأعذب من ماء الحياة وأطيب
فقال: أحسنت، ولكن ما أصبت ما في نفسي، فقل أنت يا أبا نواس، فجعل يقول:
نضت عنها القميص لصب ماء ... فورد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء، وقد تعرت ... بمعتدلٍ أرق من الهواء
ومدت راحة، كالماء منها ... إلى ماء معد في إناء
فلما أن قضت وطراً وهمت ... على عجل إلى أخذ الرداء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليلٍ ... وظل الماء يقطر فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها ... كأحسن ما يكون من النساء
فقال الرشيد: سيفاً ونطعاً.
فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: أمعنا كنت؟ قال: لا والله ولكن شيء خطر ببالي.
فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه.
؟أجود أخبار النساء
ويحكى أن أمير المؤمنين الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً، فقام من فراشه وتمشى من مقصورة إلى مقصورة، وقلقه زائد ونفسه محصورة، فلما أصبح قال: علي بالأصمعي، فخرج الطواشي إلى البوابين، فقال لهم: يقول لكم أمير المؤمنين أرسلوا أحداً خلف الأصمعي. فلما حضر أعلم الخليفة فأجلسه ورحب به وقال: يا أسمعي أريد منك أن تحدثني بأجود ما سمعت من أخبار النساء وأشعارهن؟ فقال: سمعاً وطاعة: لقد سمعت كثيراً ولم يعجبني سوى ثلاثة أبيات أنشدهن ثلاث بنات.
فقال له: حدثني حديثهن.
فقال: اعلم إذا أمير المؤمنين، أني توجهت سنة إلى البصرة فاشتد لعي الحر فطلبت مقيلاً أقيل فيه فلم أجد، فبنما أنا أتلفت يميناً وشمالاً، إذا أنا بساباط مكنوس مرشوش، وفيه دكة من خشب، وعليها شباك مفتوح تفوح منه رائحة المسك، فدخلت الساباط وجلست على الدكة وأردت الاضطجاع، فسمعت كلاماً عذباً من فم جارية حسناء، وهي تقول: يا أختي! إنا جلسنا يومنا هذا على وجه الصبوح، تعالين نطرح ثلاثمائة دينار وكل منا تقول بيتاً من الشعر، فكل من قاتل البيت الأعذب الأملح كانت الثلاثمائة دينار لها، فقلن: حباً وكرامة، فقالت الكبرى:
عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظً كان أعجبا
فقالت الوسطى:
وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحبا
فقالت الصغرى:
بنفسي وأهلي من أرى كل ليلةٍ ... ضجيعي ورياه من المسك أطيبا
فقلت: إن كان لهذا المقال جمالٌ، فقد تم الأمر على كل حال. فنزلت عن الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه جارية، وهي تقول: اجلس يا شيخ، فطلعت على الدكة ثانياً وجلست، فدفعت إلي ورقة فنظرت خطاً في نهاية الحسن مستقيم الألفات مجوف ألهاآت مدور الواوات مضمونه: نعلم الشيخ، أطال الله بقاءه، أننا ثلاث بنات أخواتٍ جلسنا على وجه الصبوح وطرحنا ثلاثمائة دينار، وشرطنا أن كل من قالت البيت الأعذب الأملح كان لها الثلاثمائة دينار، وقد جعلناك الحكم في ذلك، فاحكم بما تراه والسلام.
فقلت للجارية: علي بدواة وقرطاس.
فغابت قليلاً وخرجت إلي بدواة مفضضة وأقلام مذهبة، فأنشأ أقول:
أحدث عن خود تحدثن مرةً ... حديث امرئ ساس الأمور وجربا
ثلاث كبكرات الصحاري جحافل ... حللن بقلبٍ للمشوق معذبا
خلون وقد نامت عيونٌ كثيرةُ ... من الراقدين المشتهين التغيبا
فبحن بما يخفين من داخل الحشا ... نعم، واتخذن الشعر لهواً وملعبا
فقالت عروبٌ ذات عز غريرة ... وتبسم عن عذب المقالة أنسبا
عجبت له أن زار في النوم مضجعي ... ولو زارني مستيقظاً كان أعجبا
فلما انقضى ما زخرفت وتضاحكت ... تنفست الوسطى، وقالت تطربا
وما زارني في النوم إلا خياله ... فقلت له: أهلاً وسهلاً ومرحبا
وأحسنت الصغرى، وقالت مجيبة ... بلفظ لها قد كان أشهى وأعذبا
بنفسي وأهلي من رأى كل ليلة ... ضجيعي، ورياه من المسك أطيبا
فلما تدبرت الذي قلن وانبرى ... لي الحكم لم أترك لذي اللب معتبا
حكمت لصغراهن في الشعر أنني ... رأيت الذي قالت جميلاً وأصوبا
قال الأصمعي: ثم دفعت الرقعة إلى الجارية، فلما صعدت إلى القصر، فإذا برقص وتصفيق ودنيا دانية وقيامة قائمة، فقلت: ما بقي لي إقامة، فنزلت عن الدكة وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي.
فقلت: ومن أعلمك أنني الأصمعي؟ فقالت: يا شيخ إن خفي علينا اسمك فما خفي علينا نظمك.
فجلست، وإذا بالباب قد فتح وخرجت منه الجارية الأولى وعلى يدها طبق من فاكهة وطبق من حلوى، فتفكهت وتحليت وشكرت صنعها، وأردت الانصراف، وإذا بالجارية تنادي وتقول: اجلس يا أصمعي، فرفعت بصري إليها فنظرت كفاً أحمر في كم أصفر فخلته البدر يشرف من تحت الغمام، ورمت لي صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقالت: هذا صار لي وهو مني لك هبة في نظير حكومتك.
فقال لي أمير المؤمنين: لأي شيء حكمت للصغرى ولم تحكم للكبرى ولا للوسطى؟
فقلت: يا أمير المؤمنين إن بيت الكبرى قالت:
عجبت له أن زار في النوم مضجعي
وهو محمول معلق على شرط قد يقع ولا يقع، وأما الوسطى، فمر بها طيف خيال في النوم فسلمت عليه، وبيت الصغرى ذكرت أنها ضاجعته مضاجعة حقيقية وشمت منه أنفاساً أطيب من المسك وفدته بنفسها وأهلها ولا يفدى بالنفس إلا من هو أعز من النفس.
فقال الخليفة: أحسنت يا أصمعي.
ثم دفع إلي ثلاثمائة دينار فأخذتها وانصرفت فكنت أقول لله درك من شعر أخذت في حكومتي منه ثلاثمائة دينار، وفي حكايته مثلها، والله أعلم.
الأصمعي والجارية ومما حكي عن الأصمعي في نوادره، قال: سهرت ليلة عند الرشيد في الرقة، فقال لي: من معك يا عبد الله يؤنسك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أنيس غير الوحدة.
فأمسك وأقبل في حديثه ما شاء الله، ثم نهض ونهض من بحضرته فلما صرت إلى منزلي، وإذا بخادم الأمير يقرع الباب فخرجت، فإذا ضوء شمع وضجة وغوغاء ومعهم جارية فلما رآني الخادم دنا مني وقبل يدي وقال لي: يقول لك أمير المؤمنين قد أمرنا لك بمن يؤنسك، وهي جارية من خواصه وشيء من المال. فشكرت أمير المؤمنين ودعوت له وتقدم الخادم بإدخال الجارية ومعها من الآلات والخدم والجواري والفرش ما لم أر مثله إلا عند أمير المؤمنين، ثم ودعني الخادم وانصرف. فلما نظرت إلى الجارية رأيتها أحسن الناس وجهاً وأكملهم قداً وشكلاً وظرفاً وأكثرهم مجوناً فداخلني لها هيبة وانقباض.
فقالت: ما هذا الحياء البارد السمج الذي لا وجه له؟ أين ملحك ونوادرك؟ ثم قالت لجارية من الجواري: هات ما عندك، فجاءت بأحسن ما يكون من ألوان الطعام فأكلنا وهي مع ذلك تباسطني وتؤانسني بالحديث والملاعبة، ثم دعت بالشراب فشربت وسقتني، ثم قالت: ما بقي بعد الأكل والشرب إلا النوم والخلوة. فقامت ولبست من الثياب ما أرادت وألبستني ثياباً فاخرة مبيضة وتفرق من كان عندنا، ثم اضطجعت إلى جانبي، فلما جمعنا الفراش أصابني من الحصر وانقطاع الانعاظ ورخاوة الأير ما لم أكن أعهده قبل ذلك فجعلت تقلبه بيدها وتغمزه فلا يزداد إلا إنكماشاً وموتاً فلما أعيتها الحيلة فيه ويئست من قيامه ومضى من الليل أكثره قالت: عظم الله أجرك في أيرك، ثم نهضت ولبست ثياب الحداد ودعت بسفط فأخرجت منه مناديل صغاراً وحنوطاً وقالت: نم عل ظهرك يا بطال، فاستولى علي الخجل حتى إني لم أقدر أخالفها في شيء مما تأمرني به في جميع ما تفعله في فغسلته وحنطته وكفنته بتلك المناديل فلما فرغت همت بجواريها وقامت معهن في بكاء ونحيب ونوحٍ وندب وصراخ بأشد ما يكون وما زلن على ذلك إلى وقت السحر، ثم قالت: ما بقي إلا ما يتولاه الرجال من الصلاة والدفن وولت عني. فقمت وأنا أخزى خلق الله حالاً فلبست ثيابي وصليت الفجر وسرت من وقتي وساعتي إلى الرشيد فأنكر الحاجب حضوري في ذلك الوقت وأعلم الرشيد بي، فأذن لي فدخلت، وهو قاعد في مصلاه، فقال لي: ويحك ما دهاك في هذا الوقت؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، خبري عجيب وأمري غريب، فبالله عليك يا أمير المؤمنين، ألا ما رحمتني وأرحتني من هذا الجارية التي أنفذتها إلي فلا حاجة لي بها.
فقال لي أمير المؤمنين: وما السبب لذلك وما الخبر الذي دهاك وليس لها عندك حين من الزمان.
فشرحت له القصة من أولها إلى آخرها حتى بلغت إلى إقامة الصلاة فاشتد ضحكه حتى أنه كاد يستلقي على قفاه وسمعت الضحك من كل ناحية في الدار من الجواري وغيرهن، ثم قال: نحن إلى هذه أحوج منك إليها وقد كنا غافلين عنها، ثم إنه أمر بحملها إلى داره وعوضني عنها خمسين ألف درهم وترك جميع ما حمل معها في منزلي وخرجت مجردة فحظيت بعد ذلك عند الرشيد حتى إنه لم يتقدم عليها أحد من نظائرها، وسميت من قوتها هذا بالأصمعية إلى أن توفيت رحمة الله عليهم أجمعين.
إبراهيم الموصلي وإبليس وعن أبي إسماعيل إبراهيم الموصلي قال: استأذنت الرشيد أن يهب لي يوماً من الأيام للانفراد بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، فأتيت منزلي وأخذت في إصلاح طعامي وشرابي وما احتجت إليه وأمرت البوابين بإغلاق الأبواب وأن لا يأذنوا لأحد بالدخول علي.
فبينما أنا في مجلسي والحريم قد حففن بي، وإذا بشيخ ذي هيبة وجمال وعليه جبتان قصيرتان وقميص ناعم وعلى رأسه قلنسوة وبيده عكازة مقمعة بفضة وروائح الطيب تفوح منه حتى ملأت الدار والرواق، فداخلني غيظ عظيم لدخوله علي وهممت بطرد البوابين فسلم علي أحسن سلام، فرددت عليه وأمرته بالجلوس، فجلس وأخذ يحدثني بأحاديث العرب وأشعارها حتى ذهب ما بي من الغضب وظننت أن غلماني تحروا مسرتي لإدخال مثله علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام؟ قال: لا حاجة لي فيه.
قلت: فالشراب؟ قال: ذلك إليك.
فشربت رطلاً وسقيته مثله، ثم قال: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغنينا شيئاً فنسمع من صنعتك ما قد فقت به العام والخاص.
فغاظني قوله، ثم سهلت الأمر على نفسي، فأخذت العود وضربت وغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم، فازددت غيظاً فقلت: ما رضي بما فعله في دخوله بغير إذني واقتراحه علي حتى سماني باسمي ولم يجمل مخاطبتي.
ثم قال: هل تزيد نكافئك؟د فترنمت وأخذت العود وغنيت وتحفظت فيما غنيته، قمت به قياماً تاماً لقوله: ونكافئك. فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال لي: أتأذن لي في الغناء؟ فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغني بحضرتي بعد الذي سمعه مني. فأخذ العود وجسه فوالله خلت أن العود ينطق بلسان عربي واندفع يغني هذه الأبيات:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني ... بها كبداً ليست بذات قروح
أباها على الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح
أئن من الشوق الذي في جوانحي ... أنين غصيص بالشراب طريح
قال إبراهيم: فوالله لقد ظننت أن الأبواب والحيطان وكل ما في البيت تجيبه وتغني معه، وبقيت مبهوتاً لا أستطيع الكلام والحركة لما خالط قلبي، ثم اندفع يغني، فقال:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً ... فإني إلى أصواتكن حزين
فعدن ولما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبين
دعون بترداد الهدير كأنما ... شربن الحميا أو بهن جنون
فلم تر عيني مثلهن حمائماً ... بكين ولم تدمع لهن عيون
قال: ثم سكت قليلاً وغنى هذه الأبيات:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد ... فقد زادني مسراك وجداً على وجدي
أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على فنن من غصن بان ومن رند
بكيت كما يبكي الوليد صبابةً ... وأبديت من شكواي ما لم تكن تبدي
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... تمل وأن البعد يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خيرٌ من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
ثم قال: يا إبراهيم هذا الغناء الماخوري خذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك.
فقلت: أعده علي؟ فقال: لست تحتاج إلى إعادة فقد أخذته وفرغت منه.
ثم غاب من بين يدي فارتعبت منه وقمت إلى السيف وجردته ثم غدوت نحو أبواب الحريم فوجدتها مغلقة، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن؟ فقلن: سمعنا غناء أطيب شيء وأحسنه.
فخرجت متحيراً إلى باب الدار فوجدته مغلقاً فسألت البوابين عن الشيخ فقالوا: أي شيخ، فوالله ما دخل إليك اليوم أحد.
فرجعت أتأمل أمره، فإذا هو قد هتف بي من جوانب البيت، وقال: لا بأس عليك يا أبا إسحاق، فإنما هو أبو مرة قد كنت نديمك اليوم، فلا تفزع.
فركبت إلى الرشيد فأخبرته الخبر، فقال: أعد الأصوات التي أخذتها، فأخذت العود وضربت، فإذا هي راسخة في صدري، فطرب الرشيد عليها وجعل يشرب، ولم يكن له همة على الشراب، وقال: كأن الشيخ علم أنك قد أخذت الأصوات وفرغت منها فليته متعنا بنفسه يوماً واحداً كما متعك، ثم أمر لي بصلة فأخذتها وانصرفت، انتهى.
الرشيد وإسماعيل بن صالح وقال الرشيد يوماً للفضل بن يحيى، وهو بالرقة: قد قدم إسماعيل ابن صالح بن علي، وهو صديقك، وأريد أن أراه؟ فقال: إن أخاه عبد الملك في حبسك وقد نهاه أن يجيئك.
قال الرشيد: فإني أتعلل حتى يجيئني عائداً؟ فتعلل، فقال الفضل لإسماعيل: ألا تعود أمير المؤمنين؟ قال: بلى.
فجاءه عائداً فأجلسه، ثم دعا بالغداء، فأكل وأكل إسماعيل بين يديه، فقال له الرشيد: كأني قد نشطت برؤيتك إلى شرب قدح، فشرب وسقاه، ثم أمر فأخرج جوار يغنين وضربت ستارة وأمر بسقيه، فلما شرب أخذ الرشيد العود من يد جارية ووضعه في حجر إسماعيل وجعل في عنقه سبحة، وفيها عشرة حبات من در شراؤها بثلاثين ألف دينار، وقال: عن يا إسماعيل، وكفر عن يمينك بثمن هذه السبحة، فاندفع يغني شعر الوليد بن يزيد في غالية أخت عمر بن عبد العزيز، وكانت تحته، وهي التي ينسب إليها سوق الغالية، فقال:
فأقسم ما أدنيت كفي لريبة ... ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصري لها ... ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
وأعلم أني لم تصبني مصيبةٌ ... من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
فسمع الرشيد أحسن غناء من أحسن صوت. فقال: الرمح يا غلام.
فجيء بالرمح، فعقد له لواء على إمارة مصر.
قال إسماعيل: فوليتها سنتين فأوسعتها عدلاً. وانصرفت بخمسمائة ألف دينار، وبلغ أخاه عبد الملك ولايته، فقال: غني والله الخبيث لهم، ليس هو بصالح، انتهى.
أعرابي يزاحم الرشيد يروى أنه لما دخل هارون الرشيد إلى مكة، شرفها الله تعالى، وابتدأ بالطواف ومنع الخاص والعام من ذلك لينفرد بالطواف. فسبقه أعرابي، فشق ذلك على الرشيد فإلتفت إلى حاجبه منكراً عليه، فقال الحاجب للأعرابي: تخل عن الطواف حتى يطوف أمير المؤمنين.
فقال الأعرابي: إن الله قد ساوى بين الإمام والرعية في هذا المقام، فقال عز وجل: " سواء العاكف فيه والباد ونم يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم " .
فلما سمع الرشيد من الأعرابي ذلك راعه أمره فأمر حاجبة بالكف عنه، ثم جاء الرشيد إلى الحجر الأسود ليستلمه فسبقه الأعرابي فاستلمه، ثم أتى الرشيد إلى المقام للمصلي فسقه الأعرابي فصلى فيه، فلما فرغ الرشيد من صلاته قال: لحاجبه: ائتني بهذا الأعرابي، فأتاه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين.
فقال: ما لي إليه من حاجة إن كان له حاجة فهو أحق بالقيام إلي والسعي.
فقام الرشيد حتى وقف بإزاء الأعرابي وسلم عليه، فرد عليه السلام، فقال له الرشيد: يا أخا العرب إجلس هنا بأمرك.
فقال الأعرابي: ليس البيت بيتي ولا الحرم حرمي وكلنا فيه سواء.
فإن شئت تجلس، وإن شئت تنصرف.
قال الراوي: فعظم ذلك على الرشيد وسمع ما لم يكن في ذهنه، وما ظن أنه يواجهه أ؛د بمثل هذا الكلام. فجلس الرشيد وقال: يا أعرابي، أريد أن أسألك عن فرضك، فإن أنت قمت به فأنت بغيره أقوم، وإن أنت عجزت عنه فأنت عن غيره أعجز.
فقال الأعرابي: سؤالك هذا سؤال تعلم أم سؤال تعنت؟ فتعجب الرشيد من سرعة جوابه وقال: بل سؤال تعلم.
فقال له الأعرابي: قم فاجلس مقام السائل من المسؤول.
قال: فقام الرشيد وجثا على ركبتيه بين يدي الأعرابي، فقال: قد جلست فاسأل عما بدا لك.
فقال له: أخبرني عما افترض الله عليك؟ فقال له: تسألني عن أي فرض عن فرض واحد، أم عن خمسة، أن عن سبعة عشر، أم عن أربعة وثلاثين، أم عن خمسة وثمانين، أم عن واحدة في طول العمر، أم عن واحدة في أربعين، أم عن خمسة من مائتين.
قال: فضحك الرشيد حتى استلقى على قفاه استهزاء به، ثم قال: له: سألتك عن فرضك فأتيتني بحساب الدهر؟ قال: يا هارون لولا أن الدين بالحساب لما أخذ الله الخلائق بالحساب يوم القيامة، فقال تعالى: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين " .
قال: فظهر الغضب في وجه الرشيد واحمرت عيناه حين قال: يا هارون، ولم يقل له: يا أمير المؤمنين، وبلغ مبلغاً شديداً غير أن الله تعالى عصمه منه وحال بينه وبينه لما علم أنه هو الذي أنطق الأعرابي بذلك، فقال له الرشيد: يا أعرابي، إن فسرت ما قلت نجوت وإلا أمرت بضرب عنقك بين الصفا والمروة.
فقال له الحاجب: يا أمير المؤمنين اعف عنه وهبه لله تعالى ولهذا المقام الشريف؟ قال: فضحك الأعرابي من قولهما حتى استلقى على قفاه، فقال: مم تضحك؟ قال: عجباً منكما إذ لا أدري أيكما أجهل الذي يستوهب أجلاً قد حضر أم من يستعجل أجلاً لم يحضر؟
قال: هاك الرشيد ما سمعه منه وهانت نفسه عليه، ثم قال: الأعرابي: أما سؤالك عما افترض الله علي، فقد افترض علي فرائض كثيرة، فقولي لك عن فرض واحد: فهو دين الإسلام، وأما قولي لك عن خمسة: فهي الصلوات؛ وأما قولي لك عن سبعة عشرة: فهي سبعة عشرة ركعة؛ وأما قولي لك عن أربعة وثلاثين: فهي السجدات؛ وما قولي لك عن خمسة وثمانين: فهي التكبيرات؛ وأما قولي لك عن واحدة في طول العمر: فهي حجة الإسلام واحدة في طول العمر كله، وأما قولي لك واحدة في أربعين: فهي زكاة الشياه، شاة من أربعين، وأما قولي لك خمس من مائتين: فهي زكاة الورق.
قال: فامتلأ الرشيد فرحاً وسروراً من تفسير هذه المسائل، ومن حسن كلام الأعرابي وعظم الأعرابي في عينه وتبدل بغضه محبة، ثم قال: الأعرابي: سألتني فأجبتك وأنا أريد أن أسألك فأجبني.
قال: قل.
فقال الأعرابي: ما تقول في رجل نظر إلى امرأة في وقت صلاة الفجر فكانت عليه محرمة، فلما كان وقت الظهر حلت له، فلما كان في وقت العصر حرمت عليه، فلما كان وقت المغرب حلت له، فلما كان وقت العشاء حرمت عليه، فلما كان وقت الصبح حلت له، فلما كان وقت الظهر حرمت عليه، فلا كان وقت العصر حلت له، فلما كان وقت المغرب حرمت عليه، فلما كان وقت العشاء حلت له.
فقال: والله يا أخا العرب لقد أوقعتني في بحر لا يخلصني منه غيرك.
فقال له: أنت خليفة ليس فوقك شيء ولا ينبغي أن تعجز عن مسألة فكيف عجزت عن مسألتي وأنا رجل بدوي لا قدرة لي؟ فقال الرشيد: قد عظم قدرك العلم ورفع ذكرك فأشتهي إكراماً لي، ولهذا المقام تفسير ذلك.
فقال: حباً وكرامة ولكن على شرط أن تجبر الكسير وترحم الفقير ولا تزدري الحقير.
فقال: حباً وكرامة، ثم قال: إن قولي لك عن رجل نظر إلى امرأة وقت صلاة الفجر فكانت عليه حراماً فهو رجل نظر إلى أمة غيره وقت الفجر فهي حرام عليه، فلما كان وقت الظهر اشتراها فحلت له، فلما كان وقت العصر أعتقها، فحرمت عليه، فلما كان وقت المغرب تزوجها فحلت له، فلما كان وقت العشاء طلقها فحرمت عليه، فلما كان وقت الفجر رجعها فحلت له، فلما كان وقت الظهر ظاهر منها فحرمت عليه، فلما كان وقت العصر أعتق عنها، فحلت له، فلما كان وقت المغرب ارتد عن الإسلام فحرمت عليه. فلما كان وقت العشاء تاب ورجع إلى الإسلام فحلت له.
قال: فاغتبط الرشيد وفرح به واشتد إعجابه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم، فلما حضرت قال: لا حاجة لي بها ردها إلى أصحابها.
فقال له: أريد أن أجري لك جراية تكفيك مدة حياتك؟ قال: الذي أجرى عليك يجري علي.
قال: فإن كان عليك دين قضيناه عنك؟ قال: لا، ولم يقبل منه شيئاً، ثم أنشد يقول:
هب الدنيا توافينا سنينا ... فتكدر ساعة وتلذ حينا
فما أبغي لشيء ليس يبقى ... وأتركه غداً للوارثينا
كأني بالتراب علي يحثى ... وبالإخوان حولي نادبينا
ويوم تزفر النيران فيه ... وتقسم جهرةً للسامعينا
وعزة خالقي وجلال ربي ... لأنتقمن منهم أجمعينا
وقد شاب الصغير بغير ذنبٍ ... فكيف يكون حال المجرمينا
فلما فرغ من إنشاده تأوه الرشيد وسأله عن أهله وبلاده، فأخبره أنه موسى الرضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وكان يتزيا بزي أعرابي زهداً في الدنيا وتباعداً عنها، فقام إليه الرشيد وقبل ما بين عينيه، ثم قرأ " الله أعلم حيث يجعل رسالته " ، وانصرف رحمة الله عليهم أجمعين.
الحسين الخليع والجارية العاشقة قال السجستاني: أرق الرشيد ليلة، فوجه إلى الأصمعي وإلى حسين الخليع فأحضرهما وقال: عللاني وابدأ أنت يا حسين.
فقال حسين: نعم يا أمير المؤمنين؟ خرجت في بعض السنين منحدراً إلى البصرة ممتدحاً محمد بن سليمان الزينبي بقصيدتي، فقبلها وأمرني بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المبربد وجعلت المهالبة طريقي فأصابني حر شديد فدنوت من باب دار كبيرة لأستسقي، فإذا أنا بجارية كأنها قضيب ينثني،واسعة العينين، زجاء الحاجبين، مفتوحة الجبين، عليها قميص جلناري ورداء عدني قد غلب شدة بياض بدنها على حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين وبطن كطي القباطي، وعكن كالقراطيس، لها جمة جعدة بالمسك محشوة، وهي يا أمير المؤمنين متقلدة خرزاً من الذهب والجوهر، يزهو بين نهديها وعلى صحن جبنها طرة كالسبج وحاجبان مقرونان وعينان نجلاوان وخدان أسيلان وأنف أقنى تحته ثغر كاللؤلؤ، وأسنان كالدر، وقد غلب عليها الطيب، وهي والهة حيرى ذاهبة في الدهليز ورائحة تخطر على أكباد محييها في مشيتها، وقد خالط أصوات نعلها خلاخلها، فهي كما قال الشاعر فيها:
كل جزء منم محاسنه ... كائن من حسنها مثلا
فهبتها يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدهليز والدار والشارع قد عبق بالمسك، فسلمت عليها فردت بلسان منكسر وقلب حزين حريق مسعر. فقلت لها: يا سيدتي، إني شيخ غريب أصابني عطش، أفتأمرين بشربة من ماء تؤجرين عليها؟ قالت: إليك عني يا شيخ، فإني مشغولة عن الماء وادخار الزاد.
قلت: لأي علة يا سيدتي؟ قالت: لأني عاشقة لمن لا ينصفني، وأريد من لا يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء.
قلت: وهل يا سيدتي على بسيطة الأرض من تريدينه ولا يريدك؟ قالت: نعم، وذلك لفضل ما ركب فيه من الجمال والكمال والدلال.
قلت: وما وقوفك في هذا الدهليز؟ قالت: ههنا طريقه وهذا أوان اجتيازه.
فقلت لها: يا سيدتي، فهل اجتمعتما في وقت من الأوقات ووجد حديث في هذا القرب؟ فتنفست الصعداء وأرخت دموعها على خدها كطل سقط على ورد، ثم أنشدت تقول:
وكنا كغصني بانة فوق روضة ... نشم جني اللذات في عيشة رغد
فأفرد هذا الغصن من ذاك قطع ... فيا من رأى فرداً يحن إلى فرد
قلت: يا هذه، فما بلغ من عشقك لهذا الفتى؟ قالت: أرى الشمس على حائطهم أحسب أنها هو، وربما أراه بغتة فأبهت ويهرب الدم والروح من جسدي وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل.
فقلت لها: فاعذريني، فأنت على ما بك من الصبا وشغل البال بالهوى ونحول الجسم وضعف القوى أرى بك من اللون ورقة البشرة فكيف لو لم يمسك الهوى لكنت مفتنةً في أرض بصرة.
قالت: والله قبل محبتي هذا الغلام كنت تحفة الدلال والجمال والكمال، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة حتى فتنني هذا الغلام.
قلت: يا هذه، فما الذي فرق بينكما؟ قالت: نوائب الدهر ولحديثي وحديثه شأن من الشؤون، وذلك أني كنت قعدت في ويم نيروز، ودعوت عدة من مستظرفات البصرة من النساء الجميلات وكانت فيهن الحوراء جارية شيرا، وكان شراؤها عليه من عمان بثمانية آلاف درهم، وكانت بي والعة، فلما دخلت رمت بنفسها علي تقطعني قرصاً وعضاً، ثم خلونا نتمرن القهوة إلى أن يدرك طعامنا ويجتمع من دعونا وكانت تلاعبني وألاعبها، فتارة أنا فوقها، وتارة هي فوقي، فحملها السكر إلى أن ضربت يدها إلى تكتي فحلتها من غير زيبةٍ كانت بيننا، وأنزلت سراويل ملاعبة، فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا حبيبي فرأى ذلك فاشمأز لذلك وصدف عني صدوف المهرة العربية إذا سمعت صلاصل لجامها، فولى خارجاً، فأنا يا شيخ منذ ثلاث سنين أسأل الاجتماع به فلا ينظر إلي بطرف ولا يكتب لي بحرف ولا يكلم لي رسولاً ولا يسمع مني قيلاً.
فقلت لها: يا هذه، من العرب هو أم من العجم؟ فقالت: ويحك هو من جملة ملوك البصرة.
فقلت لها: شيخ هو أم شاب؟ فنظرت إلي شزراً وقالت: إنك أحمق، هو مثل القمر ليلة البدر، أجرد أمرد له طرة كحلك الغراب لا يعيبه شيء غير انحرافه عني.
قلت لها: ما اسمه؟ قالت: ماذا تصنع به؟ أجتهد في لقائه فأتعرف الفضل بينكما.
قالت: على شرط أن تحمل إليه رقعة.
قلت: لا أكره ذلك.
فقالت: اسمه ضمرة بن المغيرة ويكنى بأبي السخاء، وقصره بالمربد.
ثم صاحت في الدار: يا جواري، الدواة والقرطاس، وشمرت عن ساعدين كأنهما طوقان من فضة، وكتبت بعد البسملة: سدي ترك الدعاء في صدر رقعتي ينبئ عن تقصيري، ودعائي، إن دعوته، هجنة ورعونة، ولولا أن بلوغ المجهود يخرج من حد التقصير لكان لما تكلفته خادمتك من كتابة هذه الرقعة معنى مع يأسها منك لعلمها تركك الجواب.
سيدي، جد بنظرة وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز تحيي بها نفساً ميتة، واخطط بخط يدك، بسطها الله بكل فضيلة، رقعة واجعلها عوضاً عن تلك الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنت ذاكر لها.
سيدي، ألست لك محبة مدنفةٌ؟ فإن رجعت إلى الآيسة كنت لك شاكرة وبعد خادمة. والسلام.
فتناولت الكتاب وخرجت فأصبحت غدوة إلى باب محمد بن سليمان فوجدت مجلساً محتفلاً بالملوك ورأيت غلاماً زان المجلس وفاق على من فيه جمالاً وبهجة، قد رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه فإذا هو ضمرة بن المغيرة، فقلت في نفسي: يا لحقيقة حل بالمسكينة ما حل بها. ثم قمت وقصدت المربد ووقفت على باب داره، فإذا هو قد ورد في موكب فوثبت الهي وبالغت في الدعاء له وناولته الرقعة، فلما قرأها وفهم معناها قال لي: يا شيخ! قد استبدلنا بها، فهل لك أن تنظر إلى البديل؟ قلت: نعم.
فصاح في الدار أخرجوا الربداء، فإذا أنا بجارية خابوطية الكمين، ناهدة الثديين تمشي مشية مستوحل من غير وحل، فناولها الرقعة، وقال: أجيبي عنها، فلما قرأتها اصفرت وعرفت وقالت: يا شيخ أستغفر الله مما جئت به.
فخرجت يا أمير المؤمنين وأنا أجر رجلي حتى أتيتها واستأذنت عليها فقالت: ما وراءك؟ فقلت: البؤس واليأس.
فقالت: ما عليك منه، فأين الله والقدر؟ ثم أمرت لي بخمسمائة دينار ثم جزت بعد أيام ببابها فوجدت غلماناً وفرساناً فدخلت فإذا أصحاب ضمرة يسألونها الرجوع إليه؟ فقالت: لا والله لا نظرت له وجهاً، فسجدت لله يا أمير المؤمنين، شماتةً بضمرة ونفرته من الجارية، فأوردت علي منه رقعة فإذا فيها، بعد التسمية، سيدتي، لولا إبقائي عليك، أدام الله حياتك، لوصفت شطراً من غدرك شطر غبني عليك، وسلكت ظلامتي فيك، إذ كنت الجانية، على نفسك ونفسي والمظهرة لسوء العهد وقلة الوفاء والمؤثرة علينا غيرنا، فخالفت هواي، والله المستعان، على ما كان من سوء اختيارك والسلام.
وأوقفتني على ما حمله إليها من الهدايا والتحف العظيمة فإذا هو بمقدار ثلاثين ألف دينار ثم رأيتها بعد ذلك، وقد تزوج بها ضمرة.
جميل والفتى العذري وحبيبته وحكى مسرور الخادم قال: أرق الرشيد أرقاً شديداً ليلة من الليالي، فقال: يا مسرور من على الباب من الشعراء؟ فخرجت إلى الدهليز فوجدت جميل بن معمر العذري فقلت: أجب أمير المؤمنين فقال: سمعناً وطاعة. فدخلت ودخل معي إلى أن صار بين يدي هارون الرشيد فسلم بسلام الخلافة، فرد عليه وأمره بالجلوس، فقال له الرشيد: يا جميل، أعندك شيء من الأحاديث العجيبة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أيما أحب إليك، ما عاينته ورأيته أو ما سمعته ووعيته؟ فقال: بل حدثني عما عاينته ورأيته.
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أقبل علي بكلك واصغ إلي بأذنك قال: فقعد الرشيد إلى مخدة من الديباج الأحمر المزركش بالذهب، محشوة بريش النعام، فجعلها تحت فخذه ثم مكن منها مرفقيه، وقال: هلم بحديثك.
فقال: اعلم يا أمير المؤمنين، أني كنت مفتوناً بفتاة محباً لها، وكنت آلفها إذ هي سؤلي وبغيتي من الدنيا، وإن أهلها رحلوا بها لقلة المرعى، فأقمت مدة لا أراها، ثم إن الشوق أقلقني وجذبني إليها، فراودتني نفسي بالمسير إليها فلما كانت ذات ليلة من الليالي، هزني الوجد إليها، فقمت وشددت رحلي على ناقتي واعتممت بعمتي ولبست أطماري وتقلدت بسيفي وتنكبت حجفتي، وركبت ناقتي وخرجت طالباً لها، وكنت أجد في السير، فسرت وكانت ليلة مظلمة مدلهمة، وأنا مع ذلك أكابد هبوط الأودية وصعود لجبال، أسمع زئير الأسد وعواء الذئاب، وأصوات الوحوش من كل جانب، وقد ذهل عقلي وطاش لبي، ولساني لا يفتر عن ذكر الله تعالى.
فبينما أنا أسير كذلك إذ غلبني النوم فأخذت بي الناقة على غير الطريق التي كنت فيها، وزاد علي النوم، وإذا أنا بشيء لطمني في رأسي فانتبهت فزعاً مرعوباً، وإذا بأشجار وأنهار وماء وأطيار على تلك الأغصان تترنم بلغاتها وألحانها، وشجار ذاك المرج مشتبكة بعضها ببعض، فنزلت عن ناقتي وأخذت زمامها بيدي، ولم أزل أتلطف بها إلى أن خرجت بها من تلك الأشجار إلى أرض فلاة، فأصلحت كورها، واستويت راكباً على ظهرها، ولا أدري إلى أين أذهب ولا إلى ما تسوقني الأقدار؟ فمددت نظري في تلك البرية، فلاحت لي نار في صدرها فوكزت ناقتي وسرت طالباً إلى أن وصلت إلى تلك النار، فقربت نفسي منها وتأملت وإذا بخباء مضروب ورمح مركوز، وراية قائمة وخيل واقفة، وإبل سائمة، فقلت في نفسي: يوشك أن يكون لهذا الخباء شأن عظيم، فإني لا أرى في هذه البرية سواه، ثم تقدمت خلف الخباء وقلت: السلام عليكم يا أهل الخباء ورحمة الله وبركاته.
فخرج إلي من الخباء غلام من أبناء تسعة عشر، كأنه البدر إذا أشرق، والشجاعة لائحة بين عينيه، فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا أخا العرب، إني أظنك ضالاً عن الطريق؟ فقلت: الأمر كذلك، أرشدني يرحمك الله تعالى.
فقال: يا أخا العرب إن أرضنا هذه مسبعةٌ، وهذه الليلة مظلمة وحشة شديدة الظلمة والبرد ولا آمن عليك من الوحش أن يفترسك، فانزل عندي على الرحب والسعة، فإذا كان الغد أرشدتك إلى الطريق.
قال: فنزلت عن ناقتي وعقلتها بفاضل زمامها ونزعت ما كان علي من أطمار، وجلست ساعة، وإذا بالشاب قد عمد إلى شاة فذبحها وإلى نار فأضرمها وأججها ثم دخل الخباء وأخرج أزاراً ناعمة ولحماً مطيباً وأقبل يقطع من اللحم ويشوي على النار ويطعمني ويتنهد تارة، ويبكي تارة أخرى، ثم شهق شهقة عظيمة وبكى بكاء شديداً وأنشد يقول:
لم يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت
لم يبق في أعضائه مفصل ... إلا وفيه سقم ثابت
فدمعه جار وأحشاؤه ... توقد، إلا أنه ساكت
تبكي له أعداؤه رحمةً ... يا ويح من يرثي له الشامت
قال جميل: فعند ذلك يا أمير المؤمنين علمت أن الغلام عاشق ولهان، ولا يعرف الهوى إلا من ذاق طعم الهوى، فقلت في نفس: أنا في منزل الرجل وأتهجم عليه في السؤال؟ فردعت نفسي وأكلت من ذلك اللحم بحسب الكفاية، فلما فرغت من الأكل قام الشاب ودخل الخباء وأخرج طشتاً نظيفاً وإبريقاً حسناً ومنديلاً من الحرير أطرافه مزركشة بالذهب الأحمر وقمقماً مملوءاً من الماورد الممسك. فتعجبت من ظرفه ورقة حاشيته، وقلت في نفسي: ما أغرب الظرف في البادية. ثم غسلنا أيدينا وتحدثنا ساعة ثم إنه قام ودخل الخباء وقطع بيني وبينه بمقطع من الديباج الأحمر، ثم خرج وقال: ادخل يا وجه العرب وخذ مضجعك فقد لحقك في هذه الليلة تعب وفي سفرك هذا نصب مفرط.
قال جميل: فدخلت فإذا أنا بفراش من الديباج الأخضر، فعند ذلك نزعت ما كان علي من الثياب ونمت بليلة لم أنم عمري مثلها، فلم أزل كذلك، وأنا متفكر في أمر هذا الشاب إلى أن جن الليل ونامت العيون، فلم شعر إلا بحس خفي لم أسمع ألطف منه ولا أرق حاشية، فرفعت سجاف المضرب، ونظرت فإذا أنا بصبية لم أر أحسن منها وجهاً وهي إلى جانبه، وهما يبكيان ويتشاكيان ألم الهوى والصبابة والجوى وشدة اشتياقهما إلى التلاقي، فقلت: يا الله؛ العجب من هذا الشخص الثاني، وهذا بيت فرد فإني لم أر فيه غير هذا الفتى، وليس حوله أحد، ثم قلت في نفسي: لا شك أن هذه الجارية من بنات الجن تهوى هذا الغلام، وقد تفرد بها في هذا المكان وتفردت به، فحققتها فإذا هي أنسية عربية إذا رمقت تخجل الشمس المضيئة، وقد أضاء الخباء من نور وجهها، فلما تحققت أنها محبوبته غلبتني الغيرة على الحب، فأرخيت الستر وغطيت وجهي ونمت، فلما أصبحت لبست ثيابي، وتوضأت لصلاتي، وصليت ما كان علي من الفرض، ثم قلت له: يا أخا العرب، هل لك أن ترشدني إلى الطريق، فقد تفضلت علي.
فنظر إلي وقال: على رسلك يا وجه العرب، الضيافة ثلاثة أيام وما كنت بالذي يدعك إلى لثلاثة أيام.
قال جميل: فأقمت عنده ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الرابع جلسنا للحديث فحادثته وسألته عن اسمه ونسبه فقال: أما نسبي فأنا من بني عذرة، وأنا فلان بن فلان وعمي فلان، فإذا هو ابن عمي، يا أمير المؤمنين، وهو من أشرف بيت في بني عذرة، قال: فقلت: يا ابن العم، ما حملك على ما أراه منك من الانفراد في هذه البرية، وكيف تركت عبيدك وإماءك وانفردت بنفسك في هذا المكان؟ فلما سمع يا أمير المؤمنين كلامي، ترغرغت عيناه بالدمع ثم قال: يا بن العم إنني كنت محباً لابنة عمي، مفتوناً بها هائماً بحبها مجنوناً عليها لا أطيق الفراق عنها، فزاد عشقي لها، فخطبتها من عمي، فأبى أن يزوجنيها وزوجها من رجل من بني عذرة ودخل بها وأخذها إلى المحلة التي هو فيها من العام الأول، فلما بعدت عني وحجبت عن النظر إليها حملتني لوعات الهوى وشدة الشوق والجوى على تركي أهلي ومفارقتي عشيرتي وخلاني وجميع أمتعتي، وانفردت بهذا البيت في هذه البرية وألفت وحدتي.
فقلت: وين أبياتهم؟ قال: هم قريب في ذروة هذا الجبل، وفي كل ليلة عند نوم العيون وهدو من الليل تنسل من الحي سراً بحيث لا يشعر بها أحد فأقضي منها بالحديث وطراً وتقضي هي كذلك، وها أنا مقيم كذلك على هذا الحال أتسلى بها ساعة من الليل ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، أو يأتيني الأمر على رغم الحاسدين، أو يحكم الله لي، وهو خير الحاكمين.
قال جميل: فلما حدثني الغلام يا أمير المؤمنين، غمني أمره وصرت من ذلك في حيرة لما أصابني عليه من الغيرة، فقلت له: يا ابن العم، هل لك أن أدلك على حيلة أشير بها عليك، وفيها إن شاء الله عين الصلاح وسبيل الرشد والنجاح، وبها يفرج الله عليك الذي تخشاه.
فقال لي: قل يا ابن العم.
فقلت له: إذا كان الليل وجاءت الجارية فاطرحها على ناقتي، فنها سريعة الرواح، واركب أنت جوادك، وأنا أركب بعض هذه النوق وأسير بكم الليلة جميعها. فما يصبح الصباح إلا وقد قطعت بكم براري وقفاراً وتكن قد بلغت مرادك وظفرت بمحبوبة قلبك، وأرض الله واسعة فضاؤها، وأنا والله مساعدك ما حييت بروحي ومالي وسيفي.
فلما سمع ذلك قال لي: يا ابن العم، حتى أشاورها في ذلك، فإنها عاقلة لبيبة بصيرة بالأمور.
قال جميل: فلما جن الليل وحان وقت مجيئها وهو منتظر الوقت لمعلوم فأبطأت عن عادتها فرأيت الفتى، وقد خرج من باب الخباء وفتح فاه وجعل يتنسم هبوب الريح التي تهب من نحوها وأنشد يقول:
ريح الصبا تهدي إلي نسيماً ... من بلدةٍ فيها الحبيب مقيم
يا ريح فيك من الحبيب علاقةٌ ... أفتعلمين متى يكون قدوم
ثم دخل الخباء وقعد ساعة زمانية، وهو يبكي، ثم قال لي: يا ابن العم، إن لبنت عمي في هذه الليلة نبأ وقد حدث لها حادث وعاقها عني عائق، ثم قال ل: كن مكانك حتى آتيك بالخبر. ثم أخذ سيفه وحجفته ثم غاب عني ساعة من الليل ثم أقبل وعلى يديه شيء يحمله ثم صاح إلي فأسرعت إليه. فقال: أتدري يا ابن المم ما الخبر؟ فقلت: لا والله.
فقال: فجعت في ابنة عمي في هذه الليلة لأنها كانت توجهت إلينا كعادتها إذ عرض لها في طريقها أسد فافترسها ولم يبق منها إلا ما ترى.
ثم إنه طرح ما كان على يده. فإذا هو مشاش الجارية وما فضل من عظامها. ثم بكى بكاء شديداً ورمى الترس من يده وأخذ كساء على يده ثم قال لي: لا تبرح إلى أن آتيك إن شاء الله تعالى.: ثم سار فغاب عني ساعة ثم عاد وبيده رأس الأسد فطرحه عن يده ثم طلب ماء فأتيته به فغسل فم الأسد وجعل يقبله ويبكي ويئن وزاد حزنه عليها وأنشد يقول:
ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هلكت لقد هيجت لي بعدها شجنا
وصيرتني فرداً وقد كنت إلفها ... وصيرت بطن الأرض لي ولها وطنا
أقول لدهر خانني بفراقها ... وغار عليها أن أكن لها حزنا
ثم قال: يا ابن العم، سلتك بالله وبحق القرابة والرحم التي بيني وبينك إلا حفظت وصيتي؟ إنك ستراني الساعة ميتاً بين يديك، فإذا كان كذلك، فغسلني وكفني أنا وهذا الفاضل من مشاش الجارية في هذا الثوب وادفنا في قبر واحد واكتب على قبرنا هذه الأبيات، وأنشد يقول:
كنا على ظهرها، والعيش في رغد ... والشمل مجتمع والدار والوطن
ففرق الدهر والتصريف ألفتنا ... وصار يجمعنا في بطنها الكفن
قال: ثم بكى بكاء شديداً. ثم دخل المضرب وغاب عني ساعة وخرج وجعل يتنهد ويصيح ثم شهق شهقة فارق الدنيا، فلما رأيت ذلك منه عظم علي وكبر عندي حتى كدت ألحق به من شدت حزني عليه، ثم تقدمت إليه وفعلت به ما أمرني من الغسل وكفنتهما جميعاً ودفنتهما في قبر واحد، وأقمت عند قبرهما ثلاث أيام ثم ارتحلت وأقمت سنين أتردد إلى زيارتهما.
وهذا ما كان من حديثهما، يا أمير المؤمنين قال: فلما سمع الرشيد كلامه استحسنه وخلع عليه وأجازه جائزة حسنة، والله أعلم.
إسحاق الموصلي وإبليس قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: بينما أنا ذات يوم في منزلي، وكان زمن الشتاء، وقد انتشرت السحب وتراكمت الأمطار بقطر كأفواه القرب، وامتنع الغادي والمقبل من المسير في الطرقات لما فيها من الأمطار والوحل، وأنا ضيق الصدر إذ لم يأتني أحد من إخواني، ولم أقدر على المسير إليهم من شدة الوحل والطين، فقلت لغلامي: أحضر لي ما أتشاغل به، فأحضر لي طعاماً وشراباً فتنغصت إذ لم يكن معي من يؤانسني، ولم أزل أتطلع من الطاقات وأراقب الطرقات، وأقبل الليل فتذكرت جارية لبعض أولاد المهدي كنت أهواها. وكانت عارفة بالغناء وتحريك الملاهي. فقلت في نفسي: لو كانت الليلة عندنا لتم سروري وطابت ليلتي مما أنا فيه من الفكر والقلق وإذا بداق يدق الباب وهو يقول: أيدخل محبوب على الباب واقف. فقلت في نفسي: لعل غرس التمني أثمر. فقمت إلى الباب، فإذا بصاحبتي وعليها مرط أخضر قد اتشحت به وعلى رأسها وقاية من الديباج تقيها من المطر. وقد غرقت في الطين إلى ركبتيها وابتل ما عليها من المزاريب، وهي في حال عجيب فقلت لها: يا سيدتي، ما الذي أتى بك في مثل هذه الأوحال.
فقالت: قاصدك جاءني ووصف ما عندك من الصبابة والشوق، فلم يسعني إلا الإجابة والإسراع نحوك.
فعجبت من ذلك وكرهت أن أقول لها إني لم أرسل إليك أحداً.
فقلت: أحمد الله على جمع الشمل بعدما قاسيت من ألم الصبر، ولو كنت أبطأت علي ساعة كنت أحق بالسعي إليك، فإني كثير الصبابة نحوك. ثم قلت لغلامي: هات الماء.
فقبل بسخانة فيها ماء حار حتى أصلح لها حالها ثم أمرته أن يصب الماء على رجليها وتوليت غسلهما. ثم دعوت ببذلة من أفخر الملبوس فألبستها إياها بعد أن نزعت ما كان عليها، وجلسنا ثم استدعيت بالطعام فأبت، فقلت: هل لك في الشراب؟ فقالت: نعم.
فتناولت أقداحاً ثم قالت: من يغني لي؟ فقلت لها: أنا يا سيدتي.
فقالت: لا أحب.
فقلت: بعض جواري.
قالت: لا أريد.
فقلت: غني لنفسك.
قالت: ولا أنا.
قلت: فمن يغنيك؟ قالت: إلتمس من يغني لي. فخرجت طاعة لها، إلا أني آيس من أن أجد أحداً في مثل هذا الوقت. فلم أزل حتى بلغت الشارع، فإذا أنا بأعمى يختبط الأرض بعصاً، وهو يقول: لا جزى الله من كنت عندهم خيراً، إن غنيت لم يسمعوا، وإن سكت استخفوا. فقلت: أمغن أنت؟ قال: نعم.
قلت: فهل لك أن تتم ليلتك عندنا وتؤانسنا؟ قال: إن شئت خذ بيدي فأخذت بيده وسرت إلى الدار، وقلت لها: يا سيدتي أتيت بمغن أعمى نلتذ به ولا يرانا.
فقالت: علي به.
فأدخلته وعزمت عليه في الطعام فأكل أكلاً لطيفاً وغسل يده، وقدمت إليه الشراب فشرب ثلاثة أقداح ثم قال لي: من تكون؟ قلت: إسحاق بن إبراهيم الموصلي.
قال: لقد كنت أسمع بك والآن فرحت بمنادمتك.
فقلت: يا سيدي فرحت بمن يسرك.
فقال: عن يا إسحاق.
فأخذت العود على سبيل المجون وقلت: السمع والطاعة، فلما غنيت وانقضى الصوت قال: يا إسحاق، قاربت أن تكون مغنياً، فصغرت علي نفسي وألقيت العود من يدي فقال: ما عندك ممن يحسن الغناء.؟ قلت: عندي جارية.
قال: مرها فلتغن.
قلت: تغني وأنت واثق بغنائها؟ قال: نعم.
فغنت، قال: ما صنعت شيئاً فرمت العود من يدها مغضبة وقالت: الذي عندنا جدنا به فإن كان عندك شيء فتصدق به.
فقال: علي بعود لم تمسه يد.
فأمرت الخادم فجاء بعود جديد، فضرب في طريق لا أعرفها واندفع يغني هذه الأبيات:
سرى يقطع الظلماء والليل عاكف ... حبيب بأوقات الزيارة عارف
وما راعنا إلا السلام وقولها ... أيدخل محبوب على الباب واقف
قال: فنظرت إلي الجارية شزراً، وقالت: سر بيني وبينك ما وسعه صدرك ساعة وأودعته لهذا الرجل.
فحلفت لها ثم اعتذرت إليها وأخذت أقبل يديها وأدغدغ ثدييها وأعض خديها حتى ضحكت، ثم التفتت إلى الأعمى وقالت: عن يا سيدي فأخذ العود، وغنى هذه الأبيات:
ألا ربما زرت الملاح، وربما ... لمست بكفي البنان المخضبا
ودغدغت رمان الصدور ولم أزل ... أعضض تفاح الخدود المكببا
فقلت لها: يا سيدتي، فمن أعلمه بما نحن فيه؟ قالت: صدقت.
ثم تجنبناه فقال: إني لحاقن.
فقلت: يا غلام، خذ الشمعة وامض بين يديه.
فخرج وأبطأ فخرجنا في طلبه فلم نجده، وإذا الأبواب مغلقة والمفاتيح في الخزانة فلا ندري أفي السماء صعد أو في الأرض هبط ثم علمت أنه إبليس، وأنه قاد لي. ثم انصرف. فتذكرت قول أبي نواس حيث قال:
عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر في نيته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قواداً لذريته
إبليس يزور أبا نواس نظير ذلك مما يستظرف لأبي نواس، ما حكي عنه أنه قال: ضجرت من ملازمة أمير المؤمنين هارون الرشيد حتى إني لم أجد فراغاً إلى نفسي، فتوجه أمير المؤمنين إلى الصرح ليبيت فيه ثم يعود. فوجدت لروحي فرصة فدخلت داري وأغلقت بابي وأحضرت شراباً وطلبت نفسي الحلوة، فعند المساء، وإذا بالباب يطرق، فخرجت وإذا أنا بظبي من أولاد الأتراك ما رأت عيني أحسن منه منظراً، فسلم عيل وقال لي: أتقبل ضيفاً؟ قلت: يا سيدي ومن لي بذلك؟ فدخل بيتي فحار عقلي عند دخوله ثم أخرج من تحت ثيابه سلاحية شراب، ونقلاً وشيئاً من الدجاج ثم شرب وغنى شيئاً لم أسمعه من غيره، وقضيت مرادي منه مراراً إلى أن مضى وقت من الليل، وقد هام عقلي من الشراب ومن حسنه ومن تسليم نفسه إلي بغير تقديم عوض، ثم قال: يا سيدي أريد الانصراف.
فقلت له: يا سيدي متى خرجت أنت خرجت روحي من جسدي وكل شيء أملكه بين يديك وأنا أصير عبدك بعد هذا اليوم ولا أفارقك.
قال: أصحيح ما تقول؟ قلت: نعم.
قال: ما أنا محتاج إلى مالك، وإن كنت صادقاً فيما ادعيت من محبتك لي قم واحلق لحيتك وشاربك واقعد مثلي أمرد.
قال: فحكم علي السكر والعشق فما قدرت أن أخالفه فأجبته إلى ذلك علي أن يبيت عندي، فعمد إلى موسى وبل لحيتي وفي الحال أنزلها وبقيت مثله أمرد، ثم صار يضحك علي وقال: يا أبا نواس كيف الشعر الذي ذكرت فيه آدم وإبليس؟ فأنشدته قائلاً:
عجبت من إبليس في كبره ... وخبث ما أضمر في نيته
تاه على آدم في سجدة ... وصار قواداً لذريته
ثم ضحك ضحكاً عالياً وصك على ساحل قفاي صكاً مزعجاً، فاغتظت منه ثم قلت له: ويلك أتفعل بي هكذا. ثم أردت التطلع إليه، فما وجدت أحداً يجيبني فقلت: إنه الملعون إبليس، انتهى.
إبليس والشعراء قال بعضهم:
قد جاءني ليلاً بو مرة ... إبليس يدعوني بلا ترجمان
وقال لي: هل لك في أمرد ... يهز من أعطافه غصن بان
قلت: نعم قال: وفي خمرة ... حبابها يحكى عقود الجمان
قلت: نعم قال: فنم آمناً ... أنت رئيس الفسق هذا الزمان
وقال أبو نواس:
وليلة طال سهادي بها ... فزارني إبليس عند الرقاد
وقال لي: هل لك في قحبة ... لبيبة تطرد عنك الرقاد
قلت: نعم! قال: وفي قهوةٍ ... عتقها الغاصر من عهد عاد
قلت: نعم! قال: وفي مطرب ... إذا شد يطرب منه الجماد
قلت: نعم! قال: وفي شادن ... قد كحلت أجفانه بالسواد
قلت نعم! قال: وفي طفلةٍ ... في وجنتيها للمحب انقياد
قلت نعم! قال: فنم آمناً ... يا كعبة الفسق وركن الفساد
وقال زين الدين عمر بن الوردي معارضاً لذلك:
نمت وإبليس أتى بحيلةٍ منتدبه فقال: ما قولك في حشيشة منتخبه؟ فقلت: لا! قال: ولا خمرة كرم مذهبه؟ فقلت: لا! قال: ولا مليحة مطيبة؟ فقلت لا! قال: ولا أغيد بالبدر اشتبه؟ فقلت: لا! قال: ولا آلة لهو مطربه؟ فقلت: لا! قال: فنم ما أنت إلا حطبه.
الرشيد وأبو نواس وأبو طوق
وحضر أبو نواس عند الرشيد ليلة أنس، وكان أبو طوق حاضراً، وكان أبو نواس مشغوفاً بحسنه وجماله، فلما انقضى المجلس أخذ كل واحد مضجعاً للنوم، فخاف الخليفة من أبي نواس على أبي طوق، فقال الخليفة لأبي طوق: نم أنت على السرير، وقال لأبي نواس: أنام أنا وأنت أسفل السرير.
فقال: سمعاً وطاعةً، وهو بذلك غير راض في نفسه.
وتغافل الخليفة عن أبي نواس وأظهر النوم ثم انتبه فوجد أبا نواس فوق السرير بجنب أبي طوق يضمه ويعانقه، فقال: ما هذا يا أبا نواس؟ فقال:
هزني الشوقمن أجل أبي طوقفتدحرجت منأسفل إلى فوق
فقال له: قاتلك الله، انتهى من حيلة الكميت.
الرشيد والرجل الأموي من غريب ما يحكى، ما حكاه القاضي أبو الحسن التنوخي في كتاب الفرج بعد الشدة: أن منارة وكان صاحب شرطة الرشيد قال رفع إلى هارون الرشيد أن رجلاً بدمشق من بقايا بني أمية عظيم المال كثير الجاه، مطاعاً في البلد، له جماعة وأولاد ومماليك يركبون الخيل ويحملون السلاح ويغزون الروم، وأنه سمح جواد كثير البذل والضيافة، وأنه لا يؤمن منه، فعظم ذلك على الرشيد.
قال منارة: وكان وقوف الرشيد على هذا، وهو بالكوفة في بعض حججه، في سنة ست وثمانين ومائة، وقد عاد من الموسم، وقد بايع للأمين والمأمون والمعتصم أولاده، فدعاني، وهو خال، وقال: إني دعوتك لأمر يهمني، وقد منعني النوم، فانظر كيف يكون؟ ثم قص علي خبر الأموي. وقال: اخرج الساعة فقد أعددت لك الخيول وأزحت علتك في الزاد والنفقة والآلة، وتضم إليك مائة غلام واسلك البرية، وهذا كتابي إلى نائب دمشق، وهذه قيود فابدأ بالرجل، فإن سمع وأجاع فقديه وجئني به، وإن عصى فتوكل عليه أنت ومن معك لئلا يهرب، وانفذ الكتاب إلى أمير دمشق ليكون مساعداً لك، واقبضا عليه وجئني به، وأجلت لذهابك ستاً ولإيابك ستاً ويوماً لمقامك، وهذا محمل تجعله في شقة منه، إذا قيدته، وتقعد أنت في الشقة الأخرى، ولا تكل حفظه إلى غيرك، حتى تأتيني به في اليوم الثالث عشر من خروجك. فإذا دخلت داره فتفقدها وجميع ما فيها من أهله وولده وحاشيته وغلمانه، وقدر نعمته والحال والمحل واحفظ ما يقوله الرجل حرفاً بحرف من ألفاطه منذ يقع طرفك عليه حتى تأتيني به، وإياك أن يشكل عليك شيء من أمره. انطلق.
قال منارة: فودعته وانطلقت وخرجت فركبت الإبل وسرت أطوي المنازل أسير الليل والنهار ولا أنزل إلا للجمع بين الصلاتين والبول وتنفيس النفس قليلاً إلى أن وصلت إلى دمشق في أول الليلة السابعة، وأبواب البلد مغلقة فكرهت طروقها ليلاً فبت بظاهر البلد إلى أن فتح بابها من غد، فدخلت حتى أتيت باب الرجل، وعليها صف عظيم وحاشية كثير، فلم أستأذن ودخلت بغير إذن، فلما رأى القوم ذلك سألوا بعض من معي عني. قال: هذا منارة رسول أمير المؤمنين إلى صاحبكم.
قال: فلما صرت في صحن الدار نزلت ودخلت مجلساً رأيت فيه قوماً جلوساً فظننت أن الرجل فيهم فقاموا ورحبوا بين فقلت: أفيكم فلان؟ قالوا: نحن أولاده وهو في الحمام.
فقلت: استعجلوه.
فمضى بعضهم يستعجله وأنا أتفقد الدار والأحوال والحاشية فوجدتها ماجت بأهلها موجاً كبيراً فلم أزل كذلك حتى خرج الرجل بعد أن طال مكثه واستربت منه واشتد قلقي وخوفي من أن يتوارى إلى أن رأيت شخصاً بزي الحمام يمشي في صحن الدار وحواليه جماعة كهول وأحداث وصبيان، وهم أولاده وغلمانه، فقلت: إنه الرجل، فجاء وجلس وسلم علي سلاماً خفيفاً وسألني عن أمير المؤمنين واستقامة أمر حضرته، فأخبرته بما وجب وما قضى كلامه حتى جاءوا بأطباق فاكهة فقال: تقدم يا منارة وكل معنا.
فقلت: ما لي إلى ذلك من سبيل.
فلم يعاودني فأكل هو ومن معه ثم غسل يديه ودعا بالطعام، فجاءوا إليه بمائدة حسنة لم أر مثلها إلا للخليفة، فقال: يا منارة ساعدنا على الأكل. لا يزيد على أن يدعوني باسمي كما يدعوني الخليفة، فامتنعت عليه، فما عادوني فأكل هو ومن معه، وكانوا تسعة من أولاده، فتأملت أكله في نفسه فوجدته يأكل أكل الملوك ووجدت ذلك الاضطراب الذي كان في داره قد سكن ووجدتهم لا يرفعون شيئاً من بين يديه قد وضع على المائدة لا تهيأ غيره حالاً أعظم وأحسن منه. وقد كان غلمانه أخذوا لما نزلت إلى الدار مالي وغلماني وعدلوا بهم إلى دار أخرى فما أطاقوا ممانعتهم، وبقيت وحدي وليس بين يدي إلا خمس أو ست غلمان وقوف على رأسي فقلت في نفسي: هذا جبار عنيد. فإن امتنع من الشخوص لم أطق إشخاصه بنفسي ولا بمنم معي ولا حفظ إلى أن يلحقني أمير البلد، وجزعت جزعاً شديداً ورابني منه استخفافه وتهاونه بأمري، يدعوني باسمي ولا يفكر في امتناعي من الأكل ولا يسأل عما جئت به ويأكل مطمئناً، وأنا مفكر في ذلك، فلما فرغ من أكله وغسل يديه دعا بالبخور فتبخر وقام إلى الصلاة وصلى الظهر، وأكثر من الدعاء والبتهال، ورأيت صلاته حسنة، فلما انتقل من المحراب أقبل علي وقال: ما أقدمك يا منارة؟ فأخرجت كتاب أمير المؤمنين ودفعته إليه، ففضه وقرأه، فلما استتم قراءته دعا أولاده وحاشيته فاجتمع منهم خلق كثير فلم أشك أنه يريد أن يوقع بي فلما تكاملوا ابتدأ فحلف إيماناً غليظة فيها الطلاق والعتاق والحج والصدقة والوقف أن لا يجتمع اثنان في موضع واحد. وأمرهم أن ينصرفوا ويدخلوا منازلهم، ولا يظهروا إلى أن ينكشف لهم أمر يعتمدون عليه. وقال: هذا كتاب أمير المؤمنين بالمضي إليه، ولست أقيم بعد نظري فيه ساعة واحدة، فاستوصوا بمن ورائي من الحريم خيراً وما لي حاجة أن يصحبني أحد منكم هات قيودك يا منارة.
فدعوت بها وكانت في سفط ومد يده فقيدته وأمرت غلماني بحمله حتى صار في المحمل وركبت في الشق الآخر، وسرت من وقتي ولم ألاق أمير البلد ولا غيره، وسرت بالرجل وليس معه أحد إلى أن صرنا بظاهر دمشق فابتدأ يحدثني بانبساط حتى انتهينا إلى بستان حسن في الغوطة، فقال لي: أترى هذا؟ قلت: نعم.
قال: إنه لي، وقال: إن فيه من غرائب الأشجار كيت وكيت. ثم انتهى إلى آخر، فقال مثل ذلك. ثم انتهى إلى مزارع حسان وقرى، فقال مثل ذلك! هذا لي، فاشتد غيظي منه، وقلت: ألست تعلم أن أمير المؤمنين أهمه أمرك حتى أرسل إليك من انتزعك من بين أهلك ومالك وولدك وأخرجك فريداً مقيداً مغلولاً ما تدري إلى ما تصير إليه أمرك ولا كيف يكون،وأنت فارغ القلب من هذا حتى تصف ضياعك وبساتينك بعد أن جئتك؛ وأنت لا تفكر فيما جئت به، وأنت ساكن القلب قليل التفكر. لقد كنت عندي شيخاً فاضلاً.
فقال لي مجيباً: إنا لله وإنا إليه راجعون. أخطأت فراستي فيك. لقد ظننت أنك رجل كامل العقل وأنك ما حللت من الخلفاء هذا المحل إلا لما عرفوك، فإذا عقلك وكلامك يشبه كلام العوام، والله المستعان. أما قولك في أمير المؤمنين وإزعاجه وإخراجه إياي إلى بابه على صورتي هذه، فإني على ثقة من الله عز وجل الذي بيده ناصية أمير المؤمنين، ولا يملك أمير المؤمنين لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بإذن الله عز وجل، ولا ذنب لي عند أمير المؤمنين أخافه، وبعد فإذا عرف أمير المؤمنين أمري وعرف سلامتي وصلاح ناصيتي سرحني مكرماً، فإن الحسدة والأعداء رموني عنده بما ليس في وتقولوا علي الأقاويل، فإما أن يستحل دمي أو يخرج من إيذائي وإزعاجي ويردني مكرماً، أو يقيمني ببلاده معظماً مبجلاً؟ وإن كان قد سبق في علم الله عز وجل أن هذا يبدو لي منه سوء وقد اقترب أجلي وكان سفك دمي على يده، فلو اجتهدت الملائكة والأنبياء وأهل الأرض والسماء على صرف ذلك عني ما استطاعوا، فلم أتعجل الفكرة فيما فرغ الله منه، وإني أحسن الظن بالله الذي خلق ورزق وأحيا وأمات، وإن الصبر والرضا والتسليم إلى من يملك الدنيا والآخرة أولى، وقد كنت أحسب أنك تعرف هذا فإذن قد عرفت مبلغ فهمك، فإني لا أكلمك بكلمة واحدة حتى يفرق بيننا أمير المؤمنين إن شاء الله تعالى.
ثم أعرض عنين فما سمعت منه لفظة غير القرآن والتسبيح أو طلب ماء أو حاجة حتى شارفنا الكوفة في اليوم الثلاث عشرة بعد الظهر، والنجب قد استقبلتني قبل ستة فراسخ من الكوفة يتجسسون خبري، فحين رأوني رجعوا عني متقدمين بالخبر إلى أمير المؤمنين، فانتهيت إلى الباب في آخر النهار فحططت رحلي، ودخلت على الرشيد وقبلت الأرض بين يديه ووقفت، فقال: هات ما عندك يا منارة وإياك أن تغفل منه عن لفظة واحدة.
فسقت الحديث من أوله إلى آخره حتى انتهيت إلى ذكر الفاكهة والطعام والغسل والبخور وما حدثني به نفسي من امتناعه، والغضب يظهر في وجه أمير المؤمنين ويتزايد حتى انتهيت إلى فراغ الأمور من الصلاة والتفاته إلي وسؤاله عن سبب قدومي ودفعي الكتاب إليه ومبادرته إلى إحضار ولده وأهله وأصحابه، وحلفه عليهم أن لا يتبعه أحد وصرفه إياهم ومد رجليه، فقيدته فما زال وجه الرشيد يسفر، فلما انتهيت إلى ما خاطبني به عند توبيخي له لما ركبنا في المحمل، فقال: صدق واله ما هذا إلا رجل محسود على النعمة، مكذوب عليه، ولعمري، لقد أزعجناه وأذيناه ورعنا أهله فبادر بنزع قيوده وائتني به.
قال: فخرجت فنزعت قيوده وأدخلته إلى الرشيد فما هو إلا أن رآه حتى رأيت ماء الحياء يجول في وجه الرشيد فدنا الأموي وسلم بالخلافة ووقف فرد عليه الرشيد رداً جميلاً وأمره بالجلوس فجلس، وأقبل عليه الرشيد فسأله عن حاله، ثم قال له: بلغنا عنك فضل هيئة وأمور أحببنا معها أن نراك ونسمع كلامك ونحسن إليك، فاذكر حاجتك؟ فأجاب الأموي جواباً جميلاً وشكر ودعا، ثم قال: ليس لي عند أمير المؤمنين إلا حاجة واحدة.
فقال: مقضية، فما هي؟ قال: يا أمير المؤمنين، تردني إلى بلدي وأهلي وولدي.
قال: نفعل ذلك، ولكن سل ما تحتاج إليه من مصالح جاهك ومعاشك فإن مثلك لا يخرج إلا ويحتاج إلى شيء من هذا.
فقال: يا أمير المؤمنين، عمالك منصوفون وقد استغنيت بعدلهم عن مسألتي فأموري مستقيمة وكذلك أهل بلدي بالعدل الشامل في ظل أمير المؤمنين.
فقال الرشيد: انصرف محفوظاً إلى بلدك واكتب إلينا بأمر إن عرض لك.
فودعه الأموي، فلما ولى خارجاً قال الرشيد: يا منارة، احمله من وقتك وسر به راجعاً كما سيرته حتى إذا وصلت إلى مجلسه الذي أخذته منه فودعه وانصرف.
قال منارة: فما زلت معه حتى انتهى إلى محله، ففرح به أهله وأعطاني عطاء جزيلاً وانصرفت، والله أعلم، وهذه الحكاية على سبيل الاختصار.
الرشيد والخليفة الثاني الكاذب حكي أن الخليفة هارون الرشيد قلق في بعض الليالي قلقاً شديداً فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي وقال له: يا وزيري إن صدري ضيق ومرادي الليلة التفرج في شوارع بغداد والنظر في مصالح العباد بشرط أن لا يعرفنا أحد من الناس ونتزيا بزي تجار الأكياس.
فقال له الوزير: السمع والطاعة.
فقاموا في الوقت والساعة وقلعوا ما عليم من ثياب الملك والافتخار ولبسوا ثياب التجار: الخليفة والوزير جعفر ومسرور السياف الأكبر، وتمشوا من مكان إلى مكان حتى وصلوا إلى الدجلة فرأوا بالأمر المقدور شيخاً قاعداً في شختور، فتقدموا إليه وسلموا عليه، وقالوا: يا شيخ، نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا الليلة في مركبك، وخذ هذين الدينارين أجرتك انتفع بهما.
فقال لهم الشيخ: ومن يقدر على الفرجة، والخليفة هارون الرشيد ينزل كل ليلة في حراقة صغيرة إلى الدجلة ومعه مناد ينادي: يا معشر الناس كافة من جيد ورديء شيخ وصبي خاص وعام عبد وغلام، كل من نزل في مركب بالليل وشق الدجلة ضربت عنقه أو يشنق على صاري مركبه، وكأنكم الساعة بالحراقة وهي مقبلة.
فقال له الخليفة هارون الرشيد وجعفر البرمكي: يا شيخ خذ هذين الدينارين وادخل بنا قبواً من هذه الأقبية إلى أن تروح الحراقة.
فقال لهم الشيخ: هاتوا الذهب والله المستعان.
فأخذ الذهب وعوم بهم قليلاً، وإذا بالحراقة قد أقبلت من كبد الدجلة وفيها الشموع والمشاعل فقل لهم الشيخ: أما قلت لكم! يا ستار لا تكشف الأستار؟
فدخل إلى قبو ووضع عليهم مئزراً أسود، وصاروا يتفرجون من تحت المئزر، وإذا بالحراقة قد أقبلت والشمع يوقد فيها، وإذا في مقدم الحراقة مشاعلي بيده مشعل من الذهب الأحمر يوقد فيه بالعود القاقلي وعلى المشاعلي قباء أطلس أحمر بطراز مزركش أصفر وعلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفيه مخلاة من الحرير الأخضر ملأى من العود القاقلي. وهو يوقد به عوض الحطب، ومشاعلي آخر في مؤخر الحراقة مثله، ومائتا مملوك واقفون ميمنة ومسيرة، وكرسي منصوب من الذهب الأحمر وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطرازين من الذهب الأصفر، وبين يديه إنسان كأنه الوزير جعفر. وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور بسيف مشهر، وعشرون نديماً. فقال الخليفة: يا جعفر.
قال: لبيك، أمير المؤمنين.
قال: لعل أن يكون هذا أحد أولادي إما المأمون أو محمد الأمين.
فلما وصلت الحراقة إليهم وإذا بالمشاعلي ينادي: معاشر الناس كافة الخاص والعام، الجيد والرديء والعبد والغلام، جهاوات وغير جهاوات قد رسم خليفتنا هذا أن كل من تفرج في الدجلة أو فتح طاقته حل ماله وضربت رقبته ومن لا يصدق يجرب.
قال: فتأمل الخليفة هارون الرشيد في الشاب وهو جالس على كرسي من الذهب قد كمل بالحسن والجمال والبهاء والكمال فلما تأمله هارون الرشيد التفت إلى الوزير وقال: يا وزير.
قال له: لبيك يا أمير المؤمنين.
قال: والله ما أبقى شيئاً من شكل الخلافة، وهذا الذي بين يديه كأنه أنت يا جعفر لا محالة، والخادم الذي على رأسه كأنه مسرور، هذا، وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي، وقد حار عقلي في هذا الأمر.
فقال له الوزير: وأنا والله يا أمير المؤمنين كذلك.
ثم تقدمت الحراقة إلى أن غابت عن العين فعند ذلك خرج الشيخ بالشختور الذي فيه الجماعة من تحت القبوة. وقال: الحمد لله على السلامة، فإنه لم يصادفنا.
فقال له الخليفة: يا شيخ! وهذا الخليفة ينزل كل ليلة الدجلة؟ قال: نعم يا سيدي، له على هذه الحالة سنة كاملة.
فقال له الخليفة: يا شيخ! نشتهي من فضلك وإحسانك أن تقف لنا ليلة غد في هذه المكان، ونحن نعطيك خمسة دنانير، فإنا قوم غرباء وقصدنا التنزه، ونحن نازلون في الفندق.
فقال الشيخ: السمع والطاعة.
ثم إن الخليفة وجعفراً ومسروراً توجهوا من عند الشيخ المراكبي إلى القصر وقلعوا ما عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك والافتخار، وجلس كل واحد في مرتبته، ودخلت الأمراء والحجاب والنواب. وانعقد المجلس بالناس، ولما انقضى النهار وتفرقت الأجناد قال الخليفة هارون الرشيد لوزيره: يا جعفر! انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني.
فضحك جعفر ومسرور، ولبسوا لبس التجار وخرجوا منشرحي الصدور، وكان خروجهم من باب السر، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الشختور لهم في الانتظار فنزلوا عنده في المركب. فلما استقروا مع الشيخ المراكبي، وإذا بالخليفة الثاني في الحراقة، وقد أقبلت عليهم فتأمولها وإذا فيها مائتا مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية تنادي على عادتهم، فقال الخليفة: يا وزير، هذا شيء لو سمعت به ما صدقت، ولكن رأيت هذا عياناً.
ثم إن الخليفة قال لصاحب الشختور: يا شيخ! هذه عشرة دنانير وسر بنا في مساواتهم، فإنهم في النور ونحن في الظلام ننظرهم ونتفرج عليهم. وهم لا ينظروننا.
فأخذ الشيخ العشرة دنانير وأطلق الشختور في مساواتهم وصار في ظلام الحراقة، ولم يزالوا سائرين في أثرهم إلى آخر البساتين ، وإذا بزريبة بطول الحراقة التصقت عليها، وإذا بغلامين واقفين، ومعهما بغلة مسرجة ملجمة، فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء، وزعقت المشاعلية والجاويشية، واشتالت الغاشية، وطلع هارون الرشيد وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم، فلاحت من المشاعلية لتفاتة فرأوا ثلاثة أنفار لبسهم لبس التجار، وهم غرباً فأنكروهم غمزوا عليهم فمسكوهم وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني، فلما نظرهم قال: كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي جاء بكم في مثل هذا الوقت؟ قالوا: يا مولانا! اليوم كان قدومنا، ونحن قوم غرباء تجار، وخرجنا نتمشى الليلة، وإذا بكم قد أقبلتم وجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين أيديكم، وهذا خبرنا.
فقال لهم الخليفة الثاني: طيبوا قلوبكم، فلا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء، ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم للمخالفة.
ثم التفت إلى وزيره وقال: خذ هؤلاء صحبتك ليكونوا ضيوفنا الليلة.
فقال: سمعاً وطاعة.
ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى قصر عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان، قصر قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب، بابه من خشب الساج، مرصع بالذهب الوهاج، يدخل منه إلى إيوان بفسقية وشاذروان، وحصر عبدانية ومخدات اسكندرانية، وستر مسبول وفرش يذهل العقول، وعلى عتبة الباب مكتوب هذان البيتان:
قصر عليه تحية وسلام ... نشرت عليه جمالها الأيام
فيه العجائب والغرائب نوعت ... فتحيرت في نعتها الأقلام
قال: فدخل الخليفة الثاني إلى القصر، والجماعة في خدمته، إلى أن جلس على كرسي من الذهب مرصع بالدر والجوهر، وعلى الكرسي بشخانة من الحرير الأخضر لا يرى مثلها إلا عند كسرى وقيصر، مزركشة بالذهب الأحمر، معلقة في بكرة من الصندل، رباطاتها من الحرير الأصفر، هذا وقد جلس الندماء في مراتبهم، وصاحب سيف النقمة واقف بين يديه، فمدوا السماط وأكلوا ورفعوا الخوان، ولأيديهم غسلوا، وأحضرت آلة المدام، ووضعت الطاسات والأواني وصففت الأباريق والكاسات والقناني، ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد، فامتنع من الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب.
فقال: يا مولاي له مدة ما شرب.
فقال الشاب: عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك. علي بشراب التفاح! ففي الحال أ؛ضر فقدم بين يدي هارون الرشيد وقال: كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا، ولا يزالون يشربون في انشراح وتعاطي أقداح إلى أن تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم ونفوسهم فقال الرشيد لوزيره: والله يا وزير ما عندنا آنية مثل هذه الآنية، فيا ليت شعري من يكون هذا الشاب.
فبينما هما يتحدثنا بلطافة إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يسار الخليفة، فقال: المسارة عربدة.
فقال الوزير: ما ثم عربدة، إلا أن رفيقي هذا يقول: سافرت غالب البلاد، ونادمت الملوك وعاشرت الأجناد ما رأيت أحسن من هذا النظام ولا مثل آنية هذا المدام، إلا أن أهل بغداد يقولون الشراب بلا سماع من جملة المجون.
فلما سمع الخليفة الثاني هذا الكلام تبسم وانشرح، وكان بيده قضيب، فضرب به على مدورة، وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من العاج مصفحاً بالذهب الوهاج، وخلفه جارية قد كملت بالحسن والجمال والبهاء والكمال، فنصب الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية، وبيدها عود من صنعة الهنود، وشدته وحنت إليه بعد أن ضربت أربعة وعشرين طريقة عليه، فأذهلت العقول وعادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول:
لسان الهوى من مقلتي لك ناطق ... يخبر عني أنني لك عاشق
ولي شاهد من طرف قلبي معذب ... وقلبي جريح من فراقك خافق
وكم أكتم الحب الذي قد أذابني ... وقلبي جريح والدمع سوابق
وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى ... ولكن قضا الرحمن في الخلق سابق
قال: فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق البذلة التي كانت عليه إلى الذيل، فاسبلت عليه البشخانة، وأتي ببذلة غيرها أحسن منها، فلبسها وجلس على عادته، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم حامل كرسياً من الذهب، وخلفه جارية أحسن من الأولى، وجلست على الكرسي وبيدها عود يكمد الحسود، وأنشدت تقول:
كيف اصطباري! ونار العشق في كبيد ... والدمع من مقلتي صوفانه مدد
والله ما طاب لي عيش أسر به ... وكيف يفرح قلب حشوه كمد
قال: فصرخ الشاب صرخة عظيمة، وشق ما عليه إلى الذيل وأسبلت عليه البشخانة على العادة وأتي ببذلة غيرها أحسن منها فلبسها، واستوى جالساً، ودار المدام وانبسط الكلام، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدور ففتح الباب وخرج منه خادم على العادة ومعه كرسي وخلفه جارية، فجلست على الكرسي، ومعها عود يذهل الأسود فغنت، وأنشدت تقول:
اقصروا هجركم وقولا جفاكم ... ففؤادي وحقكم ما سلاكم
وارحموا مدنفاً كئيباً حزيناً ... ذا غرام متيماً في هواكم
قد براه السقام من عظم وجد ... يتمنى من الإله رضاكم
يا بدور محكم في فؤادي ... كيف أختار في الأنام سواكم
قال: فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا عليه البشخانة وأتوا ببذلة غيرها، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح وطاب الانشراح، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة، ففتح باب وخرج منه خادم حامل كرسياً وخلفه جارية فجلست على الكرسي، وأخذت العود وغنت تقول:
هل ينقضي حال التهاجر والقلى ... ويعود لي ما قد تقضى أولا
أيام كنا والديار تلمنا ... في طيب عيش والحواسد غفلا
غدر الزمان بنا وفرق شملنا ... من بعد هاتيك المنازل والحلا
أتروم مني يا عذولي سلوةً ... وأرى فؤادي لا يطيع العذلا
فدع الملام وخلني بصبابتي ... فالقلب من أنس المحبة ما خلا
يا سادة نقضوا العهود وبدلوا ... لا تحسبوا قلبي لبعدكم سلا
قال: فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخةً عظيمة، وشق ما عليه من الثياب، ووقع إلى الأرض مغشياً عليه، وسقط منه القوى والحبل، فأرادوا أن يرخوا عليه البشخانة على العادة، فتعوقت حبالها بالإرادة، فلاحت من هارون الرشيد التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع، فقال الرشيد بعد النظر والتأكد لجعفر: إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح، وما عند أحد منه خبر. هل رأيت ما على جنبيه من الأثر.
وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من غشيته فاستوى جالساً على العادة مع الندماء، فحانت منه التفاتة فوجد جعفراً والخليفة يتحدثان، فقال لهما: ما الخبر يا فتيان؟ فقال جعفر: يا مولاي خير، لا شك ولا خفاء، إن رفيقي هذا من التجار الكبار، وسافر إلى جميع الأمصار، وصحب الملوك والأخبار، قال: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم لم أر أحداً فعل هذا الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة بخمسمائة دينار، وهذا شيء زائد في العيار.
فقال الشاب: يا هذا! المال مالي والقماش قماشي، وهذا من بعض إنعامي على الخدم والحواشي، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء الحضار، وقد رسمت لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا.
فأنشد عند ذلك الوزير جعفر وقال:
بنت المكارم وسط كفك منزلاً ... فجميع مالك للأنام مباح
وإذا المكارم أغلقت أبوابها ... يوماً، فأنت لقفلها مفتاح
قال: فلما سمع الشاب من الوزير جعفر ذلك، رسم له بألف دينار وبذلة، ثم دارت بينهم الأقداح وطاب لهم شراب الراح، فقال الرشيد: يا جعفر، اسأله عن الضرب الذي رأيناه على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه.
فقال الوزير: يا مولاي لا تعجل وترفق بنفسك فالصبر أجمل.
فقال: وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله أخمدت منك الأنفاس.
فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال: مالك مع رفيقك وما الخبر؟ فقال: خير يا مولانا.
فقال: سألتك بالله إلا ما أخبرتني بخبره، ولا تكتم عني شيئاً من أمره.
فقال: يا مولاي! إنه أبصر على جنبيك أثر سياط، فتعجب من ذلك غاية العجب وقال: يا لله العجب! الخليفة يضرب؟ وقصده يعلم ما السبب؟ فلما سمع الشاب هذا الكلام تبسم وقال: اللهم فنعم، واعلموا أن حديثي عجيبٌ وأمري غريبٌ لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، ثم تأوه وأن واشتكى وبكى وأنشد:
حديثي عجيب فاق كل العجائب ... وحق إلهٍ غامر بالمواهب
فإن شئتمو أن تسمعوا إلي فأنصتوا ... فيطرب هذا الجمع من كل جانب
وأصغوا إلى قولي، ففيه إشارة ... وإن كلامي صادق غير كاذب
لأني قتيل من غرام ولوعة ... وقاتلتي فاقت جميع الكواعب
لها مقلة كحلا وخد مورد ... ويقتلني منها قسيُّ الحواجب
وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا ... خليفة هذا الوقت ابن الأطايب
وثانيكمو يدعى الوزير بجعفر ... وفي الحق يدعى صاحباً وابن صاحب
وثالثكم مسرور سيفاف نقمةٍ ... فإن كان هذا القول حقاً بصائب
فقد نلت ما أرجو على كل حالةٍ ... وجاء سرور القلب من كل جانب
قال: فعند ذلك حلف له جعفر أنهم لم يكونوا المذكورين، فضحك الشاب وقال: الذي أعرفكم به أني ما أنا أمير المؤمنين، وإنما سميت نفسي بهذا الاسم لأبلغ ما أريد من أبناء المدينة، واسمي علي بن محمد الجوهري، وإن أبي كان من الأعيان، ومات وخلف لي أموالاً لا تأكلها النيران من ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وياقوت وجوهر وزمرد وبهرمان وحمامات وغيطان وبساتين وفنادق وطواحين وعبيد وجوار وغلمان، فلما كان في بعض الأيام وأنا جالس في حانوتي وحولي الحشم والخمد، وإذا أنا بجارية قد أقبلت على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار، ونزلت على دكاني وجلست وقالت: أنت علي بن محمد الجوهري.
فقلت لها: مملوكك وعبد رقك.
فقالت: هل عندك عقد جوهر يصلح لمثلي؟ فقلت: يا ستي الذي عندي يحضر بين يديك، فإن أعجبك شيء كان بسعد المملوك، وإن لم يعجبك شيء منه فبسوء حظي.
وكان عندي مائة عقد جوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء منها، وقالت: أريد أحسن مما رأيت؛ وكان عندي عقد صغير شراؤه على والدي بمائة ألف دينار لم يوجد مثله عند أحد السلاطين الكبار، فقلت: يا سيدتي بقي عندي عقد الفصوص والجواهر الذي لم يملكه أحد من الأصاغر والأكابر.
فقالت: أرني إياه.
فلما رأته قالت: هذا الذي طول عمري أتمناه. ثم قالت: بكم ثمنه في الأسعار؟ فقلت: شراؤه على والدي بمائة ألف دينار.
فقالت: ولك خمسة آلاف زائدة.
فقلت لها: يا سيدتي العقد وصاحبه في الرق بين يديك، ولا خلاف.
فقالت: لا بد من الفائدة ولك الجميلة الزائدة.
وقامت من وقتها عجلة وركبت البغلة بسرعة، وقالت: يا سيدي نور الدين، باسم الله فلتكن في صحبتنا لتأخذ الثمن، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن.
فقمت وأقفلت الدكان وسرت معهن في أمان إلى أن وصلنا إلى الدار، فوجدتها داراً عليها السعادة لائحة والافتخار وعلى بابها مكتوب بالذهب واللازورد العجيب هذه الأبيات:
ألا يا دار لا يدخلك حزنٌ ... ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار أنت لك ضيفٍ ... إذا ما ضاق بالضيف المكان
فنزلت الجارية، ودخلت الدار وأمرت بجلوسي إلى أن يأتي الصيرفي، فجلست على باب الدار ساعة لطيفة، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت: يا سيدي ادخل إلى الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح.
فقمت إلى الدهليز وجلست على الدكة ساعة، وإذا بجارية خرجت إلي، وقالت: يا سيدي! تقول لك سيدتي ادخل واجلس على جانب الإيوان حتى تقبض مالك.
فقمت فدخلت وجلست حيث أمرتني، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير الأحمر، وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت مني العقد، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر، والعقد في عنقها فدهش عقلي وحار ذهني ولبي من رؤية تلك الجارية وحسنها، فلما رأتني قامت من على الكرسي، وسعت نحوي، وقالت: يا نور الدين! هل رأيت جميلة مثلي؟ فقلت: يا سيدتي الحسن كله فيك، وهو من بعض معانيك.
فقالت: يا علي، اعلم أني أحبك وما صدقت أنك صرت عندي.
ثم إنها طوقتني وعانقتني، فقبلتها وقبلتني ثم جذبتني وعلى صدرها رمتني. فلما علمت مني أني أريد أن أهم بها قالت: يا علي، أتريد أنن تجتمع بي في الحرام، والله لا كان من يفعل الآثام ويرضى بقبيح الكلام، فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد، ولست مجهولةً في البلد، أتعلم من أنا؟ فقلت: لا والله، وحلفت لها يميناً.
فقالت: أنا الست دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي، وأخي جعفر.
فلما سمعت منها ذلك جمعت خاطري عنها، وقلت: يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم عليك، أنت التي أطمعتني في إحسانك والوصول إلى جنابك.
فقالت: لا بأس عليك ولا بد من الإحسان إليك فإن أمري بيدي، والقاضي ولي عقدي، والقصد أن أكون لك وتكون لي.
ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود، فلما حضروا قالت لهم: هذا نور الدين علي بن الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد مهري، وأنا قد قبلت ورضيت.
ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن أعطت للقاضي شيئاً ما له حساب، وأحضرت المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام، فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عوديةً أن تغني فأنشأت تقول:
قلبي وآمالي بباب رجاكمو ... لا أبتغي في الكون غير رضاكمو
يا جيرة جاروا علي ببعدهم ... حنوا علينا وارحموا مضناكمو
حاشاكمو، يا سادتي، أن تهجروا ... صباً معنى مغرماً بهواكمو
بالله جودوا وارحموا لمتيم ... لم يستمع فيكم حديث سواكمو
مرسى فؤادي فوق بحر رضاكمو ... فإذا شجاه حسنكم ناجاكمو
قال: فأطربتنا الجارية بحسن غنائها ولم تزل الجواري يغنين جارية بعد جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوارٍ، فعند ذلك أخذت العود الست دنيا وأنشدت تقول:
قسماً بلين قوامك المياس ... إني لنار الهجر منك أقاسي
فارحم لصب في هواك متيمٍ ... يا بدر تم أنت سيد الناس
أنعم بوصلك كي أبيت بليلةٍ ... أجلو جمالك في ضياء الكاس
ما بين ورد جمعت ألوانه ... مع نرجس أيضاً وحسن الآس
قال الشاب: ثم إني أخذت منها العود وضربت عليه وغنيت هذه الأبيات:
سبحان ربي جميع الحسن أعطاكِ ... حتى بقيت أنا من بعض أسراك
يا من لها ناظر تسبي الأنام به ... خذي الأمان لنا من سحر عيناك
فالماء والنار في خديك قد جمعا ... والورد جوري نبت وسط خداك
أنت الغرام لقلبي والنعيم له ... فما أمرك في قلبي وأحلاك
قال: فلما سمعت مني ما قلت فرحت فرحاً شديداً، ثم إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه من سائر الألوان، ونزعت ما عليها من الثياب وخلوت بها خلوة الأحباب، فوجدتها بنتاً بكراً بختم ربها، ففرحت بي وفرحت بها فرحاً لم أجد في عمري ليلة أطيب منها، وفيها أنشدت أقول:
يا ليل! دم لي لا أريد صباحاً ... يكفي بوجه معانقي مصباحا
طوقته طوق الحمام بساعدي ... وجعلت كفي للمنام مباحا
هذا هو الفوز العظيم فخلنا ... متعانقين، فلا نريد براحا
فأقمت عندها شهراً كاملاً، وقد نسيتُ الدكان والأهل والأوطان إلى ذات يوم من الأيام قالت: يا نور الدين قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام، وأنت اقعد على هذا السرير إلى أن أرجع إليك.
فقلت: سمعاً وطاعةً.
وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي، فأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس الزقاق، إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وأي عجوز، وقالت: يا نور الدين الست زبيدة تدعوك، فقد سمعت بشبابك وطيب غنائك.
فقلت: والله علي يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا.
فقالت العجوز: يا نور الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك، فقم كلمها وارجع.
فقمت من وقتي إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة، فلما وصلت إليها، قالت: يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا؟ فقلت: مملوكك وعبد رقك.
فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال، فإنك فوق الوصف والمقال، ولكن عن لي شيئاً حتى أسمعك؟ فقلت: السمع والطاعة، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت أقول:
قلب المحب مع الأحباب متعوب ... وجسمه بيد الأسقام منهوب
ما في الركائب من زمت حمولهم ... إلا وكان له في الظعن محبوب
أستودع الله لي في حبكم قمراً ... يهواه قلبي وعن عيني محجوب
يرضى ويغضب، ما أحلى تدلله ... وكل ما يفعل المحبوب محبوب
فقالت لي: حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك، فلقد كملت في الحسن والظرف والمعنى، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا فلا تجدك فتغضب عليك.
فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الباب الذي خرجت منه، فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ونامت على السرير، فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها، ففتحت عينيها فرأتني فجمعت رجليها ورفستني فرمتني من على السرير وقالت: يا نور الدين! خنت اليمن وكذبت. وذهبت إلى الست زبيدة؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة والفضيحة لخربت قصرها على رأسها. ثم قالت لعبدها: يا صواب، قم اضرب رقبة هذا النذل الكذاب، فلا حاجة لنا به.
فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب عيني، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار، وقلن لها: يا ستاه، ما هو بأول من أخطأ ما عرف خلقك، وأنت ما تبغضينه، وما فعل ذنباً يوجب أن تقتليه.
فقالت: والله لا بد أن أؤثر فيه أثراً. ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي الضرب الذي رأيتموه، وأمرت بإخراجي. فأخرجوني وأبعدوني عن القصر، ورموني ورجعوا وتركوني، فلمت نفسي: فمشيت قليلاً قليلاً إلى أن وصلت إلى منزلي، وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مصالحي. فلما صح جسمي دخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام. وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي في كل يوم مائتان، وعملت هذا المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين، وسميت نفسي بالخليفة، ورتبت من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت: كل من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة. ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم أسمع لها بخبر ولا وقفت لها على أثر، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول:
والله ما كنت طول الدهر ناسيها ... ولا دنوت إلى من ليس يدنيها
كأنها البدر في تكوين خلقتها ... سبحان خالقها سبحان باريها
صدت ولا ذنب لي إلا محبتها ... فكيف حال الذي قد بات نابيها
وصيرتني حزيناً ساهياً دنفاً ... والقلب قد حار مني في معانيها
قال: فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب غاية العجب. وقال: سبحان من جعل لكل شيء سبباً.
ثم إنهم طلبوا من الشاب الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف، فانصرفوا من عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين، ولما استقر بهم في منزلهم الجلوس غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب الموكب والملك والزينة، وكذلك مسرور سياف النقمة والعطب، فقال الخليفة لجعفر المهيب: يا وزير! علي بالشاب.
فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل الشاب فخرج إليه وسلم عليه فقال له الوزير جعفر: أجب أمير المؤمنين.
فقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين وحامي حوزة الدين.
فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر، فلما دخل إلى الخليفة ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب الخليفة عرفه، فقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين وقامع المفسدين وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك وأنشد يقول:
لا زال بابك كعبة مقصودةً ... وترابها فوق الجباه رسوم
حتى ينادي في البلاد بأسرها ... هذا المقام وأنت إبراهيم
فعند ذلك تبسم الخليفة في وجهه، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان والإكرام وقربه إليه، وأجلسه بين يديه وقال له: يا نور الدين أريد أن تحدثني بحديثك الليلة يا مسكين، فإنه من أعجب الأمور.
فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين، أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ويطمئن قلبي.
فقال الخليفة: لك الأمان.
فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره، فعلم الخليفة من غير إطالة أن الصبي عاشق لا محالة، فقال الخليفة: أتحب أن أردها إليك يا مسكين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول:
إن رمت إحساناً فهذا وقته ... أو رمت معروفاً فهذا حينه
فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال له: أحضر أختك الست دنيا بنت الوزير يحيى.
فقال له: السمع والطاعة.
فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها: أتعرفين هذا من؟ فقالت: أين للنساء معرفة بالرجال؟
فتبسم وقال: يا دنيا قد عرفنا الحال وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا باطنها وظاهرها، والأمر لا يخفى وإن كان مستوراً.
فقالت: كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وأن أستغفر الله مما جرى مني، وأسأل من فيض الفضل العفو عني.
فضحك الخليفة وأحضر القاضي والشهود وعقد له ثانياً عليها. وحصل له سعد السعود، وأكمد العدو والحسود وجعله نديمه وزاد تكريمه، وعاش بقية عمره في أهنإ عيش ونعمةٍ، يجالس الخليفة في الليل والنهار، تؤانسه الست دنيا ذات الفخار.
الرشيد وجارية جعفر ويحكى أن جعفراً البرمكي نادم الرشيد ليلة، فقال: يا جعفر بلغني أنك اشتريت الجارية الفلانية، ولي مدة أطلبها، فإنها بديعة الجمال، ولي شوق زائد إليها فبعنيها.
قال: ليس علي فيها بيع.
قال: هبنيها.
قال: ولا أهبها.
فقال الرشيد: زبيدة طالق مني ثلاثاً إن لم تبعنيها أو تهبنيها.
وقال جعفر: زوجتي طالق مني ثلاثاً إن بعتها أو وهبتها.
ثم أفاقا من نشوتهما وعلما أنهما وقعا في أمر عظيم وعجزا عن تدبير الحيلة فقال الرشيد: هذه واقعة ليس لها غير أبي يوسف، فاطلبوه، فكان قد انتصف الليل. فلما طلب قام فزعاً وقال: ما طلبت في هذا الوقت إلا لأمر حدث في الإسلام.
ثم خرج مسرعاً وركب بغلته وقال لغلامه: اصحب معك المخلاة، واجعل فيها بعض شعير، فإذا دخلنا دار الخلافة ودخلت فضع بين يدي الدابة شيئاً منه تشتغل به إلى حين خروجي، فإنها لم تستوف علفها في هذه الليلة.
فقال: سمعاً وطاعةً.
فلما دخل على الرشيد قام له وأجلسه على سريره بجانبه وكان لا يجلس معه غيره، وقال له: ما طلبناك إلا لأمر مهم، وهو كذا وكذا، وقد عجزنا عن تدبير الحيلة.
فقال: يا أمير المؤمنين، هذا من أسهل ما يكون. يا جعفر! بع أمير المؤمنين نصفها وهبه نصفها تبرأ من يمينكما.
فسر بذلك أمير المؤمنين وفعلا، فقال الرشيد: أحضر الجارية في هذا الوقت فإني شديد الشوق إليها.
فأحضرت، فقال القاضي أبي يوسف: أريد وطأها في هذا الوقت، ولا أطيق الصبر إلى مضي مدة الاستبراء، انظر لي الحيلة في ذلك؟ فقال أبو يوسف: ائتوني بمملوك من مماليك أمير المؤمنين الذين لم يجر عليهم العتق.
فأحضر مملوك، فقال أبو يوسف: يا أمير المؤمنين، إئذن لي أن أزوجها منه، ثم يطلقها قبل الدخول فيحل وطؤها في الحال من غير استبراء.
فأعجب الرشيد ذلك أكثر من الأول، فقال: أذنت لك.
فأوجب القاضي النكاح، ثم قبله المملوك، فقال له القاضي طلقها.
فقال له: هذه صارت لي زوجة وأنا لا أطلقها.
فردد عليه القول فأبى وضاق صدر الخليفة لذلك، وقال: قد اشتد الأمر أعظم مما كان.
فقال القاضي أبو يوسف: يا أمير المؤمنين رغبه بالمال.
فقال: طلقها ولك مائة دينار.
قال: لا أفعل.
قال: مائتا دينار.
قال: لا أفعل.
إلى أن عرضوا عليه ألف دينار وهو يمتنع، وقال القاضي: الطلاق بيدي أم بيد أمير المؤمنين أم بيدك؟ قال: بل بيدك أنت.
قال: والله لا أفعل أبداً.
فاشتد غضب أمير المؤمنين، فقال القاضي: يا أمير المؤمنين لا تجزع فإن الأمر هين اعتق الجارية، ثم ملك هذا العبد للجارية؟ قال: أعتقتها وملكته لها.
فقال لها القاضي: قولي قبلت؟ فقالت: قبلت.
فقال القاضي: حكمت بالتفريق بينكما لأنه دخل في ملكها فانفسخ النكاح.
فقام أمير المؤمنين على قدميه، وقال: مثلك من يكون قاضياً في زماني. وستدعى بأطباق الذهب فأفرغت بين يديه، وقال للقاضي: هل معك شيء توعيه؟ فتذكر مخلاة البغلة. فاستدعى بها، فملئت له ذهباً، فأخذها وانصرف. فلما أصبح قال لخلانه: انظروا إلى من علم العلم فليتعلمه كذلك، فإني أعطيت هذا المال العظيم في مسألتين أو ثلاث.
فانظر أيها المتأدب إلى لطف هذه الواقعة فإنها اشتملت على محاسن منها إدلال الوزير على قلب أمير المؤمنين وحلم الخليفة، وزيادة علم القاضي فرحم الله أرواحهم أجمعين.
ولكن مسألة الاستبراء لم تتخرج إلا على مذهب أبي حنيفة فخرجها أبو يوسف على قواعد مذهبه لأنه حنفي المذهب. والله أعلم.
هجرتك وزرتك من كلام إبراهيم الموصلي رحمه الله تعالى:
هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى ... وزرتك حتى قيل ليس له صبر
فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر
ويا حبها زدني جوى كل ليلة ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتقض العصفور بلله القطر
المجنون العاقل من الحكايات اللطيفة، أن بعض الملوك قصد التفرج على المجانين، فلما دخل عليهم رأى فيهم شاباً حسن الهيئة نظيف الصورة يرى عليه آثار اللطف وتفوح منه شمائل الفطنة، فدنا منه وسأله مسائل، فأجابه عن جميعها بأحسن جواب. فتعجب منه عجباً شديداً.
ثم إن المجنون قال للملك: قد سألتني عن أشياء فأجبتك. وإن سائلك سؤالاً واحداً.
قال: وما هو؟ قال: متى يجد النائم لذة النوم؟ ففكر الملك ساعة، ثم قال: يجد لذة حال نومه.
فقال المجنون: حالة النوم ليس له إحساس.
فقال الملك: قبل الدخول في النوم.
فقال المجنون: كيف توجد لذته قبل وجوده.
فقال الملك: بعد النوم.
فقال المجنون: أتوجد لذته وقد انقضى؟ فتحير الملك وزاد إعجابه وقال: لعمري إن هذا لا يحصل من عقلاء كثيرة، فأولى أن يكون نديمي في مثل هذا اليوم، وأمر أن ينصب له تخت بإزاء شباك المجنون، ثم استدعى بالشراب، فحضر فتناول الكأس وشرب، ثم ناول المجنون، فقال: أيها الملك أنت شربت هذا لتصير مثلث فأنا أشربه لأصيل مثل من؟ فاتعظ الملك بكلامه ورمى القدح من يده وتاب من ساعته، والله أعلم.
الست بدور والأمير عمرو يحكى أن الرشيد أرق ذات ليلة أرقاً شديداً، فاستدعى جعفراً وقال: أريد منك أن تزيل ما بقلبي من الضجر.
فقال الوزير: يا أمير المؤمنين، كيف يكون على قلبك ضجر، وقد خلق الله أشياء كثيرة، تزيل الهم عن المهموم، والغم عن المغموم، وأنت قادر عليها؟ فقال الرشيد: وما هي يا جعفر؟ فقال له: قم بنا الآن، حتى نطلع فوق سطح هذا القصر ونتفرج على النجوم واشتباكها وارتفاعها والقمر وحسن طلعته كأنه وجه من تحب كما قيل:
فكأنما حسن السماء ولونها ... قد رقمت فيها أفانين الصور
وكأن هذا البدر حين بدا لنا ... في بعض ليل من غلاف قد ظهر
فقال الرشيد: يا جعفر، ما تلفتت نفسي إلى شيء من ذلك، فقال: يا أمير المؤمنين، افتح شباك القصر الذي يطلع على البستان وتفرج على حسن تلك الأشجار واسمع صوت تغريد الأطيار وانظر إلى هدير الأنهار وشم روائح تلك الأزهار واسمع الناعورة التي كأنها أنين محب فارق محبوبه، وهي كما قال فيها بعض واصفيها:
وناعورة حنت وغنت وقد غدت ... تعبر عن حال المشوق وتعرب
وترقص عطف البان تيهاً لأنها ... تغني له طول الزمان ويشرب
وإما أن تنام يا أمير المؤمنين، إلى أن يدركنا الصباح.
فقال: يا جعفر، ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال: يا أمير المؤمنين، افتح الشباك الذي يطلع على الدجلة حتى تتفرج على تلك المراكب والملاحين، فهذا يصفق، وهذا ينشد موالياً، وهذا يقول دوبيت، وهذا يقول كيت وكيت.
فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال جعفر: قم يا أمير المؤمنين، حتى ننزل إلى الاصطبل الخاص وننظر إلى الخيل العربيات وتتفرج على حسن ألوانها، ما بين أدهم كالليل إذا أظلم، وأشقر، وأشهب، وكميت أحمر، وأبيض، وأخضر، وأبلق، وأصفر، وألوان تحير العقول.
فقال الرشيد: ما تلتفت نفسي إلى شي من ذلك.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين، عندك في قصرك ثلاثمائة جارية، ما بين جنكية، إلى عودية، إلى دفية، إلى قانونية، إلى زامرة، إلى مغنية، إلى راقصة، إلى سنطيرية، أحضر الجميع، وأحضر العقار المروق، فعل أن يزول ما بقلبك من الضجر.
فقال: ما تهم نفسي إلى شيء من ذلك.
فقال جعفر: يا أمير المؤمنين ما بقي إلا ضرب عنق مملوكك جعفر، فإني قد عجزت عن إزالة هم مولانا.
فقال: يا جعفر، أما سمعت قول ابن عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: من فم مولانا أسمع.
فقال الرشيد: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فرح أمتي في ثلاث: أن يرى بعينه شيئاً ما رآه، أو يسمع شيئاً ما سمعه، أو يطأ مكاناً ما وطئه " ، فيتفق يا جعفر أن يكون في بغداد مكان ما وطئناه، أو شيء ما سمعناه، أو موضع ما رأيناه.
فقال جعفر: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أطلع إلى مجلس النوبة وأنظر أحداً من المسافرين أحضره بين يدي أمير المؤمنين، لعله أن يحدثك بحديث ما سمعته؟ فقال الرشيد: قم وافعل.
فقام جعفر وطلع وعاد بسرعة بالشيخ أبي الحسن الخليع الدمشقي المسامر. قال: فلما رأى أمير المؤمنين سلم فأحسن وترجم فأبلغ، ثم قال: يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين وابن عم سيد المرسلين وخاتم النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، أطال الله بقاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك لا خمدت لك نار ولا أغيظ لك جار، ثم أنشد يقول:
دام لك العز والبقاء ... ما اختلف الصبح والمساء
ودمت ما دامت الليالي ... بمدة ما لها انقضاء
الناس ناس بكل أرض ... وأنت من فوقهم سماء
قال: فرد الشيخ السلام وقال له: اجلس يا أبا الحسن، وحدثنا بحديث عجيب مليح لم نسمعه قط؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أحدثك بشيء سمعته بأذني أو بشيء رأيته بعيني؟ قال الرشيد: يا شيخ أبا الحسن الذي تراه العين أحسن من الذي تسمعه الأذن.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أفرغ لي عن ثلاثة أشياء منك؟ فقال: ما الثلاثة؟ فقال: ذهنك وسمعك وقلبيك.
فقال الرشيد: هات يا أبا الحسن.
فقال: يا أمير المؤمنين لي عادة أني أسافر في كل سنة إلى البصرة للأمير محمد بن سليمان الزينبي، وأقعد عنده أحدثه الأسمار، وأورد له الأخبار، وأنشد له الأشعار، ولي عليه رسم ألف دينار آخذها وأعود إلى بغداد. فاتفق لي من سنة من السنين أني سافرت إلى البصرة على عادتي ودخلت على الأمير محمد بن سليمان وجلست عنده اليوم الأول والثاني والثالث، فركب إلى الصيد وتركني في منزله وأوصى أرباب دولته بخدمتي وإكرامي إلى أن يعود، وأوصى الطباخ الذي له أن لا يطعمني إلا شيئاً تشتهيه نفسي، فاشتهيت السمك فقلت للطباخ: فعمل لي من السمك عدة ألوان فأكلت وطاب لي الأكل حتى ثقل على فؤادي، فقلت: ما يصرف عني هذا إلا المشي، ولي عدة أسفار إلى البصرة ما أعرف فيها مكاناً، وأريد اليوم أن أجعلها حجة وفرجة. ثم إني نزلت أتمشى في شوارع البصرة فعطشت عطشاً شديداً وناهيك بعطش السمك، فقلت في نفسي: إن تناولت شربة من السقاء لا تطيب نفسي لأنه يشرب منه أصحاب الأمراض، وكبر على نفسي أن أحملها إلى شاطئ الدجلة، وقلت: ما لي إلا أن أقصد بعض دور المحتشمين وأطلب منها شربة من ماء، فأتيت إلى درب وفي ذلك الدرب خمسة دور داران مقابلتان لدارين ودار صدرانية قد قامت من التراب وتعلقت بأذيال السحاب، ولها باب مقنطر مزخرف بمصاطب طولانية، مفروش عليها حصر عبدانية، والباب ساج مصفح بصفائح الذب الوهاج ومسامير الفضة وستر من الحرير الأصفر المدثر مكتوب عليه هذه الأبيات:
ألا يا دارُ لا يدخلك حزنٌ ... ولا يغدر بصاحبك الزمان
فنعم الدار أنت لكل ضيفٍ ... إذا ما ضاق بالضيف المكانُ
قال: فقلت في نفسي، من هذه الدار أشرب الماء، فأتيت إلى الباب فسمعت صوتاً ضعيفاً من فؤاد نحيف، وقائلاً يقول:
بالله ربكما عوجا على سكني ... وعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضاً بي وقولاً في حديثكما ... ما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولا في ملاطفةٍ ... ما ضر لو بوصالٍ منك تسعفه
وإن بدا لكما في وجهه غضبٌ ... فغالطاه وقولا ليس نعرفه
قال: فقلت، يا حبذا إن كان قائل هذا الصوت شخصاً صورته على قدر صوته واحتشمت، ثم إني قويت قلبي ورفعت الستر ودخلت الدهليز إلى أن انتهيت إلى آخره ومديت طرفي، وإذا أنا بدار قد أقبلت عليها السعادة، وزالت عنها الشقاوة، ورأيت في صدر ذلك المكان إيواناً وبركة وشاذرواناً، وفي ذلك الإيوان تخت من السياج، وقوائمه من العاج، ومصفح بالذهب الوهاج، وفوق التخت فراش من الحرير الأطلس، ومسند مزركش، وعليه جارية نائمة خماسية القد، قائمة النهد لا بالطويلة الشاهقة ولا بالقصيرة اللاصقة، أشهر من علم، تربية العجم على أكتاف الخدم، بخد أسيل، وطرف كحيل، وخصر نحيل، وردف ثقيل، إن أقبلت فتنت، وإن ولت قتلت، كما قال فيها بعض واصفيها:
كما اشتهت خلقت حتى إذا اعتدلت ... في قالب الحسن لا طول ولا قصر
جرى بها الشحم حتى دار أعكنها ... طي القباطي فلا سمن ولا غور
كأنها أفرغت من ماء لؤلؤةٍ ... في كل جارحة من حسنها قمر
إلا أن الجارية، يا أمير المؤمنين، قد حكمت عليها يد الأيام ونزلت بها جميع الأسقام وعند رأسها طبيب، وهو يجس يدها ويقول: يا ست بدور، الضارب ضارب والساكن ساكن ولا برد ولا حمى ولا شيء تشتكينه أكثر من سهر الليل وجريان الدمع لعل الست في قلبها هوى من أحد، فلما سمعت كلام الطبيب أنشدت تقول:
إذا هممت بكتمان الهوى نطقت ... مدامعي بالذي أخفي من الألم
فإن أبح افتضح من غير منفعة ... وإن كتمت فدمعي غير منكتم
لكن إلى الله أشكو ما أكابده ... من طول وجد ودمع غير منصرم
قال: فنهض الطبيب قائماً على قدميه فناولته صرة فيها عشرون ديناراً، ثم التفتت إلي وقالت: من أين يا شيخ؟ فقلت لها: من بغداد، حملني العطش إلى أن أتيت إلى هنا.
فقالت: لعل أن يكون على يدك فرجي، فأنا أكتب لك ورقة فتسال عن بيت الأمير عمرو وتعطيه إياها، فإن رددت علي الجواب فأنا أعطيك خمسمائة دينار.
ثم استدعت بدواة وورق وكتبت، وهي تقول: أما بعد، يعجز لساني ويكل جناني عن بث الأشواق، ولكن أسأل الكريم الخلاق أن يمن علينا بالتلاق بالسعد الرائق والأمر الموافق، وأنا القائلة حيث أقول:
سروري من الدنيا لقاكم وقربكم ... وحبكم فرض وما منكم بد
ولي شاهد دمعي إذا ما ذكرتكم ... جرى فوق خدي لا يطاق له رد
إذا الريح من نحون الحبيب تنسمت ... وجدت لمسراها على كبدي برد
فوالله ما أحببت ما عشت غيركم ... ولا كنت إلا ما حييت لكم عبد
سلام عليك ما أمر فراقكم ... فلا كان منكم ما جرى آخراً عهد
أما بعد، فهذا كتاب ممن ليلها في نحيب، ونهارها في تعذيب، لا أتركن إلى عاذلٍ ولا تصغي إلى قائل، قد غلبتها أيدي الفراق، ولو شرحت بعض ما عندها للفسيح ضاق وما وسعته الأوراق، ولكن أسأل الكريم الخلاق، رافع السبع الطباق، أن يمن علينا بالتلاق، وأنشدت تقول:
أحبة قلبي وإن جرتم ... علي فكل المنى أنتم
رحلتم وفي القلب خلفتم ... لهيباً فهلا ترفقتم
وأودعتم يوم ودعتم ... بأحشاي ناراً وأضرمتم
وما كنتم تعرفون الجفا ... على شؤم بختي تعلمتم
فألف ألف لا أوحش الله منكم والسلام مني عليكم عدد شوقي إليكم ما حن الغريب إلى الأوطان، وغرد حمام الأيك على البان، فرحم الله من قرأ كتابي وتعطف برد جوابي، وأنشدت تقول:
أحبابنا ما رقا دمعي لفرقتكم ... يوم الفراق ولا كفت غواديه
بنتم فلم يبق لي من بعدكم جلد ... ولا فؤاد ولا صبر أرجيه
فكم أمني فؤادي بالهوى كذباً ... ولست أول من بانت غواشيه
قال: ثم إنها طوت الكتاب وختمته بعد أ، نثرت فيه فتات المسك والعنبر، وناولتني إياه فأخذته، وأتيت إلى دار الأمير عمرو فوجدته في الصيد والقنص، فجلست على بابه ساعة أنتظره وإذا به قد أقبل، وهو راكب على حصان أشقر، من الخيل الضمر يساوي ملك كسرى وقيصر، من أولاد الأبجر، الذي كان لعنتر، إن طلب لحق، وإن طلب لم يلحق، والأمير في ظهره كأنه البدر في منزلته ، والمماليك قد أحدقوا به كما تحدق النجوم بالقمر، وهو بخد أسيل وطرف كحيل وخصر نحيل وردف ثقيل وله عذار أخضر فوق خد أحمر وثغر جوهر وعنق مرمر كما قال فيه ابن معشر:
قمر تكامل في نهاية حسنه ... مثل القضيب على رشاقة قده
فالبدر يطلع من ضياء جبينه ... والشمس تغرب في شقائق خده
ملك الجمال بأسره فكأنما ... حسن البرية كلها من عنده
قال أبو الحسن: فما أمهلته دون أن قبلت ركابه، فلما نظر إلي ترجل واعتنقني وخذ بيدي وأدخلني الدار وأنشد يقول:
ما أظن الزمان يأتي بهذا ... غير أني رأيته في منامي
قال: فلما جلس على حافة البركة أقبل علي يحدثني ساعة، وإذا بالمائدة قد وضعت بين أيدينا، وإذا عليها من ألوان الطعام ما درج وتطاير في الأسحار، وتناكح في الأوكار من قطاً وسماني وأفراخ حمام وبط مسمن ودجاج محمر وأفراخ رضع وبعلبكات السكر فقال لي: بسم الله يا شيخ يا أبا الحسن، فقلت: لا والله يا مولاي، ما أكلت لك طعاماً ولا شربت لك مداماً، إلا أن قضيت لي حاجتي.
فقال: يا أبا الحسن كان هذا من الأول. أين الكتاب الذي للست بدور؟ فقلت: يا سيدي وما هي الست بدور.
فقال: التي جئت من عندها تطلب شربة من الماء منها، ووجدت عندها الطبيب وجرى لك معها ما هو كيت وكيت.
فقلت: يا مولاي أكنت حاضراً؟ فقال: لو كنت حاضراً فلأي شيء كتبت الكتاب؟ فقلت: هل جاء أحدُ من عندها وأعلمك؟ فقال: إنه لا يجسر أحدٌ من غلمانها أن يقابلني.
فقلت: ولا راح أحد من عندك إليها.
فقال: هي أخس وأحقر منم أن يمضي إليها أحد من عندي.
فقلت: يا سيدي! الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى والوحي ما نزل إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا عاقل أما سمعت قول القائل:
قلوب العاشقين لها عيونٌ ... ترى ما لا يراه الناظرونا
وأجنحة تطير بغير ريشٍ ... إلى ملكوت رب العالمينا
فقلت: صدقت يا مولاي، ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه ثم بصق فيه وداسه برجله ورماه في البركة فصعب علي، فلما علم مني ذلك قال: مم غيظك؟ أقعد الليلة عندي كل واشرب وخذ مني الخمسمائة دينار التي وعدتك بها الست بدور، وأنا أحب إليك منها وأنشد يقول:
رأيت شاة وذئباً وهي ماسكة ... بأذنه وهو منقاد لها ساري
فقلت: أعجوبة ثم التفت رأى ... ما بين نابيه ملقى نصف دينار
فقلت للشاة: ماذا الإلف بينكما ... والذئب يسطو بأنياب وأظفار
تبسمت ثم قالت وهي ضاحكة ... بالتبر يكسر ذاك الضيغم الضاري
قال: فلما سمعت كلامه، يا أمير المؤمنين تقدمت وأكلت بحسب الكفاية والنهاية. ثم انتقلنا إلى مجلس الشراب وقدمت بين أيدينا البوطي والسلاحيات، فتناول الأمير عمرو وشرب وسقاني، وأنا أحدثه وأنادمه إلى أن قرب الغروب فقال: يا أبا الحسن، ما لذة الأمير إذا شرب إلى المساء من غير غناء؟ فقلت: يقال: الشراب بلا طرب ولا سماع، الدن أولى به.
فقال لي: قم بسم الله.
فقمت معه إلى مجلس وحضيرة تنقط بالذهب واللازورد العجيب، وهي مزخرفة قد عبقت أزهارها وضحكت سلاحيتها وصفت بواطيها ورفعت أقداحها فجلس الأمير عمرو وأجلسني بجانبه وقدمت بين أيدينا الشموع وأسرجت القناديل فنظرت إلى مجلس عجيب وحضيرة مليحة ثم قلت: يا مولاي، قد تقدم القول إن الشراب بلا سماع، الدن أولى به، فصفق بكف وإذا بثلاث جوار قد أقبلن كأنهن الأقمار. الواحدة تحمل عوداً، والثانية تحمل دفاً، والثالثة تحمل مزماراً ثم نقرت الدفية على دفها، وأًلحت العودية عودها وزمرت الزامرة بمزمارها فخيل إلي أن المجلس الذي نحن فيه يرقص بنا ثم إن الدفية غنت تقول:
أحبابنا إنني من يوم فرقتكم ... على فراش الضنا ما زلت مضطجعا
داويت قلبي بحسن الصبر بعدكم ... عسى يفيق من الأسقام ما نفعا
فوالله يا أمير المؤمنين لقد طربت غاية الطرب من حسن صوتها. فلما فرغت الدفية ضربت العودية على عودها طرقاً عديدة، ثم رجعت إلى الطريقة الأولى وأنشدت تقول:
أمؤنس طرفي لا خلا منك ناظري ... وجامع شملي لا خلا منك مجلسي
ويا ساكناً قلبي وما فيه غيره ... يحل فما استوحشت فيه لمؤنسي
وبالله يا أغنى الورى من ملاحةٍ ... تصدق على صب من الصبر مفلس
أنلني الرضا حتى أغيظ به العدا ... ويا موحشي من بعد ما كان مؤنسي
رضاك الذي إن نلته نلت رفعةً ... وألبسني في الناس أشرف ملبس
قال: والله يا أمير المؤمنين لم نتمالك عقولنا من الطرب، ثم التفتت العودية نحو الدفية وقالت لها: يا فلانة أتحسني أن تقولي مثل هذا؟ فقالت الدفية: أنا أحفظ أبياتاً ما أظن أنك تحفظين لهن وزناً ولا قافية ولا عَروضاً.
فقالت العودية: هات ما عندك.
فنقرت الدفية على دفها بأناملها ورفعت صوتها وهي تقول:
كرر وردد ذكرهم في مسمعي ... فهم الشفا لتألمي وتوجعي
أقصر بعذلك يا عذول فإن لي ... قلباً لعذلك لا يفيق ولا يعي
فقالت لها العودية: أنا أحفظ الوزن والقافية والعروض.
فقالت الدفية: هات.
فضربت العودية طريقة من اثنين واثنين وأربعة وأربعة وثمانية وثمانية وستة عشرة وستة عشر ثم عادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول:
إن لم أٍل وادي إلا سيل بأدمعي ... أعلم بأني في الصبابة مدعي
يا سعد إن جئت الغوير وعاينت ... عيناك بأن المنحني فلترجع
وخذ الحذار من الغزال المختفي ... واحذر يصيدك لحظ ذات البرقع
قال: والله يا أمير المؤمنين فلقد طربنا حتى قام كل منا ورقص. فلما فرغت الجارية قال لها سيدها: عن لي على الذي بقلبي وحدي، فعندها ساوت عودها وقالت:
ما كنت أول رامق صبا صبا ... نحو التصابي، وهو في عمر الصبا
فعلام يعذلني العذول على البكا ... لولا الغرام لما غدوت معذبا
حم الغرامُ بحكمه في مهجتي ... ولقد غدا قلبي به متقلبا
يا للرجال خبا الهوى بحشاشتي ... ناراً، فما تخبو على ذاك الخبا
ولقد سبى قلبي غزال لو رأت ... بلقيس طلعته لما سكنت سبا
ولقد هربت من الغرام فقال لي: ... مهلاً! فلن تجدن مني مهربا
فلما سمع الأمير عمرو ذلك صرخ ووقع على الأرض مغشياً عليه. فقالت الجارية: يا مولاي، إنه قد نام سيدي، فإن اخترت أن تنام فقم نم في مرقدك، وإن اخترت الشراب فدونك، ونحن بين يديك إلى الصباح.
فقمت ونمت فلما أصبحت قمت وسألت عن الأمير عمرو فقال بعض الجواري: إنه قد سرح إلى الصيد والقنص فأخذت شاشاً لألبسه فرأيت تحته كيساً فيه ألف دينار، فأخذته وأتيت إلى الست بدور، وإذا بها واقفة خلف الباب تنظر وهي تقول:
يا رسولي إلى الحبيب اعتذر لي ... فلعل الحبيب بقبل عذري
ثم قل للحبيب عني بلطف: ... أي ذنب جرى فأوجب هجري
فلما رأتني قالت: يا شيخ أقمح أم شعير؟ فقلت: لا والله ما هو إلا زوان، والله ما رضي يقرأ مكتوبك ولا يرد جوابك.
فرمت إلي الصرة وفيها مائة دينار، وقالت: اذهب يا أبا الحسن، ما مضى الليل وأتى النهار على شيء إلا وأزاله وغيره ويغير الله ما في القلوب.
ثم إنها أغلقت الباب في وجهي ومضت وعدت إلى دار الأمير محمد بن سليمان الزينبي فلقيته قد جاء من الصيد فقعدت عنده أياماً وأخذت رسمي وعدت إلى بغداد. ثم إني في السنة الثانية سافرت إلى البصرة على ما جرت العادة به ومضيت إلى الأمير عمرو بن جبير الشيباني لأتمنع بذلك الوجه المليح والقد الرجيح، فوجدت الدار متغيرة الآثار والعبيد لابسين السواد فلما رأيت ذلك بكيت وأنشدت أقول:
يا دار أين ترحل السكان ... وسرت بهم من بعدها الأظعان
بالأمس كان بك الضياء مع الهنا ... واليوم عرصاتك الغربان
فسمعني بعض الغلمان، فظهر لي وقال: من ذا الذي يبكي على ديارنا ويندب منازلنا؟ كفى بنا ما عندنا.
فقلت له: يا عبد الخير، إن صاحب هذه الدار كان من أصدق الناس إلي فما فعل به الزمان؟ فقال لي الغلام: يا مولاي هو في قيد الحياة. وهو يطلب الموت فلا يجده.
فقلت له: بالله عليك خذ لي الطريق.
فقال لي الغلام: يا مولاي من أقول.
فقلت: قل الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي المسامر.
قال: فعبر الغلام وغاب ساعة وعاد وقال لي: بسم الله أدخل. ويقول له: يا مولاي الضارب ضارب والساكن ساكن لا برد ولا حمى ولا تشتكي غير سهر الليل وجريان الدمع، لا يكون المولى إلا مسحوراً.
فلما سمع الأمير عمرو كلام الطبيب بكى وأنشد يقول:
قال الطبيب لقومي، حين جس يدي: ... هذا فتاكم ورب البيت مسحور
فقلت: ويحك قد قاربت في صفتي ... عين الصواب فهلا قلت مهجور
ثم إنه ناوله كاغداً فيه بعض دنانير، فأخذها الطبيب وانصرف ثم التفت الأمير عمرو إلي وقال: يا شيخ أبي الحسن أما تنظر إلى هذا الحال الذي وقعت فيه؟
فقلت له: حاشاك من الأسوأ ما سبب ذلك؟ قال: ما أعرف له سبباً إلا أن هجر الست بدور قد قتلني وحبها أضنى فؤادي.
فقلت: يا مولاي، بالعام الماضي تركتك أميراً، واليوم أتيت لقيتك أسيراً فما السبب؟ فقال الأمير عمرو: يا شيخ إني في ليلة من الليالي ركبت في الشط، وقد شحنت مركبي من سائر الأزهار والفواكه والرياحين والطعام والمدام، وأوقدت الشموع حتى صارت مثل ضوء النهار، وقد غرقنا في البسط، وبقينا في لعب وضحك إلى ثلث الليل الأول، وإذ قد أقبل من صدر الشط مركب وهو يعزف بالطارات والدفوف ويضيء كضوء الشمس وفيه وهج عظيم، فقلت للملاح: قدم بنا حتى نتفرج وننظر أينا أحسن تعبية مركبنا أو هذا المركب؟ فمددت عيني فرأيت صاحبتي الست بدور، وهي بين جواريها وغلمانها تلعب وتضحك، وهي مثل اسمها، اسم على مسمى، فلما وقعت عيني عليها، كأنما رمت في قلبي جمرة نار فقلت في نفسي: ما فارقت هذا الوجه المليح بذنب. ثم إني تذكرت العهد القديم الذي كان بيننا فلم أقدر أن اصبر، فمدت يدي وأخذت تفاحة ورميتها إلى الست بدور فالتفتت فرأتني. فقالت للملاح: ارجع بنا إلى البر، نحن خرجنا هذه الليلة ننشرح، فأرسل الله لنا هذا الفتى ينغص علينا عيشنا. فلما سمعتها تشتمني أضرمت النار في قلبي ثم قلت لنفسي: أنت كنت المطلوب فصرت الطالب، فلم يهن لي عيش في هذه الليلة فقلت للملاح: ارجع إلى الشط. ثم إني نزلت ومضيت إلى منزلي وما ذقت طعم المنام. فلما أصبحت لم يقر لي قرار وصرت أترقب أن يأتي أحد من عندها، ثلاثة أيام، فلم يأت أحد فبعثت من يعرض بذكري لها، فدعت عليهم وشتمتهم. فكتبت لها بعد ذلك ألف كتاب، فلم ترد لي جواباً، وقد رميت روحي على كل كبير في البصرة، فيدخلون عليها فلم تقبل ولم تزدد إلا جفاء، ولي مدة أنتظرك يا شيخ أبا الحسن حتى أبعث معك كتاباً وأنا أحلف لك إن هي ردت لك جوابه أعطيتك ألف دينار، وإن لم ترد جوابه أعطيتك مائة دينار.
فقلت له: اكتب!.
فدعا بدواة وقرطاس وكتب في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من متيم يشكو إليك الصبابة ويسألك بالله أن تردي جوابه. أما بعد، فإنه يعجز لساني ويكل جناني مما أنا فيه من طول السهر ودوام الفكر، وبكى لبكائي أصم الحجر فألف ألفٍ لا أوحش الله منك والسلام عليك.
ثم ختم الكتاب وناولني إياه فأخذته وأتيت به إلى دار الست بدور، فلقيت الباب على غير تلك الحالة الأولى عليه ستر مرخي وبواب وخادم. فقلت: لا إله إلا الله، كان هذا الباب بالأمس خالياً من الأصحاب، واليوم عليه خادم وبواب، ثم إني تقدمت إلى الخادم، وقلت له: قم يا ولدي ادخل واستأذن على مولاتك الست بدور وقل لها: الشيخ أبو الحسن الخليع الدمشقي قد أتى ويطلب المثول بين يديك.
فغاب الخادم ثم عاد مسرعاً وقال: بسم الله ادخل.
فدخلت الدهليز فسمعت الست بدور وهي تقول:
ولأصبرن على الزمان وجوره ... حتى يعود كما أريد وأشتهي
قال: فلما دخلت رأيتها قاعدة على حافة البركة، وبين يديها جارية تروح لها، فتقدمت وقبلت يدها وجلست فنظرت، وإذا عليها غلالة لازوردية، وجميع جسدها بائن من تحت الغلالة كأنه عمود مرمر، وعلى الغلالة مكتوب هذا البيات:
أقبلت في غلالة زرقاء ... لازوردية كلون سماء
فتأملت في الغلالة ألقى ... قمر الصيف في ليالي الشتاء
ليتني كنت للمليحة عقداً ... أو لثاماً للوجه مثل الرداء
أو قميصاً من الحرير خفيفاً ... لاصقاً بالفؤادِ والأحشاء
ضربتني بخنجر العشق حتى ... صرت ملقى مخضباً بدمائي
تركتني على الطريق ونادت ... من يصلي على قتيل هوائي
ثم إني لما فرغت من قراءة الأشعار قالت لجاريتها: هات لي بذلة قماش، ثم غيرت ما كان عليها، وجلست ثم أمرت بإحضار المائدة وقالت: بسم الله، كل يا أبا الحسن.
فقلت: لا والله لا أكلت لك طعاماً ولا شربت عندك مداماً حتى تقضي حاجتي.
فقال: كان هذا من الأول لكن والله قد وقعت من عيننا برواحك إلى الأمير عمرو قبل مجيئك إلينا.
فقلت لها: أنا ما رحتُ.
====ج2.=====
كتاب : إعلام الناس بما وقع للبرامكة
المؤلف : الإتليدي
فقالت: تكون شيخاً وتكذب، أنت ما عبرت عليه ولقيت الطبيب، وهو يقول له: كيت وكيت، وجرى لك معه كذا وكذا، وهذا الكتاب في طي عمامتك وبالأمارة قال لك: إن ردت الجواب أعطيتك ألف دينار وإن لم ترد لي الجواب أعطيتك مائة دينار؟ فقلت: يا ستي من أعلمك بهذا؟ فقالت: أليس القائل يقول:
قلوب العاشقين لها عيون ... ترى ما لا يراه الناظرونا
وأنا يا شيخ أبا الحسن أعشق منه وأرى أكثر مما يراه.
فقلت: صدقت يا مولاتي، كان ذلك.
ثم ناولتها الكتاب ففضته وقرأته ثم إنها مزقته وبصقت عليه، وداسته ورمته في البركة. فلما رأيت ذلك قلت في نفسي: هذا بذاك وفرض الدين لا بد له من وفاء إلا أني حصل لي بعض غيظ على الألف دينار التي تفوتني، فنظرت غلي وعرفت مني ذلك فقالت: يا شيخ أبا الحسن مم غيظك؟ إن كان وعدك بألف دينار، فبت الليلة عندي وكل واشرب والتذ واطرب، وخذ لك غداً مني ألف دينار وامض في حفظ الله.
فقلت: يا سيدتي يكاد الأمير عمرو أن يموت.
فقالت: دعنا من هذا الكلام.
ثم إن المائدة حضرت فأكلنا بحسب الكفاية، فلما فرغنا قالت: يا شيخ أتعرف لعب الشطرنج.
قلت: ما ألعب إلا على الحكم والرضا.
فقالت: نعم. ثم دعت بالشطرنج فوضع بين أيدينا ولعبت معها الدست الأول، غلبتني فأمرت الجواري أن يرموني في البركة، فمسكوني ورموني في البركة، فضحكت علي ساعة. ثم أخرجوني وقد ابتلت جميع حوائجي. فلما رأتني على تلك الحالة أمرت ببذلة من القماش من أفخر الملبوس فلبست فقالت: أتلعب أيضاً على الحكم والرضا؟ قلت: نعم، فلعبنا فاحتلت عليها، وأتيت لها بحكاية لطيفة مضحكة وشغلتها وسرقت القطع إلى أن غلبتها وتحكمت فيها وقلت: أريد الألف دينار وجواب الكتاب فأعطتني الألف دينار، وطلبت دواة والقرطاس، ثم إنها أطرقت ساعة ورفعت رأسها وكتبت تقول:
ألا يا عمرو كم هذا العناء ... وكم هذا التجلد والجفاء
كتبت إلي تشكو ما تلاقي ... من الأسقام إذ نزل القضاء
فسقم لا يزال بطول دهر ... وداء ما له أبداً دواء
ولو ساعدتنا يا عمرو يوماً ... لساعدناك إذ نزل البلاء
فعش ضباً ومت كمداً حزيناً ... فواجدةٌ بواحدةٍ جزاء
فلا فرغت ناولتني الورقة فقرأتها فقلت: يا ستي، بالله عليك لا تفعلي وارحمي الأمير عمراً واكتبي له غير هذا.
فقالت: يا شيخ أبا الحس، أنت رسول أو فضولي؟ فقلت لها: رسول وفضولي وطفيلي، ويعظ القطط ويحلف أنه ما يبيت إلا في الوسط ويغني بليت بكم.
قال: فضحكت من كلامي، وقالت: حكمتك في نفسي.
فقلت: ست بدور أين تلك المحبة التي كنت تحبينها للأمير عمرو؟ فلو أبصرته ما عرفته من شدة ما يقاسي من الأسقام والآلام والأمراض.
فلما سمعت ذلك قالت: أخبرني عن أقوى شيء به من المرض؟ فقلت: يا سيدتي، ما أقدر أصف لك بعض ما فيه من ألم المرض. فترغرغت عيناها بالدموع ثم قالت: يعز علي ما وصفت لي عنه وروحي لروحه الفداء فالحمد لله الذي جعل اجتماعنا على يديك. ثم دعت بدرجٍ غير تلك الورقة وكتبت في أول الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم إنها ابتدأت تنشد وتقول:
وصل الكتاب فلا عدمت أناملاً ... عنيت به حتى تضوع طيبا
ففضضته وقرأته، فوجدته ... لخفي أوجاع القلوب طبيبا
فكأن موسى قد أعيد لأمة ... أو ثوب يوسف قد أتى يعقوبا
المملوكة تقبل الأرض وتنهي أن شوقها شديد، وغرامها ما عليه من مزيد، ومأمولها من الحميد المجيد أن يجمع شملها بك قبل أن تريد، وأقول:
أشتاقكم حتى إذا نهض الهوى ... لمقامكم قعدت بي الأيام
والله إني لو وصفت صبابتي ... فني المداد وقلت الأقلام
ثم إنها نثرت فتات المسك والطيب في رسالتها وطوتها وحققتها وناولتني إياها فأخذتها وقمت مسرعاً وأنا فرحان إلى أن أتيت دار الأمير عمرو ودخلت الدهليز فسمعته يقول:
ترى حرمت كتب المحبة بيننا! ... أسحر أم القرطاس أصبح غاليا
فاستأذنت عليه ودخلت فلما رآني قال لي: أقمح أم شعير؟ فقلت له: قمح مغر بل ليس فيله كدر. ثم ناولته الكتاب ففضه وقرأه فلما فهم معناه تهلل وجهه بالفرح فبكى وقال:
هجم السرور علي حتى إنه ... من فرط ما قد سرني أبكاني
يا عين! قد صار البكا لك عادةُ ... تبكين في فرح وفي أحزانِ
فلما فرغ من البكاء قال لي: يا شيخ ما أظن الحديد يلين ولا الصخر يذوبُ نعل أن تكون صنت هذا الكتاب من عندك؟ فقلت:يا مولاي والله ما صنعته ولا كتبته بل هو خطها بيدها.
فبينما هو يخاطبني، إذ هي عبرت علينا وهي تخطر لفي قوامها وهي تنشد وتقول:
نزوركم لا نجازيكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم ستزر زارا
فلما رآها الأمير عمرو نهض قائماً على قدميه ورمى بروحه عليها واعتنقها واعتنقته ساعة زمانية، فقمت لأخلي لهما المكان، فقالت الست بدور: إلى أين تروح يا شيخ؟ قلت أخلي لكما المكان لأنكما ما اجتمعتما من مدة سنة كاملة.
فقالت: لا تفارقني من الساعة إلى الصباح.
فقام الأمير عمرو وأخذنا ومضى بنا إلى مجلس مليح وقدم لنا الطعام المفتخر وأمر بإزالة كل شيء كان عليه من آلة الحزن وجيء له بالماء فغسل يديه وغسلنا أيدينا، وانتقلنا إلى مجلس الشراب، وبتنا في لذة ورأيت الماوية تدب في وجه الأمير عمرو. فلما أَصبحت قالت: يا شيخ أبا الحسن، امض وائتنا بالقاضي والشهود.
فلم يكن بأسرع مما أ؛ضرتهم. فقالت الست بدور للقاضي: اكتب كتابي على الأمير عمرو، وقد وليت الشيخ أبا الحسن عقد النكاح.
فخطب القاضي خطبة النكاح وعقد العقد بينهما، فرسم الأمير عمرو للقاضي بألف دينار وللشهود بمائتي دينار، وعمل الوليمة وطبخ الطعام وعمل الحلاوات وجمع الناس ووضع بين أيديهم الموائد وأطعم الشارد والوارد، وزفت الست بدور تلك الليلة إلى الأمير عمرو، فلما وقفوا على المنصة قلت: ما تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها، ولو رآها غيره لزلزلت الأرض زلزالها، ثم تقدمت إلى الأمير عمرو وقلت له: يا مولاي، المثل يقول: العصفور يتفلى والصياد يتقلى، وأنتم تقولون: وا طرباه وأنا أقول وا حزناه.
فقالت الست بدور: ما معنى كلامك هذا؟ قلت: يا سيدتي الأمير عمرو وعدني بوعد والوعد على الكرماء دين.
فقالت الست بدور: صدق الشيخ أعطه الذي وعدته به. فقال الأمير عمرو لبعض غلمانه: أعط الشيخ أبا الحسن ألفاً وخمسمائة دينار، يستحق أكثر من ذلك.
فمضى الغلام وعاد بسرعة ومعه كيس وناولني إياه وأعطتني الست بدور مثله. ثم إني ودعتهم وخرجت إلى أن أتيت إلى الأمير محمد بن سليمان الزينبي، وقعدت عنده على عادتي، وأخذت رسمي الذي عليه في كل سنة وعدت إلى بغداد فما رأيت سنة أبرك علي منها، حصل لي فيها أربعة آلاف دينار.
وهذا جملة الحديث فتعجب الخليفة وقال: ما قصرت يا شيخ أبا الحسن خذ من جعفر ألف دينار لأنك أنت الذي أزلت عني ما بقلبي.
فقال جعفر: ومن عند أمير المؤمنين ألف دينار لأنه هو الذي زال عنه ما كان يجده.
فقال أبو الحسن: صدق الوزير أبقاه الله تعالى، ثم إنه قبض الألفين ديناراً ومضى إلى منزله والله أعلم.
من هم البرامكة قال أبو القاسم بعد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة عبد المجيد بن عبدون: جعفر البرمكي، هو جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك، والبرمك هو الذي يعمر بيت النور، وهو بيت النار، وكان برمك من مجوس بلخ وكان عظيم القدر فيهم، وولده خالد، فلما كبر صار وزيراً لأبي السفاح بعد أبي سلمة الحلال، وقتل هارون الرشيد جعفراً سنة سبع وثمانين ومائة، وكان قد بلغ من الرشيد ما لا يبلغه وزير من خليفة قبله، حتى كان يجلس معه في حلة واحدة قد اتخذ لها جيبان على ما ذكره بعض المخبرين حتى بلغ عنده أن يحكم عليه فيما شاء من أمر ماله وولده.
منزلة جعفر عند الرشيد فمن ذلك ما حكاه ابن المهدي عم الرشيد، وهو إبراهيم المعروف بابن شكلة، وكانت شكلة أمة سوداء، وقد ذكر أن إبراهيم كان أسود شديد السواد، وكان من الطبقة العليا في صنعة العود قال: قال لي جعفر يوماً: يا إبراهيم: إذا كان غد فأبكر إلي.
فلمام كان الغد مشيت إليه بكرة، فجلسنا نتحدث. فلما ارتفع النهار أحضر حجاماً فحجمنا، ثم قدم لنا الطعام فطعمنا ثم خلع علينا ثياب المنادمة، وقال جعفر لخادمه: لا يدخل علينا أحد إلا عبد الملك القهرماني.
فنسي الحاجب ما قال فجاء عبد الملك بن صالح الهاشمي، وكان رجلاً من بني هاشم ذا ملاحة وعلم وحلم وجلالة قدر وفخامة ذكر وصيانة وديانة، فظن الحاجب أنه الذي أمره بإدخاله عليهما، فلما رآه جعفر تغير لونه ورآهم عبد الملك بن صالح على تلك الحالة، وظهر له أنهم احتشموه فأراد أن يرفع خجله وخجلهم بمشاركته لهم في فعلهم فقال: اصنعوا بنا ما صنعتم بأنفسكم.
فجاءه الخادم فطرح عليه ثياب المنادمة ثم جلس للشراب،فلما بلغ ثلاثاً قال للساقي: لتخفف عني فإني ما شربته قط.
فتهلل وجه جعفر فقال له: هل من حاجة تبلغها مقدرتي وتحيط بها نعمتي فأقضيها لك مكافأة لما صنعت.؟ قال: بلى، إن أمير المؤمنين علي غاضب، فسله الرضا عني.
قال: قد رضي عنك أمير المؤمنين.
قال: علي أربعة آلاف دينار.
قال: هي لك حاضرة من مال أمير المؤمنين.
قال: وابني إبراهيم أريد أن أشد ظهره بصهر من أمير المؤمنين.
قال: قد زوجه أمير المؤمنين بابنته عائشة.
قال: وأحب أن تخفق الألوية على رأسه.
قال: نعم، قد ولاه أمير المؤمنين مصر.
قال إبراهيم بن المهدي، فانصرف عبد الملك بن صالح وأنا أتعجب من إقدام جعفر على قضاء الحوائج من غير استئذان. فلما كان من الغد وقفنا على باب الرشيد ودخل جعفر فلم نلبث أن دعا بأبي يوسف القاضي ومحمد بن واسع وإبراهيم بن عبد الملك فعقد له النكاح وحملت البدر إلى منزل عبد الملك وكتب سجل إبراهيم على مصر وخرج جعفر فأشار إلي فلما سار إلى منزله ونزلت بنزوله التفت إلي وقال: لعل قلبك معلق بأمر عبد الملك بن صالح فأحببت معرفة خبره.
قلت: نعم.
قال لي: لما دخلت على أمير المؤمنين وتمثلت بين يديه وابتدأت القصة من أولها إلى آخرها، كما كانت، قال الرشيد: أحسن والله أحسن والله. ثم قال: ما صنعت؟ فأخبرته عما سأل وبما أجبته في ذلك فقال: أحسنت. وخرج إبراهيم والياً على مصر من يومه والله تعالى أعلم.
الفتى العاشق وجعفر قال إبراهيم بن إسحاق: كنت منقطعاً إلى البرامكة، فبينما أنا ذات يوم بمنزلي وإذا ببابي يدق فخرج غلامي وعاد وقال لي: على الباب فتى جميل يستأذن، فأذنت له، فدخل شاب عليه أثر السقم، فقال: لي مدة أحاول لقاءك ولي إليك حاجة.
فقلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يدي. وقال: أسألك أن تقبلها مني وتصنع لي لحناً في بيتين قلتهما.
فقلت: أنشدنيهما فقال:
بالله يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئن بدمعي لوعة الحزن
لا لا أبوحن حتى تنزلي سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني
قال: فصنعت لهما لحناً يشبه النوح ثم غنيته فأغمي عليه حتى أني ظننت أنه مات ثم أفاق، وقال: أعده فناشدته الله وقلت: أخشى أن تموت فقال: ليت ذلك، وما زال يخضع ويتضرع حتى رحمته وأعدته فصعق صعقةً أشد من الأولى، فلم أشك في موته وما زلت أنضح عليه من ماء الورد حتى أفاق ثم جلس، فحمدت الله على السلامة ووضعت دنانيره بني يديه وقلت: خذ مالك وانصرف عني.
فقال: لا حاجة لي بها ولك مثلها إن أعدته.
فشرهت نفسي فقلت: أعيده ولكن بثلاث شروط، أولها تقيم عندي تأكل من طعامي حتى تتقوى نفسك؛ الثاني أن تشرب من الشراب ما يمسك قلبك؛ الثالث أن تحدثني بحديثك.
ففعل ذلك ثم قال: إني رجل من أهل المدينة خرجت متنزهاً، وقد سال المطر في العقيق، مع إخواني فرأيت فتاة مع فتيات كأنها غصن جلله الندى، تنظر بعيني ما ارتد طرفهما إلا بنفس ملاحظهما، فظللن حتى فرغ النهار، فانصرفن وقد رمت بقلبي جراحاً بطيئة الاندمال، فعدت أتنسم أخبارها فلم أجد أحداً يرشدني إليها فجعلت أتتبعها في الأسواق فلم أقع لها على خبر، ومرضت أسىً، وحكيت قصتي لذات قرابة لي فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع ما انقضت وستمطر السماء فتخرج حينئذ، وأنا أخرج معك فافعل مرادك.
قال: فاطمأنت نفسي بذلك إلى أن سال العقيق وخرج الناس ينظرون فخرجت مع إخوتي وقرابتي، فجلسنا في مجلسنا بعينه فما لبثنا إلا والنسوة كفرسي رهان فقلت لذات قرابتي: قولي لهذه الجارية يقول لك هذا الرجل: لقد أحسن من قال:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد عاودت جرحاً به وندوبا
قال: فمضت إليها وقالت لها ذلك، فقالت لها: قولي له، وقد حسن من أجابه:
بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلنا ... نرى فرجاً يشفي القلوب قريبا
قال: فأمسكت عن الكلام خوف الفضيحة، وقمت منصرفاً، فقامت لقيامي فتبعتها قرابتي حتى عرفت منزلها، ورجعت فأخذتني، وسرنا إليها حتى اجتمعنا. واتصل ذلك حتى شاع وطهر وحجبها أبوها. فلم أزل مجتهداً في لقائها فلم أقدر، وشكوت ذلك إلى أبي فجمع أهلنا ومضى إلى أبيها راغباً في خطبتها فقال: لو بدا له ذلك قبل أن يفضحها لفعلت ولكنه شهرها، فما كنت لأحقق قول الناس. قال إبراهيم فأعدت عليه الصوت وعرفني منزله ثم انصرف. وكانت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى وحضرت على عادتي فغنيته شعر الفتى، فطرب وشرب أقداحاً وقال: ويلك! لمن هذا الصوت؟ فحدثته حديث الفتى فأمرني بالركوب إليه وأن أجعله على ثقة من بلوغ أربه، فمضيت إليه وأحضرته فاستعاد الحديث فحدثه فقال: هي في ذمتي حتى أزوجك إياها فطابت نفسه، وأقام معنا، فلما أصبح ركب جعفر إلى الرشيد وحدثه بذلك فاستظرفه، وأمر أن يحضرا جميعاً واستعاد الصوت وشرب عليه، فأمر بكتب كتاب إلى عامل الحجاز بإحضار المرأة وأهلها ووالدها مبجلين إلى حضرته، والإنفاق عليهم نفقة واسعة، فلم يمض إلا يسير حتى حضروا، فأشار الرشيد بإيصال الرجل إليه، فحضر وأمر بتزويج ابنته من الفتى، وأعطاه ألف دينار، ونقلت إلى أهله، ولم يزل الشاب من ندماء جعفر حتى حدث ما حدث فاد الفتى بأهله إلى المدينة، فرحم الله تعالى أرواحهم أجمعين.
الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلام
حكاية أجنبية مما اتفق أن الوزير أبا عامر أحمد بن مروان كان قد أهدي له غلام من النصارى لا تقع العيون على أحسن منه. فلمحه الملك الناصر، فقال له: أنى لك هذا؟ قال: هو من عند الله.
فقال: تتحفونا بالنجوم، وتستأثرون بالأقمار.
فاعتذر إليه ثم احتفل في هدية بعثها إليه مع الغلام، وقال له: كن داخلاً في جملة الهدية ولولا الضرورة ما سمحت بك نفسي، وكتب معه هذه الأبيات:
أمولاي هذا البدر سار لأفقكم ... وللأفق أولى بالبدور من الأرض
أرضيكم بالنفس، وهي نفيسة ... ولم أر قبلي من بمهجته يرضي
قال: فحسن ذلك عند الناصر، وأتحفه بمال جزيل، وتمكن عنده، ثم بعد ذلك أهديت للوزير جارية من أجمل نساء الدنيا، فخاف أن ينهى ذلك إلى الناصر فيطلبها، فتكون كقصة الغلام، فاحتفل في هدية أعظم من الأولى وأرسلها مع الجارية، وكتب معها هذه الأبيات:
أمولاي هذي الشمس والبدر أولاً ... تقدم كيما يلتقي القمران
قران لعمري بالسعادة ناطق ... فدم معها في كوثر وجنان
فما لهما والله في الحسن ثالث ... وما لك في ملك البرية ثان
قال: فتضاعفت مكانته عنده، ثم وشى به بعض أعدائه عند الناصر أن عنده بقية من حب الغلام، وأنه لا يزال يلهج بذكره حين تحركه الشمول، فيقرع السن على تعذر الوصول إليه. فقال الناصر للواشي: لا تحرك به لسانك، وإلا طار رأسك، وكتب على لسان الغلام ورقة فيها: يا مولاي تعلم أنك كنت لي على الانفراد، ولم أزل معك في نعيم وأنا وإن كنت عند السلطان مشاركاً في منزله محاذراً ما يبدو من سطوة الملك، فتحيل في استدعائي منه.
ثم بعثها مع غلام صغير وأوصاه أن يقول هي من عند فلان، وإن الملك لم يكلمه قط، فلما وفق عليها أبو عامر واستخبر الخادم أحس بالمكيدة، فكتب على ظهر الورقة يقول:
أمن بعد أحكام التجارب ينبغي ... لدي سقوط العير في غابة الأسد
ولا أنا ممن يغلب الحب عقله ... ولا جاهل ما يدعيه أولو الحسد
فإن كنت روحي قد وهبتك طائعاً ... وكيف يرد الروح إن فارق الجسد
فلما وقف الناصر على الجواب تعجب من فطنته، ولم يعد إلى سماع واشٍ فيه بعد ذلك، ثم قال له: كيف خلصت من الشرك؟ قال: لأن عقلي بالهوى غير مشترك.
سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد والقصة في ذلك على ما رواه إبراهيم بن إسحاق عن أبي ثور زاهر بن صقلاب قال: بلغني أنه كان لهارون الرشيد مجلس بالليل مع جعفر البرمكي. فقال له يوماً: لا يطيب لي ذلك إلا بمحضر أختي ميمونة. ولكن لا يجوز إلا إن كتبت لك عليها لإباحة النظر من غير أن تقربها.
فاتفقا على ذلك وعقد له عليها ثم أحضرها فكانت تحضر لذلك المجلس إلا أنه زاد غرامها وعشقها فيه، وكان لجعفر البرمكي امرأة تزين له الجواري كل ليلة، فجاءت ميمونة إليها ورشتها بمال فزينتها له، وأدخلتها عليه، فظن أنها جارية فواقعها. فلما أصبحوا قالت له: أنا ميمونة، وقد كنت أسألك أن تساعدني على مودتك فتأبى. فلما أيست منك احتلت عليك بما رأيت في هذه الليلة، وإن لم تواظب لأكونن سبباً في سلب نعمتك، وهل أنت إلا زوجي؟ فقال لها جعفر: ويحك أهلكتني وأهلكت نفسك.
وكان كما قال، ولم يزرها حتى ظهر أمرها للرشيد، فهذا كان سبب قتل البرامكة وهذا ابتداء الحديث.
قال المبرد: قال أبو عبد الله المارستاني عن يحيى بن أكثم القاضي، قال: سألت إسماعيل بن يحيى الهاشمي عن سبب زوال نعمة البرامكة.
قال: نعم أعرف صحة الخبر وباطن القصة: كان سبب ذلك أني كنت مع الرشيد يوماً من الأيام راكباً إلى الصيد، فبينما نحن نسير إذ نظر إلى موكب بالعبد اعترضنا، فقال لي: يا إسماعيل لمن هذا؟ فقلت: هو لأخيك جعفر بن يحيى.
فالتفت يميناً وشمالاً إلى من معه في موكبه، فإذا هو شرذمة يسيرة، ثم نظر إلى الموكب الذي فيه جعفر فلم يره. فقال: يا إسماعيل ما فعل جعفر وموكبه؟ فقلت: يا سيدي قد مضى أخوك في طريق ولم يعلم بموضعك.
فقال: ما رآنا أهلاً أن يزيننا بمركبه ويجملنا بجيشه.
فقلت: العفو يا أمير المؤمنين، لو علم بمكانك ما تعداك وما سار إلا بين يديك، واعتذرت بما حضر لي من الكلام.
ثم سرنا حتى انتهينا إلى ضيعة عامرة ومواشٍ كثيرة وعمارة حسنة، وكان الطريق يدور عليها، فدرنا حتى وردنا باب القرية، فنظر الرشيد إلى البيدر وإلى كثرة الغلال فيه والمواشي ويسار أهلها، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل لمن هذه الضيعة؟ قلت: لأخيك جعفر بن يحيى.
فسكت ثم تنفس الصعداء ثم سرنا ولم يزل يمر بكل ضيعة أعمر من الأخرى، وكلما مر وسألني عن ضيعة قلت: لجعفر بن يحيى، حتى سرنا ووصلنا إلى المدينة، فلما أردت وداعه والانصراف إلى منزلي نظر إلي من كان حواليه نظرة، فعلموا ما أراد فتفرقوا وبقيت أنا وهو، فقال: يا إسماعيل.
قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
فقال: انظر إلى البرامكة أغنيناهم وأفقرنا أولادنا وأغفلنا أمرهم.
فقلت في نفسي: بلية والله، ثم قلت: لماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: نظرت لهؤلاء وغفلت عن هؤلاء لأني لا أعرف لأحد من أولادي ضيعة من ضياع البرامكة على طريق واحد، على قرب هذا المدينة، فكيف بما هو لهم غير ذلك على غير هذا الطريق في سائر البلدان.
فقلت: يا أمير المؤمنين إنما البرامكة عبيدك وخدمك، والضيعات وأموالهم وكل ما يملكون لك.
فنظر إلي نظرة جبار عنيد.
ثم قال: ما عد البرامكة بني هاشم إلا عبيدهم، وأنهم هم الدولة وأن لا نعمة لبني العباس إلا والبرامكة أنعموا عليهم بها.
فقلت: أمير المؤمنين أبصر من غيره بخدمه ومواليه.
فقال: والله يا إسماعيل! إنك لتعلم أني قلت هذا وكأني أراك أن تعلمهم بكلامي فتتخذ لك عندهم يداً، وإني آمرك أن تكتم هذا الأمر فإنه ما علم به أحد غيرك، ومتى بلغهم شيء مما جرى؟ علمت أنه ما أفشاه إلا أنت.
فقلت: يا أمير المؤمنين، أعوذ بالله أن يكون مثلي يفشي سرك.
قال: وكان هذا القول أول ما ظهر من أمر البرامكة، ثم ودعته وانصرفت متفكراً في إيقاع الحيلة عليهم. فلما كان من الغد بكرت إليه، وجلست بين يديه وكان في محل يشرف على الدجلة من شرقي مدينة باب السلام، وبإزائه منزل جعفر من الجانب الغربي، وكانت المواكب من جميع الأَصناف: من قائد وأمير وعامل يردون في كل يوم إلى قصر جعفر، فالتفت إلي وقال: يا إسماعيل، هذا ما كنا فيه بالأمس. انظر كم على باب جعفر من الجيوش والغلمان والمواكب، وأنا ما على باب داري أحد؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ناشدتك الله أن لا تعلق نفسك بشيء من هذا. وإن جعفراً إنما هو عبدك وخادمك ووزيرك وصاحب جيوشك، إذا لم يكن الجيش على بابه فعلى باب من يكون؟ إنما بابه باب من أبوابك.
فقال: يا إسماعيل، أنظر إلى دوابهم ألست ترى أعجازهم إلى قصري وتروث بإزائنا، ونحن ننظر إليها، والله هذا هو الاستخفاف بعينه، والله لا أصبر على ذلك.
ثم غضب غضباً شديداً وامتلأ غيظاً، فأمسكت عن الكلام وقلت: والله هذا قضاء من الله سابق وحكم لا محالة واقع، ثم استأذنته في الانصراف ورجعت إلى منزلي، فلقيني جعفر في الطريق يريد الرشيد، فتواريت عنه حتى مضى، فدخل إليه وسلم عليه فأجلسه عن يمينه وأكرمه غاية الإكرام وبش في وجهه وحادثه ساعة ووهب له خادماً من خاصة خدمه وأنبلهم وأوضحهم وجهاً وأكملهم ظرفاً، كاتباً حاسباً لبيباً، فسر جعفر سروراً كاملاً، ووقع في قلبه أجل موقع، وكان دسيساً عليه وبلية لديه يرفع أخباره إلى الرشيد ويحصي عليه أنفاسه ساعة بساعة ووقتاً بوقت، فخلا به جعفر يومه ذلك وليلته واحتجب من أجله عن الناس، فلما كان بعد ثلاثة أيام سرت إلى جعفر فسلمت عليه، فلما خلا مجلسه ولم يبق عنده غيري وذلك الخادم واقفٌ، وعلمت أن الخادم يحصي علينا أخبارنا فقلت: أيها الوزير، نصيحة أفتأذن لي في الكلام؟ قال: تكلم.
وكان الرشيد ولاه كورة خراسان كلها وما يضاف إليها وينسب لها قبل هذا الكلام بأيام، وخلع عليه وعقد له لواء وعسكراً بالنهروان، وضرب الناس مضاربهم بها، وهم متأهبون للسفر، فقلت: يا سيدي! أنت عازم على الخروج إلى بلدة كثيرة الخير واسعة الأقطار عظيمة المملكة، فلو صيرت بعض ضياعك لولد أمير المؤمنين لكان أحظى لمنزلتك عنده؟ فلما قلت ذلك نظر إلي مغضباً وقال: والله يا إسماعيل، ما أكل الخبز ابن عمك أو قال صاحبك إلا بفضلي، ولا قامت هذا الدولة إلا بنا، أما كفى أني تركته لا يهتم بشيء من أمر نفسه وولده وحاشيته ورعيته، وقد ملأت بيوت أمواله أموالاً، ولا زلت للأمور الجليلة أدبرها حتى يمد عينيه إلى ما ادخرته واخترته لولدي وعقبي من بعدي، وداخله حسد بني هاشم وبغيهم ودب فيه الطمع والله لئن سألني شيئاً من ذلك ليكونن وبالاً عليه سريعاً.
فقلت: والله يا سيدي، ما كان مما ظننت شيء ولا تكلم أمير المؤمنين بحرف.
قال: فما هذا الفضول منك، فقعدت بعدها هنيهة ثم قمت إلى منزلي ولم أركب إليه ولا إلى الرشيد لأني صرت بينهما في حال تهمة، وقلت في نفسي: هذا الخليفة وهذا وزيره، وأي شيء لي بالدخول بينهما؟ ولا شك في زوال نعمة البرامكة، وأن أمورهم قد انثلمت.
قال: وحدثني خادم أم جعفر: أن الخادم الذي وهبه الرشيد لجعفر كتب إلى الرشيد بما كان بيني وبينه، وما تكلم به من الكلام الغليظ.
قال: فلما قرأ الكتاب وفهم الخبر احتجب ثلاثة أيام متفكراً في إيقاع الحيلة على البرامكة فدخل في اليوم الرابع على زبيدة فخلا بها وشكا لها ما في قلبه، وأطلعها على الكتاب الذي رفعه إليه الخادم، وكان بين جعفر وزبيدة شر وعداوة قديمة فلما تملكت الحجة عليه بالغت في المكر بهم واجتهدت في هلاكهم، وكان الرشيد يتبرك بمشورتها، فقال: أشيري علي برأيك الموافق الرشيد، إني خائف أن يخرج الأمر من يدي إن تمكنوا من خراسان وتغلبوا عليها؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! مثلك مع البرامكة كمثل رجل سكران غريق في بحر عميق، فإن كنت قد أفقت من سكرتك وتخلصت من غرفتك أخبرتك بما هو أصعب عليك وأعظم من هذا بكثير؛ وإن كنت على الحالة الأولى تركتك.
فقال لها: قد كان ما كان، فقولي أسمع منك.
فقالت: إن هذا الأمر أخفاه عنك وزيرك وهو أصعب مما أنت فيه وأقبح وأشنع.
فقال لها: ويحك، وما هو؟ فقالت: أنا أجل من أن أخاطبك به ولكن تحضر أرجوان الخادم وتشدد عليه وتوهنه ضرباً فإنه يعرفك الخبر.
وكان الرشيد قد أحل جعفراً محلاً لم يحله أخوه ولا أبوه، وأمره أن يدخل على الحريم في السفر والحضر وأبرز إليه جواريه وأخواته وبناته لأنه كان بينهما رضاع سوى امرأته زبيدة، فإنه لم يكن رآها ولا دخل عليها ولا قضى لها حاجة، ولا هي أيضاً تستقضيه حاجة، فلما فسد قلب الرشيد وعزم على هلاك البرامكة وجدت سبيلاً على البرامكة فحطت على جعفر، وكان جعفر يدخل على الحريم في غياب الرشيد ويقضي حوائجهن لأنهن لا يستترن منه، وكان ذلك بأمر الرشيد، ولم يعلم الرشيد ما حدث من جعفر.
قال: فخرج الرشيد واستدعى أرجوان الخادم وأحضر السيف. والنطع، وقال: برئت من المنصور إن لم تصدقني في حديث جعفر لأقتلنك.
فقال: الأمان يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم لك الأمان.
فقال: اعلم أن جعفراً قد خانك في أختك ميمونة، وقد دخل بها منذ سبع سنين وولدت منه ثلاث بنين: أحدهم له ست سنين، والآخر له خمس سنين والثالث عاش سنتين ومات قريباً، والاثنان قد أنفذهما إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه، وهي حامل بالرابع، وأنت أذنت له بالدخول على أهل بيتك، وأمرتني أن لا أمنعه في أي وقت شاء ليلاً أو نهاراً.
قال: أمرتك أن لا تحجبه، فحين حدثت هذه الحادثة لم لا أخبرتني أول مرة؟ ثم أمر بضرب عنقه، وقام من وقته على الفور، ودخل على زبيدة، وقال لها: أرأيت ما عاملني به جعفر وما ارتكب من هتك ستري ونكس رأسي وفضحني بين العرب والعجم؟ فقالت: هذه شهوتك وإرادتك، عمدت إلى شاب جميل الوجه حسن الثياب طيب الرائحة جبار في نفسه، أدخلته على ابنة خليفة من خلفاء الله، وهي أحسن منه وجهاً، وأنظف منه ثوباً، وأطيب منه رائحة، لكنها لم تر رجلاً قط غيره، فهذا جزاء من جمع بين النار والحطب.
فخرج من عندها مكروباً فدعا بخادمه مسروراً، وكان قاسي القلب فظاً غليظاً قد نزع الله الرحمة من قلبه، فقال: يا مسرور، إذا كان الليلة بعد العتمة فأتني بعشرة من الفعلة أجلاداً ومعهم خادمان.
قال: نعم.
فلما كان بعد العتمة جاء مسرور ومعه الفعلة والخادمان، فقام الرشيد وهم بين يديه حتى أتى المقصورة التي فيها أخته فنظر إليها وهي حامل فلم يكلمها بشيء ولم يعاتبها على ما فعلت، وأمر الخادمين بإدخالها في صندوق كبير في مقصورتها بعد قتلها ووضعها بحليها وثيابها كما هي وأقفل عليها، وقد علمت أنها بعد قتل أرجوان لاحقة به، فلما علم أنه استوثق بها دعا بالفعلة ومعهم المعاول والزنابيل فحفروا وسط تلك المقصورة حتى بلغوا الماء وهو قاعد على كرسي، ثم قال: حسبكم! هاتوا الصندوق، فدلوه في تلك الحفرة، ثم قال: ردوا التراب عليه، ففعلوا وسووا الموضع كما كان، ثم أخرجهم وأقفل الباب وأخذ المفتاح معه وجلس في موضعه والفعلة والخادمان بين يديه، ثم قال: يا مسرور! خذ هؤلاء القوم وأعطهم أجرتهم، فأخذهم مسرور وجعلهم في جواليق وخيط عليهم بعد أن ثقلهم بالصخر والحصى ورماهم في وسط الدجلة ورجع من وقته فوقف بين يديه، فقال: يا مسرور! فعلت ما أمرتك به؟ قال: وفيت القوم أجورهم.
فدفع ليه مفتاح البيت، وقال: احفظه حتى أسألك عنه، وامض الآن فانصب في وسط المحل القبة التركية.
ففعل ذلك ووافاه قبل الصبح ولم يعلم أحد ما يريد. فلما جلس في مجلسه وكان يوم الخميس يوم موكب جعفر. قال: يا مسرور لا تتباعد عني.
ودخل الناس فسلموا عليه ووقفوا على مراتبهم ودخل جعفر بن يحيى البرمكي فسلم عليه فرد عليه السلام أحسن رد ورحب به وضحك في وجهه، فجلس في مرتبته، وكانت مرتبته أقرب المراتب إلى أمير المؤمنين، ثم حدثه ساعة وضاحكه، فأخرج جعفر الكتب الواردة عليه من النواحي؛ فقرأها عليه، وأمر، ونهى، ومنع، ونفذ الأمور، وقضى حوائج الناس، ثم استأذنه جعفر في الخروج إلى خراسان في يومه ذلك، فدعا الرشيد بالمنجم، وهو جالس بحضرته فقال الرشيد: كم مضى من النهار.
قال: ثلاث ساعات ونصف.
وأخذ له الارتفاع وحسب له الرشيد بنفسه ونظر في نجمه، فقال: يا أخي، هذا يوم نحوسك، وهذه ساعة نحس، ولا أرى إلا أنه يحدث فيها حدث، ولكن تصلي الجمعة وترحل في سعودك وتبيت في النهروان وتبكر يوم السبت وتستقبل الطريق بالنهار، فإنه أصلح من اليوم.
فما رضي جعفر بما قاله الرشيد حتى أخذ الاصطرلاب من يد المنجم وقام وأخذ الطالع وحسب الطالع لنفسه، وقال: والله صدقت يا أمير المؤمنين؛ إن هذه الساعة ساعة نحسن وما رأيت نجماً أشد احتراقاً ولا أضيق مجرى من البروج في مثل هذا اليوم.
ثم قام وانصرف إلى منزله، والناس والقواد والخاص والعام من كل جانب يعظمونه ويبجلونه إلى أن وصل إلى قصره في جيش عظيم، وأمر ونهى وانصرف الناس فلم يستقر به المجلس حتى بعث إليه الرشيد مسروراً، وقال له: امض إلى جعفر وأتني به الساعة، وقل له: وردت كتب من خراسان، فإذا دخل الباب الأول أوقف الجند، وإذا دخل الباب الثاني أوقف الغلمان، وإذا دخل الباب الثالث فلا تدع أحداً يدخل معه من غلمانه، بل يدخله وحده، فإذا دخل صحن الدار فمل به إلى القبة التركية التي أمرتك بنصبها فاضرب عنقه، وائتني برأسه، ولا توقف أحداً من خلق الله على ما أمرتك به، ولا تراجعني في أمره، وإن لم تفعل أمرت من يضرب عنقك ويأتيني برأسك ورأسه جملة، وفي هذا كفاية، وأنت أعلم، وتبادر قبل أن يبلغه الخبر من غيرك.
فمضى مسرور واستأذن على جعفر فدخل عليه، وقد نزع ثيابه وطرح نفسه ليستريح، فقال: سيدي! أجب أمير المؤمنين.
قال: فانزعج وارتاع منه، وقال: ويلك يا مسرور! أنا في هذه الساعة خرجت من عنده؛ فما الخبر؟ قال: وردت كتب من خراسان يحتاج أن تقرأها.
فطابت نفسه ودعا بثيابه فلبسها وتقلد سيفه وذهب معه، فلما دخل من الباب الأول أوقف الجند وفي الثاني أوقف الغلمان، فلما دخل من الباب الثالث التفت فلم ير أحداً من غلمانه ولا الخادم الفرد، فندم على ركوبه تلك الساعة ولم يمكنه الرجوع، فلما صار بإزاء تلك القبة المضروبة في صحن الدار مال به إليها وأنزله عن دابته وأدخله القبة فلم ير فيها أحداً.
وفي رواية: رأى فيها سيفاً ونطعاً فحس بالبلاء، وقال لمسرور: يا أخي ما الخبر؟ فقال له مسرور: أنا الساعة أخوك، وفي منزلك تقول لي: ويلك! أنت تدري ما القضية؟ وما كان الله ليهملك ولا ليغفلك، فقد أمرني أمير المؤمنين بضرب عنقك وحمل رأسك إليه الساعة.
فبكى جعفر وجعل يقبل يدي مسرور ورجليه، ويقول: يا أخي! يا مسرور، قد علمت كرامتي لك دون جميع الغلمان والحاشية، وأن حوائجك عندي مقضية في سائر الأوقات، وأنت تعرف موضعي ومحلي من أمير المؤمنين، وما يوحيه إلي من الأسرار، ولعل أن يكونوا بلغوه عني باطلاً، وهذه مائة ألف دينار أحضرها لك الساعة قبل أن أقوم من موضعي هذا، وخلني أهيم على وجهي.
فقال لا سبيل إلى ذلك أبداً.
قال: فاحملني إليه وأوقفني بين يديه، فلعله إذا وقع نظره علي تدركه الرحمة فيصفح عني؟ قال: ما لي سبيل إلى ذلك أبداً، ولا يمكنني مراجعته، وقد علمت أنه لا سبيل إلى الحياة أبداً.
قال: فتوقف عني ساعة وارجع إليه، وقل له: قد فرغت مما أمرتني به، واسمع ما يقول، وعد فافعل ما تريد، فإن فعلت ذلك وحصلت لي السلامة، فإني أشهد الله وملائكته أني أشاطرك في نعمتي مما ملكته يدي وأجعلك أمير الجيش وأملكك أمر الدنيا.
ولم يزل به وهو يبكي حتى طمع في الحياة، فقال له مسرور: ربما يكون ذلك.
وحل سيفه ومنطقته وأخذهما ووكل به أربعين غلاماً من السودان يحفظونه ومضى مسرور ووقف بين يدي الرشيد وهو جالس يقطر غضباً، وفي يده قضيب ينكث به الأرض. فلما رآه قال له: ثكلتك أمك ما فعلت في أمر جعفر؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد أنفذت أمرك فيه.
فقال: فأين رأسه؟ فقال: في القبة.
قال: فأتني برأسه الساعة.
فرجع مسرور وجعفر يصلي، وقد ركع ركعة فلم يمهله أن يصلي الثانية حتى سل سيفه الذي أخذه منه وضرب عنقه وأخذ رأسه بلحيته فطرحه بين يدي أمير المؤمنين، وهو يشخب دماً فتنفس الصعداء وبكى بكاء شديداً وجعل ينكت الأرض أثر كل كلمة ويقرع أسنانه بالقضيب، ويخاطبه، ويقول: يا جعفر ألم أحلك محل نفسي؟ يا جعفر! ما كافأتني ولا عرفت حقي ولا حفظت عهدي ولا ذكرت نعمتي ولا نظرت في عواقب الأمور، ولا تفكرت في صروف الدهر، ولا حسبت تقلب الأيام واختلاف أحوالها، يا جعفر خنتني في أهلي وفضحتني بين العرب والعجم، يا جعفر، أسأت إلي وإلى نفسك ولا تفكرت في عاقبة أمرك.
قال مسرور: وأنا واقف بين يديه، وهو ينكت الأرض في كل كلمة، وملم يزل كذلك إلى أن أذن لصلاة الظهر، فدعا بماء فتوضأ للصلاة وخرج للجامع فصلى بالناس جماعة، ثم التفت بوجهه لقصور جعفر ودوره وقبض على أبيه وأخيه وجميع أولاد البرامكة ومواليهم وغلمانهم واستباح ما فيها، ووجه مسروراً إلى العسكر فأخذوا جميع ما فيه من مضارب وخيام وسلاح وغير ذلك. فلما أصبح يوم السبت، فإذا هو قد قتل من البرامكة وحاشيتهم نحو ألف إنسان، وترك من بقي منهم لا يرجع إلى وطنه وشتت شملهم في البلاد، ولم يقدر أحد منهم على كسرة خبز، وحبس أباه يحيى وأخاه الفضل في مطمورة، وأمر بجثة جعفر فصلبت على الجسر ببغداد، ثم بعث إلى خراسان أن يوطن بلادها، وأمر الناس فردوا مضاربهم ودخل العسكر، ثم وجه إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بالصبيين ولدي جعفر من أخته ميمونة فأدخلا عليه في بيته، فلما رآهما أعجب بهما وكانا في نهاية من الحسن والجمال، فاستنطقهما فوجد لغتهما مدنية وفصاحتها هاشمية، وفي ألفاظهما عذوبة وبلاغة، فقال لكبيرهما: ما اسمك يا قرة عيني؟ قال: الحسن.
قال للصغير: ما اسمك يا حبيبي؟ قال: الحسين.
فنظر إليهما وبكى بكاء شديداً، ثم قال: يعز علي حسنكما وجمالكما لا رحم الله من ظلمكما ولم يدريا ما يراد بهما، ثم قال: ما فعلت بالمفتاح الذي دفعته لك وأمرتك بحفظه؟ قال: هو حاضر يا أمير المؤمنين.
قال: فائتني به.
ثم دعا بجماعة من الغلمان والخدم وأمرهم أن يحفروا في البيت حفرة عميقة ودعا مسروراً وأمره بقتلهما ودفنهما مع أمهما في تلك الحفرة، رحمهم الله تعالى جميعاً، وهو مع ذلك يبكي بكاء شديداً حتى ظننت أنه رحمهما، ثم مسح عينيه من الدموع وأمر أن لا تذكر البرامكة في مجلس، ولا يستعان بمن بقي منهم في المدينة أبداً، فخرجوا على وجوههم في البلاد شاردين متنكرين وقطع الله دابرهم.
قال: فلما كان بعد مدة من هلاك البرامكة وجد الرشيد رقعة تحت مصلاه فيها خطاب وأبيات من الشعر فبحث عنها، فقيل: إن صاحب السر عملها، فبعث إليه فسأله عنها، فقال: يا أمير المؤمنين وجدتها في صحن الدار، ولا أعلم من طرحها فأخذتها وطرحتها تحت مصلاك، فقيل: إن ذلك من زبيدة لتهلك من بقي من البرامكة فعملت الرقعة للرشيد وحركته وزادت في غيظه، فاستدعى في الوقت بالفضل بن يحيى وضربه سياطاً حتى كاد يهلكه وزاد في حديده وأغلاله، ثم استدعى يحيى وكان شيخاً كبيراً، وزاد في حديده وأغلاله أيضاً، وكان قد أنشأ في النعيم، فتذكر فقد جعفر وتشتت الأهل، فكتب كتاباً إلى الرشيد يستعطفه ويسأله أن يخفف عنه من القيد والغل، وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى أمير المؤمنين ونسل المهديين وإمام المسلمين وخليفة رسول الله رب العالمين، من عبد أسلمته ذنوبه وأوثقته عيوبه وخذله شقيقه ورفضه صديقه وخانه الزمان وأناخ عليه الخذلان ونزل به الحدثان فصار إلى الضيق بعد السعة، وعالج الموت بعد الدعة، وشرب كأس الموت مترعة، وافترش السخط بعد الرضا، واكتحل بالسهر بعد الكرى، فنهاره فكر ونومه سهر، وساعته شهر وليله دهر قد عاين الموت مراراً وشارف الهلاك جهاراً، يا أمير المؤمنين، قد أصابتني مصيبتان: الحال والمال، أما المال، فإن ذلك منك ولك، وكان في يدي عارية منك، ولا بأس برد العواري إلى أهلها، وما المصيبة بجفعر فبجرمه وجراءته وعاقبته بما استخف من أمرك وكان جزاؤه فوق ما استحق، وأما الفقير، فاذكر يا أمير المؤمنين خدمتي وارحم ضعفي ووهن قوتي وهب لي رضاك فمن مثلي الزلل ومن مثلك الإقالة، ولست أعتذر ولكن أقر وقد رجوت أن أفوز برضاك فتقبل عذري وصدق نيتي وظاهر طاعتي وتلويح حجتي ففي ذلك ما يكتفي به أمير المؤمنين ويرى الحقيقة فيه ويبلغ المراد منه، ثم أنشأ يقول:
قل للخيلفة ذي الصنا ... ئع والعطايا الفاشيه
وابن الخلائف من قري؟ ... شٍ والملوك العاليه
رأس الأمور وخير من ... ساس الأمور الماضيه
إن البرامكة الذي؟ ... ن رموا لديك بداهيه
عمتهمو لك سخطة ... لم تبق منهم باقية
؟فكأنهم مما بهم أعجاز نخل خاويه
صفر الوجوه عليهم ... خلع المذلة باديه
مستضعفون ومطردو ... ن بكل أرضٍ قاصيه
بعد الإمارة والوزا ... رة والأمور الساميه
ومنازل كانوا بها ... فوق المنازل عاليه
أضحوا، وجل منا همو ... منك الرضا والعافيه
يا من يريد لي الردى ... يكفيك ويحك ما بيه
يكفيك أني مستبا ... ح عترتي ونسائيه
يكفيك ما أبصرته ... ذلي وذل مكانيه
فلقد رأيت الموت من قبل الممات علانيه
وبكاء فاطمة الكبي؟ ... رة والدموع الجاريه
ومقالها بتفجع: ... يا سوأتي وشقائيه
من لي، وقد غلب الزما ... ن على جميع رجاليه
يا لهفَ نفسي، لهفاً ... ما للزمان وما ليه
أوما سمعت مقالتي ... يا ذا الفروع الزاكيه
يا عطفة الملك الرضا ... عودي علينا ثانيه
فلما وقف الرشيد على الرقعة، كتب على ظهرها هذه الأبيات:
يا آل برمك! إنكم ... كنتم ملوكاً عاتيه
فعصيتمو وطغيتمو ... وكفرتمو نعمائيه
هذي عقوبة من عصى ... من فوقه وعصانيه
أجري القضاء عليكمو ... ما خنتموه علانيه
من ترك نصح إمامكم ... عند الأمور الباديه
ثم أردفه بقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم " وضرب الله مثلاً، قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون " فلما قرأها يحيى، وهو بالسجن، أخذته الحمى لوقته وساعته، وكان ينام على التراب وأيس من الحياة، وعلم أنه ليس له مخلص مما هو فيه من السجن، انتهى.
أحسن ما رأى جعفر وقيل ليحيى بن خالد برمك: أيها الوزير، أخبرنا بأحسن ما رأيت في أيام سعادتك؟ قال: ركبت يوماً في بعض الأيام في سفينة أريد التنزه، فلما خرجت برجلي لأصعد، فاتكأت على لوح من ألواحها وكان بأصبعي خاتم فطار فصه من يدي، وكان ياقوتاً أحمر قيمته ألف مثقال من الذهب، فتطيرت من ذلك. ثم عدت إلى منزلي، وإذا بالطباخ قد أتى بذلك الفص بعينه، وقال: أيها الوزير لقيت هذا الفص في بطن حوت، وذلك لأني اشتريت حيتاناً للمطبخ، فشققت بطنها فرأيت هذا الفص، فقلت: لا يصلح هذا إلا للوزير أعزه الله تعالى. فقلت الحمد لله هذا بلوغ الغاية.
أعظم ما مر به وقيل له: أخبرنا ببعض ما لقيت من المحن؟ قال: اشتهيت لحماً في قدر طباخ، وأنا في السجن فغرمت ألف دينار في شهوتي حتى أتيت بقدر ولحم مقطع في قصبة فارسية، والخل وسائر حوائجها في قصبة أخرى وتركوا عندي ما أحتاج إليه، وأتيت بنار فأوقدت تحت القدر ونفخت، ولحيتي في الأَرض حتى كادت روحي تخرج. فلما أنضجت تركتها تفور وتغلي وفتت الخبز وعمدت لأنزلها فانفلتت وانكسرت القدر على الأرض، فبقيت ألتقط اللحم وأمسح منه التراب وآكله. وذهب المرق الذي كنت أشتهيه، وهذا عظم ما مر بي، انتهى.
؟
موت يحيى البرمكي ثم إن الرشيد نذر الحج، فخرج وخرج معه العسكر وكان خروجه في رمضان، فكانت تضرب له السرادقات المكللة بالديباج مفروشة بالحرير، يخرج من سرادق إلى سرادق، والناس محدقون به، حتى وصل إلى الحرم وحج. فاتفق أن الوفاة دنت من يحيى، وهو في السجن، فكتب رقعة وأوصى ولده الفضل أن يوصلها إلى الرشيد وكتب فيها هذه الأبيات:
ستعلم في الحساب إذا التقينا ... غداً، يومَ القيامة، من الظلومُ
؟وينقطع التلذذ عن أناس ... من الدنيا، وتنقطع الهموم
تنام ولم تنم عنك المنايا ... تنبه للمنية يا نؤوم
تروم الخلد في دار المنايا ... وكم قد رام غيرك ما تروم
؟إلى ديان يوم الدين نمضي وعند الله تجتمع الخصوم قال: فلما قدم الرشيد أنفذها إليه الفضل. فلما قرأها علم بموته فقال: مات والله يحيى، ومات الجود والكرم والسخاء، والله لو كان حياً لفرجت عنه، ثم أمر بإطلاق الفضل ابنه واستوزره مكان أخيه جعفر، رحمة الله عليهم أجمعين.
؟مدح البرامكة قال بعضهم في البرامكة:
إن البرامكة الكرام تعلموا ... فعل الكرام فعلموه الناسا
كانوا إذا غرسوا سقوا، وإذا بنوا ... لم يهدموا مما بنوه أساسا
وإذا همو صنعوا الصنائع في الورى ... جعلوا لها طولَ البقاء لباسا
فعلام تقصيني وأنت سقيتني ... من مر هجرك، من جنابك كاسا
آنستني متفضلاً، أفلا ترى ... أن انقطاعك يُوحش الإيناسا
؟
رأي الموصلي بالبرامكة وسئل إسحاق الموصلي أن سخاء أولاد يحيى بن خالد، فقال: أما الفضل ففعله يُرضيك، وما جعفر فقوله يرضيك، وأما محمد فيفعل ما يجد، وفي يحيى يقول القائل:
سألت الندى: هل أنت حر، فقال لا ... ولكنني عبد ليحيى بن خالد
فقلت: شراءً قال: لا بل وراثةً ... توارثني من والد بعد والد
وفي الفضل يقول القائل:
إذا نزل الفضل بن يحيى ببلدةٍ ... رأيت بها عشب السماحة ينبت
فليس بسعال إذا سيل حاجةً ... ولا بمكب في ثرى الأرض ينكت
وفي محمد يقول القائل:
سألت الندى والجود: مالي أراكما ... تبدلتما عزاً بذل مؤيد؟
وما بال ركن المجد أمسى مهدماً؟ ... فقالا: أَحبنا في ابن يحيى محمد
فقلت: فهلا متما بعد موته ... وقد كنتما عبديه في كل مشهد؟
فقالا أقمنا كي نعزي بفقده ... مسافة يوم ثم نتلوه في غد
منتهى الكرم للبرامكة وذكر الحافظ السيوطي: نفعنا الله به في رسالته: مشتهر العقول في منتهى النقول، أن منتهى الكرم للوزراء البرامكة، كاد أن لا يوجد أحد من العلماء والحكماء والعظماء والندماء إلا وللبرامكة عليه كرم نما كماء السماء، وتكرم جعفر بخمسين ألف دينار من الذهب وتكرر منه كثيراً في ولايته كلها من غير من ولا أذى ولا لغرض ولا لمرض، حتى صار يضرب بهم المثل الأكبر بقولهم: تبرمك فلان.
ومن كرم جعفر أنه تكرم في ويوم على ألف شاعر، أعطى كل شاعر ألف درهم، والدرهم ثلاثة أًصناف فضة. ومن كرمه أنه تكرم على من هجاه بخمسة آلاف دينار وعفا عن تأديبه وتعذيبه.
فقر البرامكة وذلهم ولما أوقع بهم من الأمر ما أوقع الرشيد، صار أمرهم إلى ما سيوصف من الفقر والذل والإهانة، فمن ذلك ما قاله محمد بن غسان صاحب ولاية الكوفة وقاضيها. قال: دخلت على أمي في يوم عيد أضحى فرأيت عندها عجوزاً في أطمار رثةٍ، وإذا لها بيانٌ ولسانٌ، فقلت لأمي: من هذه؟ قالت: هذه خالتك عتابة أم جعفر البرمكي بن يحيى.
فسلمت عليها، وقلت لها: أصار بك الدهر إلى ما أرى؟ قالت: نعم يا بني، إن الذي كنا فيه كان عارية ارتجعها الدهر منا.
قال: فقلت حدثيني ببعض شأنك؟ قالت: خذه جملة! لقد مضى علي عيد أضحى مثل هذا منذ ثلاث سنين، وعلى رأسي أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن ابني عاق لي، وقد جئتكم اليوم أطلب جلدي شاة أجعل أحدهما شعاراً والآخر دثاراً.
قال: فغمني ذلك وأبكاني، فوهبت لها بعض دنانير كانت عندي والله أعلم.
من أقوال البرامكة من قول يحيى بن خالد لابنه جعفر: يا بني، ما دام قلمك يرعف فامطره معروفاً.
ومن كلام جعفر: إذا أحببت إنساناً من غير سبب فارج خيره، وإذا أبغضت إنساناً من غير سبب فتوق شره.
الرشيد يبكي على البرامكة قال يحيى بن سلام الأبرش، قال: حدثني أبي قال: خرج الرشيد للصيد يوماً بعدما أباد البرامكة فاجتاز بجدار خراب من جدران بني برمك فرأى لوحاً مكتوباً عليه هذه الأبيات:
يا منزلاً لعب الزمان بأهله ... فأبادهم بتفرق لا يجمع
إن الذين عهدتهم فيما مضى ... كان الزمان بهم يضر وينفع
أصبحت تفزع من رآك، وطالما ... كنا إليك من المخاوف نضرع
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقي الذين حياتهم لا تنفع
قال: فبكى الرشيد، وأقبل على الأصمعي وقال: أتعرف شيئاً من أخبار البرامكة تحدثني به؟ فقال الأصمعي: ولي الأمان.
قال: ولك الأمان.
فقال: أحدثك بشيء شاهدته بعيني من الفضل بن يحيى، وذلك أنه خرج يوماً للصيد والقنص، وهو في موكبه، إذ رأى أعرابياً على ناقة قد أقبل من صدر البرية يركض في سيره، قال: هذا يقصدني.
فقلت: ومن أعلمك؟ قال: لا يكلمه أحدٌ غيري.
فلما دنا الأعرابي ورأى المضارب تضرب والخيام تنصب والعسكر الكثير، والجم الغفير، وسمع الغوغاء والضجة، ظن أنه أمير المؤمنين، فنزل وعقل راحلته وتقدم وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
قال: الآن قاربت، اجلس.
فجلس الأعرابي فقال له الفضل: من أين أقبلت يا أخا العرب؟ قال: من قضاعة.
قال: من أدناها أم من أقصاها؟ قال: من أقصاها.
قال الأصمعي: فالتفت إلي الفضل وقال: كم من العراق إلى أرض قضاعة.؟ فقلت: ثمانمائة فرسخ.
فقال: يا أخا العرب، مثلك لم يقصد من ثمانمائة فرسخ إلى العراق إلا لشيء.
قال: قصدت هؤلاء الأماجد الأنجاد الذين قد اشتهر معروفهم في البلاد.
قال: من هم؟ قال: البرامكة.
قال الفضل: يا أخا العرب البرامكة خلق كثير، وفيهم جليل وخطير، ولكن منهم خاصة وعامة، فهلا أفردت لنفسك منهم من اخترت لنفسك وأتيته لحاجتك؟ قال: أجل! أطولهم باعاً وأسمحهم كفاً.
قال: من هو؟ قال: الفضل بن يحيى بن خالد.
فقال له الفضل: يا أخا العرب، إن الفضل جليل القدر عظيم الخطر، إذا جلس للناس مجلساً عاماً لم يحضر مجلسه إلا العلماء والفقهاء والأدباء والشعراء والكتاب والمناظرون للعم، أعالم أنت؟ قال: لا.
قال: أفأديب أنت؟ قال: لا.
قال: أفعارفٌ أنت بأيام العرب وأشعارها؟ قال: لا.
قال: هل وردت على الفضل بكتاب وسيلة؟ قال: لا.
فقال: يا أخا العرب غرتك نفسك، مثلك يقصد الفضل بن يحيى، وهو كما عرفتك عنه من الجلالة، بأي ذريعة أو وسيلة تقدم عليه؟ قال: والله يا أمير المؤمنين ما قصدته إلا لإحسانه المعروف وكرمه الموصوف وبيتين من الشعر قلتهما فيه.
فقال الفضل: يا أخا العرب أنشدني البيتين فإن كانا يصلحان أن تلقاه بهما أشرت عليك بلقائه، وإن كانا لا يصلحان أن تلقاه بهما بررتك بشيء من مالي ورجعت إلى باديتك وإن كنت لم تستحق بشعرك شيئاً. قال: أفتفعل أيها الأمير؟ قال: نعم.
قال: فإني أقول:
ألم تر أن الجود من عهد آدم ... تحدر حتى صار يملكه الفضل
ولو أن أماً قضها جوع طفلها ... ونادت على الفضل بن يحيى اغتذى الطفل
قال: أحسنت يا أخا العرب. فإن قال لك هذان البيتان قد مدحنا بهما شاعر، وأخذ الجائزة عليهما، فأنشدني غيرهما فما تقول؟ قال: أقول:
قد كان آدم حين حان وفاته ... أوصاك، وهو يجود بالحوباء
ببنيه أن ترعاهمو، فرعيتهم ... وكفيت آدم عيلة الأبناء
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل ممتحناً: هذان البيتان أخذتهما من أفواه الناس، فأنشدني غيرهما ما تقول، وقد رمقتك الأدباء بالأبصار، وامتدت الأعناق إليك، وتحتاج أن تناضل عن نفسك؟ قال: إذن أقول:
ملت جهابذ فضل وزن نائله ... ومل كاتبه إحصاء ما يهب
والله لولاك لم يمدح بمكرمة ... خلق، ولم يرتفع مجد ولا حسب
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك هذان البيتان أيضاً أخذتهما من أفواه الناس ما كنت قائلاً؟ قال: أقول:
وللفضل صولات على مال نفسه ... يرى المال منه بالمذلة والعنا
ولو أن رب المال أبصر ماله ... لصلى على مال الأمير وأذنا
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان، أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: إذن أقول:
ولو قيل للمعروف ناد أخا العلا ... لنادى بأعلي الصوت يا فضل يا فضل
ولو أنفقت جدواك من رمل عالج ... لأصبح من جدواك قد نفد الرمل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: هذان البيتان مسروقان أيضاً أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول:
وما الناس إلا اثنان: صب وباذلٌ ... وإني لذاك الصب والباذل الفضل
على أن لي مثلاً كما ذكر الورى ... وليس لفضلٍ في سماحته مثل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدني غيرهما ما تقول؟ قال: أقول أيها الأمير:
حكى الفضل عن يحيى سماحة خالد ... فقامت به التقوى وقام به العدل
وقام به المعروف شرقاً ومغرباً ... ولم يك للمعروف بعدٌ ولا قبل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك: قد ضجرنا من الفاضل والمفضول أنشدني بيتين على الكنية لا على الاسم ما تقول؟ قال: إذن أقول:
ألا يا أبا العباس يا واحد الورى ... ويا ملكاً خد الملوك له نعل
إليك تسير الناس شرقاً ومغرباً ... فرادى وأزواجاً كأنهم نحل
قال: أحسنت يا أخا العرب، فإن قال لك الفضل: أنشدنا غير الاسم والكنية والقافية.
قال: والله لئن زادني الفضل وامتحنني بعد هذا لأقولن أربعة أبيات ما سبقني إليها عربي ولا أعجمي، ولئن زادني بعدها لأجمعن قوائم ناقتي هذه وأجعلها في حر أم الفضل وأرجعن إلى قضاعة خاسراً، ولا أبالي. فنكس الفضل رأسه، وقال للأعرابي: يا أخا العرب أسمعني الأبيات الأربعة: قال: أقولك
ولائمةٍ لامتك، يا فضل، في الندى ... فقلت لها: هل يقدح اللوم في البحر
أتنهين فضلاً عن عطاياه للغنى ... فمن ذا الذي ينهى السحاب عن القطر
كأن نوال الفضل في كل بلدةٍ ... تحدر هذا المزن في مهمة قفر
كأن وفود الناس في كل وجهة ... إلى الفضل لاقوا عنده ليلة القدر
قال: فأمسك الفضل عن فيه، وسقط على وجهه ضاحكاً، ثم رفع رأسه وقال: يا أخا العرب، أنا والله الفضل بن يحيى، سل ما شئت.
فقال: سألتك بالله أيها الأمير إنك لهو؟ قال: نعم.
قال له: فأقلني.
قال: أقالك الله، اذكر حاجتك.
قال: عشرة آلاف درهم.
قال الفضل: ازدريت بنا وبنفسك، يا أخا العرب، تعطى عشرة آلاف درهم في عشرة آلاف.
وأمر بدفع المال، فلما صار المال إليه حسده وزيره الفضل، وقال: يا مولاي هذا إسراف يأتيك جلف من أجلاف العرب بأبيات استرقها من أشعار العرب فتجزيه بهذا المال؟ فقال: استحقه بحضوره إلينا من أرض قضاعة.
قال الوزير: أقسمت عليك يا مولاي إلا أخذت سهماً من كنانتك وركبته في كبد قوسك وأومأت به إلى الأعرابي فإن رد عن نفسه ببيت من الشعر، وإلا استعدت مالك، ويكون له في بعضه كفاية.
فأخذ الفضل سهماً وركبه في كبد قوسه وأومأ به إلى الأعرابي وقال له: رد سهمي ببيت من الشعر؟ فأنشأ يقول:
لقوسك قوس الجود والوتر والندى ... وسهمك سهم العز فارم به فقري
قال: فضحك الفضل وأنشأ يقول:
إذا ملكت كفي منالاً ولم أنل ... فلا انبسطت كفي ولا نهضت رجلي
على الله إخلاف الذي قد بذلته ... فلا مسعدي بخلي ولا متلفي بذلي
أروني بخيلاً نال مجداً ببخله ... وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل
ثم قال الفضل لوزيره: أعط الأعرابي مائة ألف درهم لقصده وشعره، ومائة ألف درهم ليكفينا شر قوائم ناقته.
فأخذ الأعرابي المال وانصرف، وهو يبكي فقال له الفضل: مم بكاؤك يا أعرابي استقلالاً بالمال الذي أعطيناك؟ قال: لا، ولكني أبكي على مثلك يأكله التراب وتواريه الأرض، وتذكرت قول الشاعر:
لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا فرس يموت ولا بعير
ولكن الرزية فقد حر ... يموت لموته خلقٌ كثير
وتوجه الأعرابي بالمال مسروراً رحمة الله عليهم أجمعين.
الرشيد وذقن أبي نواس ويحكى أن الرشيد قال لأبي نواس: بعني ذقنك؟ قال: بكم؟ قال: بألف دينار.
قال: بعتك.
فقال الرشيد لخازن داره: ادفع له ألف دينار، فدفعها له فأخذها وربطها وقال: يا أمير المؤمنين خذ ما اشتريت.
قال: لا، ولكن جعلتها وديعة عندك.
قال: فمضى أبو نواس واشتغل بأمره ولهوه، وهو خائف على ذقنه من أمير المؤمنين. قال: فبينما هو متفكر في شيء يفعله إذ جاء قاصد أمير المؤمنين، فلم يقدر أن يتكلم دون أن قام معه ودخل إلى دار الخلافة، فوجده في جمع كثير من خواص المملكة وأعوان الدولة، وكان من شأنه أن يجلس بالقرب من أمير المؤمنين، فتحادثوا وتماجنوا فضرط أبو نواس ضرطة مزعجة أزعجت الحاضرين، فضحكوا جميعاً، وضحك أمير المؤمنين وقال له: في ذقنك يا معرص.
فقال له في الحال: الله أعلم هي ذقن من؟ فقال أمير المؤمنين: قد وهبتها لك يا معلون.
فأخذها وانصرف وكسب الألف دينار بهذه الحيلة والله أعلم، انتهى.
يضرب الشاة الحد وكان نصر بن مقبل عاملاً على الرقة، فتي برجل من الظرفاء وجده ينكح شاة فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: أيها الأمير، إنها والله ملك يميني، وقد قال الله تعالى: " أو ما ملكت أيمانكم " .
فأطلقه وأمر بضرب الشاة الحد، فإن ماتت تصلب.
قالوا: أيها الأمير إنها بهيمة.
قال: وإن كانت بهيمة فإن الحدود لا تعطل وإن عطلتها فبئس الوالي أنا.
فانتهى إلى الرشيد خبرها ولم يكن رآه قبل فدعا به فلما حضر بين يديه، قال: من أنت؟ قال: مولى لكلب.
فضحك منه ثم قال: كيف بصرك بالحكم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، البهائم عندي والناس سواء، ولو وجب حد على بهيمة، وكانت أمي أو أختي لحديتها ولم تأخذني في الله لومة لائم. فأمر الرشيد أن لا يستعان به على عمل فلم يزل معطلاً إلى أن مات، والله أعلم.
؟
الرشيد يأمر بقتل أبي نواس ويحكى أن هارون الرشيد أمر بقتل أبي نواس فقال: أتقتلني شهوةً لقتلي؟ فقال: لا، بل أنت مستحق للقتل.
قال: فيم استحقيت القتل؟ قال: بقولك:
ألا فاسقني خمراً وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر
فقال: يا أمير المؤمنين، أفتعلم أنه سقاني وشربت؟ فقال له أمير المؤمنين: أظن ذلك.
فقال: يا أمير المؤمنين، أفتقتلني على الظن، وقد قال الله تعالى: " إن بعض الظن إثم " .
فقال له الرشيد: قد قلت ما تستحق به القتل.
فقال: ما هو؟ فقال له: قولك:
ما جاءنا أحدٌ يخبر أنه ... في جنةٍ من ماتَ أو في نار
فقال له: يا أمير المؤمنين! هل جاءنا أحدٌ؟ قال: لا.
قال: أتقتلني على الصدق؟ فقال له الرشيد: أولست القائل:
يا أحمدُ المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات
فقال له: يا أمير المؤمنين! أوصار القول فعلاً؟ قال: لا أعلم.
قال: أفتقتلني على ما لم تعلم.
فقال له أمير المؤمنين: دع هذا كله، فقد اعترفت في مواضع كثيرة من شعرك بالزنا.
قال أبو نواس: قد علم الله هذا قبل علم أمير المؤمنين بقوله تعالى: " والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقلون ما لا يفعلون " .
فقال الرشيد: خلوا عنه.
ومن هذا أخذ الصفي الحلي فقال:
نحن الألى جاء الكتاب مخبراً ... بعفاف أنفسنا وفسق الألسن
تغفر ذنوبه بأبيات ٍ
وعن محمد بن نافع، قال: رأيت أبا نواس في النوم بعد موته، فقلت: يا أبا نواس!.
فقال: لاحين كنيت.
فقلت: الحسن بن هانئ.
قال: نعم.
قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبياتٍ قلتها عي علتي قبل موتي هي تحت الوسادة.
فسألت أهله فقلت: هل قال أخي شعراً؟ قالوا: لا نعلم! إلا أنه دعا بدواة وقرطاس وكتب شيئاً لا ندري ما هو.
فدخلت ورفعت وسادته وإذا أنا برقة مكتوب فيها:
يا رب! إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمت بان عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
مالي إليك وسيلةٌ إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلم
هذه حكاية العجمي والكردي
وما جرى بينهما على يد القاضي بسبب الجراب قيل إن الخليفة هارون الرشيد قلق ليلة، فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي، فلما حضر عنده قال له: يا جعفر، غني قلقت وضاق صدري وأريد منك شيئاً يشرح خاطري.
فقال له جعفر: يا أمير المؤمنين، إن لي صديقاً اسمه علي العجمي، وعنده من جميع الحكايات والأخبار.
فقال: علي به.
فقال: سمعاً وطاعةً.
ثم إن جعفراً خرج من عند الخليفة في طلب علي العجمي، فأرسل خلفه فلما حضر قال: أجب أمير المؤمنين.
قال: سمعاً وطاعة.
فأتى الخليفة فسلم وترحم، فقال له: اجلس فجلس، فقال له الخليفة: اسمع يا علي، إنني الليلة ضيق الصدر، وسمعت عنك أن في ذهنك حكاياتٍ وأخباراً وأريد منك أن تسمعني ما يزل همي وفكري.
فقال: يا أمير المؤمنين، تريد أن أحكي لك شيئاً سمعته أو رأيته؟ فقال: إن كنت رأيت شيئاً فاحكه.
فقال: سمعاً وطاعةً؟! اعلم يا أمير المؤمنين أني سافرت في بعض السنين من بلدي إلى هذه المدينة، وهي بغداد، وصحبني غلام ظريف ومعه جراب نظيف، فأودعني إياه. فبينا أنا أبيع وأشتري، وإذا أنا برجل كردي ظالم معتد هجم علي وأخذ الجراب مني وقال: هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي.
فقلت: يا معشر الناس قد اعتراني الوسواس.
فقال الناس جميعاً: امضوا إلى القاضي، وكل بحكمه راضي.
فدخلنا عليه، وتمثلنا بين يديه، فقال القاضي: في أي شيء جئتما؟ فقال الكردي: نحن خصمان.
قال: أيكما المدعي؟ فتقدم الكردي، وقال: أيد الله مولانا القاضي! هذا الجراب جرابي، وكل ما فيه قماشي وثيابي، وقد ضاع ووجدته مع هذا الرجل.
فقال القاضي: ومتى ضاع منك؟ فقال الكردي: ضاع مني بالأمس.
فقال القاضي: إن كنت عرفته فصف لي ما فيه.
فقال الكردي: إن في جرابي هذا مرودين من لجين، وأكحالاً لعينين، ومنديلاً لليدين، ومشربتين مذهبتين، وشمعدانين ومكبتين وطبقين، وإبريقين، وصينية وطشتين، وقدر ودستين، ومغرفة وملعقتين، ومسلة ومقلمةٌ وملبتين، وقعباً وقصعتين، ومخدة ونطعين، وجبة وفروتين، وبقرة وعجلتين، وعنزاً وشاتين، ونعجة وخروفين، وقطين أبلقين، وجملاً وناقتين، وبقرة وثورين، ولبوة وسبعين، ودبة وثعلبين، ومرتبة وسريرين، وطبقة وقاعتين، ورواقاً ومقعدين، ومطبخاً ببابين، وجماعة أكرادٍ يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: فما تقول أنت يا علي؟ فتقدمت يا أمير المؤمنين، وقد بهتني كلامه فقلت: أعز الله مولانا القاضي، أنا ما في جرابي إلا دويرة حراب وأخرى بلا باب ومقصورة للكلاب وفيه للصبيان كتاب وشبان يلعبون بالكعاب، وفيه عساكر وأطناب ومدينة بصرى وبغداد، وقصر كنعان بن شداد، وكور وحداد، وشبكة وصياد وعصا وأوتاد، وبنات وأولاد وألف قواد يشهدون أن الجراب جرابي.
فلما سمع الكردي هذا الكلام بكى وانتحب وقال: يا سيدي القاضي، جرابي هذا معروف، وكل ما فيه موصوف، في جرابي هذا حصون وقلاع وقرى وضياع وطابق للصِراع ووحوش وضباع ورجال يلعبون الطابة والرقاع، وإن في جرابي هذا حجرة ومهرين وفحلاً وحصانين ورمحين طويلين وسبعاً وأرنبين، وسكيناً وخنجرين، وبحراً وخليجين، وكمراً وجوختين، وعشاري وموكبين، وصاري وقريتين، وكوراً ودكانين، ومنقلة ونردين، وعجوزاً وقحبتين، وقواداً وشاطرين ومخنثاً وعلقين وأعمى وبصيرين وأعرج وكسيحين وعياراً وأزعرين وجامعاً ومدرستين وديراً وكنيستين وقسيساً وشماسين وبطركاً وراهبين وقاضياً وشاهدين يشهدون أن الجراب جرابي.
فقال القاضي: ما تقول أنت يا علي.
فبادرت يا أمير المؤمنين، وقد امتلأت غيظاً وزدت في الحمق وقلت: أيد الله مولانا القاضي! إن في جرابي هذا زردخانات صِفاح، وخزائن سلاح، وألف كبش نطاح في عشرين مراح، وأربعين كلباً نباح، وبساتين وكروم عنب وتين وتفاح، وصوراً وأشباحاً وقناني وأقداحاً وعرائس ملاحاً ومغاني وأفراحاً وهرجاً وصياحاً وعبداً وفلاحاً وأخاه نجاحاً ورفيقه صباحاً، ومعهم سيوف ورماح، وقسي ونشاب وأصدقاء وأحباب وخلان وأصحاب ومجلس للعتاب وندمان للشراب، وطنبور مع رباب، ونايات وقنان مصفوفات، وصبيان ودايات، وأخوات معلمات، وبنات متجليات وجوار مغنيات وجوار حبشيات وثلاث هنديات وأربع بدويات وخمس روميات وست تركيات وسبع عجميات وثماني قفجيات وتسع كرجيات وعشر كلبات، والدجلة الفرات وشبكة وصياد وقداحة وزناد، وإرم ذات العماد، وألف جواد، وقصر شداد بن عاد، وخانات مع حمامات، وقدوم ونجار وخشبة مع مسمار وتاجر مع عطار، وبزار مع بيطار، وعبد أسود بمزمار ومقدم وركبدار ومدن وأمصار ومائة ألف دينار، وبواب وكشدار ورأس نوبة، وعلم دار، والكوفة مع الأنبار وعشرين صندوقاً ملأى قماشاً ودكان نحاس، وحاصل معاش، وبرجان للحمام وغزة وعسقلان، ومن دمياط إلى أسوان وإيوان كسرى وملك سليمان، ومن كوش نعمان إلى أرض خراسان وبلخ وأصبهان ومن الهند إلى بلاد السودان، وفيه أطال الله عمر مولانا القاضي، قماش وغلائل وعراض وموسى بحد ماض، يحلق ذقن مولانا القاضي، إن حكم أن الجراب ما هو جرابي.
فعند ذلك يا أمير المؤمنين حار القاضي مما سمع ثم قال: ما أراكما إلا شخصين نحسين تلعبان بالقضاة والحكام لأنه ما وصف الواصفون ولا سمع السامعون ما وصفتم في هذا الجراب، ما هذا إلا بحر ليس له قرار.
ثم أمر القاضي بفتح الجراب ففتحه الكردي، فإذا فيه خبز وليمون، وجبن وزيتون، ثم إني رميت الجراب قدام القاضي والكردي، ومضيت إلى حال سبيلي.
فلما سمع أمير المؤمنين ذلك ضحك حتى استلقى على قفاه وقد زال همه وغمه، وأحسن جائزة علي العجمي، وانصرف والله أعلم.
معن بن زائدة الشيباني كان من الكرماء، يقال فيه: حدث عن البحر ولا حرج، وكان عاملاً بالبصرة، فحضر على بابه شاعر وأقام مدة يريد الدخول فلم يتهيأ له، فقال يوماً لبعض الخدام: إذا دخل الأمير البستان فعرفني، فلما دخل أعلمه بذلك، فكتب الشاعر بيتاً ونقشه على خشبة وألقاها في الماء الذي يدخل البستان، وكان معن جالساً على القناة، فلما رأى الخشبة أخذها وقرأها فإذا فيها هذا البيت:
أيا جود معن ناج معناً بحاجتي ... فليس إلى معن سواك رسول
فقال: من الرجل صاحب هذه؟ فأتي به إليه. فقال: كيف قلت؟ فأنشده البيت فأمر له بعشر بدر، فأخذها وانصرف، فوضع معن الخشبة تحت بساط. فلما كان في اليوم الثاني أخرجها من تحت بساط ينظر فيها، ودعا بالرجل فأمر له بمائة ألف درهم، فلما كان في اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فتفكر الرجل وخاف أن يأخذ منه ما أعطاه فخرج من البلد بما كان معه. فلما كان في اليوم الرابع طلب الرجل فلم يوجد، فقال معن: والله هممت أن أعطيه حتى لا يبقى في بيت مالي درهم ولا دينار إلا أعطيته له، وفيه يقول القائل:
يقولون معن لا زكاة لماله ... وكيف يزكي المال من هو باذله
إذا حال جولٌ لم يكن في دياره ... من المال إلا ذكره وجمائله
تراه، إذا ما جئته، متهللاً ... كأنك تعطيه الذي أنت آمله
هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والبر ساحله
تعود بسط الكف حتى لو نه ... أراد انقباضاً لم تطعه أنامله
فلو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله
ومن قول معن:
دعيني أنهب الأموال حتى ... أعف الأكرمين عن اللئام
ويروى أن معن بن زائدة خرج في جماعة يتصيدون، فاعترضهم قطيع ظباء، فتفرقوا في طلبه، وانفرد معن خلف ظبي، فلما ظفر به نزل فذبحه، فرأى شخصاً مقبلاً من البرية على حمار، فركب فرسه واستقبله، فسلم عليه وقال له: من أين أتيت؟
قال: أتيت من أرض قضاعة وإن لي بها أرضاً، لها عدة سنين، مجدبة، وقد أخصبت في هذه السنة فزرعتها قثاء فطرحت في غير وقتها، فجمعت منها ما استحسنته وقصدت الأمير معن بن زائدة لكرمه المشهور ومعروفه المأثور، وإحاسنه المذكور.
فقال له: كم أملت منه؟ قال: ألف دينار.
فقال: فإن قال لك: كثير.
قال: خمسمائة دينار.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: ثلاثمائة دينار.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: مائتي دينار.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: مائة دينار.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: خمسين ديناراً.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: أفلا أقل من ثلاثين.
قال: إن قال لك: كثير.
قال: أدخل قوائم حماري في حر أمه، وأرجع إلى أهلي خائباً.
فضحك معن منه وساق جواده حتى لحق بعسكره ونزل منزله، وقال لحاجبه: إذا أتاك شيخ على حمار بقثاء فادخل به علي.
فأتى بعد ساعة فلما دخل على الأمير معن لم يعرفه لهيبته وجلالته، وكثرة خدمه وحشمه وهو متصدر في دست مملكته، والحفدة قيامٌ عن يمينه وشماله وبين يديه. فلما سلم عليه قال له الأمير معن: ما الذي أتى بك يا أخا العرب؟ قال: أملت الأمير وأتيته بقثاء في غير أوانها.
قال: فكم أملت فينا؟ قال: ألف دينار.
قال كثير.
قال: خمسمائة دينار.
قال: كثير.
قال: ثلاثمائة دينار.
قال: كثير.
قال: مائتي دينار.
قال: كثير.
قال: مائة دينار.
قال: كثير.
قال: والله لقد كان ذلك الرجل الذي قابلني علي مشؤوماً ثم قال: خمسين ديناراً.
قال: كثير.
قال: أفلا أقل من ثلاثين؟ قال: فضحك معن وسكت فعلم الأعرابي أنه صاحبه فقال: يا سيدي إن لم تعطني الثلاثين فالحمار مربوط بالباب، وها أنا مع معن جالس.
فضحك معن حتى استلقى على قفاه ثم استدعى بوكيله وقال: أعطه ألف دينار وخمسمائة دينار وثلاثمائة دينار ومائتي دينار ومائة دينار وخمسين ديناراً وثلاثين ديناراً ودع الحمار مربوطاً مكانه.
فبهت الأعرابي وتسلم ألفي دينار ومائةً وثمانين ديناراً، فرحمة الله عليهم أجمعين.
وقيل: كان معن بن زائدة في بعض صيوده فعطش فلم يجد مع غلمانه ماء، فبينما هو كذلك، وإذا بثلاث جوار قد أقبلن حاملات ثلاث قرب فسقينه، فطلب شيئاً من المال مع غلمانه، فلم يجده، فدفع لكل واحدةٍ منهن عشرة أسهم، من كنانته، نصولها من ذهب. فقالت إحداهن: ويلكن لم تكن هذه الشمائل إلا لمعن بن زائدة، فلتقل كل واحدة منكن شيئاً من الأبيات فقالت الأولى:
يركب في السهام نصول تبر ... ويرمي للعدا كرماً وجوداً
فللمرضى علاجٌ من جراحٍ ... وأكفانُ لمن سكن اللحودا
وقالت الثانية:
ومحارب من فرط جود بنانه ... عمت مكارمه الأقارب والعدا
صيغت نصول سهامه من عسجدٍ ... كي لا يقصر في العوارف والندى
وقالت الثالثة:
ومن جوده يرمي العداة بأسهمٍ ... من الذهب الإبريز صيغت نصولها
لينفقها المجروح عند انقطاعه ... ويشتري الأكفان منها قتيلها
وكان مع كرمه صاحب شهامة، فمن ذلك، أنه سعى رجل في إفساد دولة المهدي، وكان من الكوفة فعلم به المهدي فأهدر دمه، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم، فأقام الرجل حيناً مختفياً ثم ظهر في بغداد فبينما هو في بعض الشوارع إذ رآه رجل من الكوفة فعرفه فاخذ بمجامع طوقه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين فبينما الرجل على تلك الحالة وقد اجتمع حوله خلق كثير إذ سمع وقع حوافر الخيل من ورائه فالتفت فإذا هو بمعن بن زائدة، فقال: يا أبا الوليد؟ أجرني أجارك الله.
فوقف فقال للرجل الذي تعلق به: ما تريد منه؟ قال: هذا طلبة أمير المؤمنين أهدر دمه، وجعل لمن دل عليه مائة ألف درهم.
فقال له معن: دعه! ثم قال: يا غلام أردفه، فأردفه وكر راجعاً إلى داره، فصاح الرجل: معن حال بيني وبين من طلبه أمير المؤمنين ولم يزل صارخاً إلى أن أتى قصر المهدي، فأمر المهدي بإحضار معن، فأتته الرسلُ، فدعا معن أولاده ومماليكه وقال: لا تسلموا الرجل، وواحد منكم يعيش.
ثم سار إلى المهدي فدخل وسلم فلم يرد عليه، ثم قال: يا معن! أتجير علينا عدونا؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال المهدي: ونعم أيضاً.
واشتد غضبه. فقال معن: يا أمير المؤمنين، بالأمس بعثتني إلى اليمن مقدم الجيش، فقتلت في طاعتك في يوم واحدٍ عشرة آلاف رجل، ولي مثل هذا أيام كثيرة فما رأيتموني أهلاً أن أجير رجلاً واحداً استجار بي، ودخل منزلي.
فسكن غضب المهدي، وقال: قد أجرنا من أجرت يا أبا الوليد.
قال معن: فإن رأى أمير المؤمنين أن يصله بصلةٍ يعلم منها موقع الرضا، فإن قلب الرجل قد انخلع من صدره خوفاً.
قال: قد أمرنا له بخمسين ألف درهم.
قال: يا أمير المؤمنين، إن صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية.
قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم.
قال: عجلها يا أمير المؤمنين، فإن خير البر عاجله.
فأحضر معن الرجل وقال له: خذ صلة أمير المؤمنين، وقبل يده، وإياك ومخالفة خلفاء الله في أرضه، " فما كل مرة تسلم الجرة " ، فأرسلها الناس مثلاً، وأخذ الرجل المال واستغفر الله، انتهى.
وكان معن لا يغيظ أحداً، ولا أحد يغيظه، فقال بعض الشعراء: أنا أغيظه لكم، ولو كان قلبه من حجر، فراهنوه على مائة بعير إن أغاظه أخذها، وإن لم يغظه دفع مثلها. فعمد الرجل إلى جمل فذبحه وسلخه ولبس الجلد مثل الثوب وجعل اللحم من خارجٍ والشعر من داخل، والذباب يقع عليه، ويقوم، ولبس برجليه نعلين من جلد الجمل، وجعل اللحم من خارج والشعر من ناحية رجليه، وجلس بين يدي معن على هذه الصورة المشروحة ومد رجليه في وجهه وقال:
أنا والله لا أبدي سلاماً ... على معن المسمى بالأمير
فقال له معن: السلام لله إن سلمت رددنا عليك، وإن لم تسلم ما عتبنا عليك.
فقال الشاعر:
ولا آتي بلاداً أنت فيها ... ولو حزت الشآم مع الثغور
فقال له: البلاد بلاد الله إن نزلت فمرحباً بك، وإن رحلت كان الله في عونك.
فقال الشاعر:
وأرحل من بلادك ألف شهر ... أجدُّ السير في أعلى القفورِ
فقال له: مصحوباً بالسلامة.
فقال الشاعر:
أتذكر إذ قميصك جلد شاةٍ ... وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال له: أعرف ذلك ولا أنكره.
فقال الشاعر:
وتهوى كل مضطبةٍ وسوق ... بلا عبدٍ لديك ولا وزير
فقال له: ما نسيت ذلك يا أخا العرب.
فقال الشاعر:
ونومك في الشتاء بلا رداء ... وأكلك دائماً خبز الشعير
فقال: الحمد لله على كل حال.
فقال الشاعر:
وفي يمناك عكاز قويٌ ... تذود به الكلابَ عن الهريرِ
فقال له: ما خفي عليك خبرها اذهبي كعصا موسى.
فقال الشاعر:
فسبحان الذي أعطاك مُلكاً ... وعلمك القعود على السرير
فقال له: بفضل الله لا بفضلك.
فقال الشاعر:
فعجل يا بن ناقصة بمالٍ ... فإني قد عزمت على المسير
فأمر له بألف دينار.
فقال الشاعر:
قليلٌ ما أمرت به فإني ... لأطمع منك بالشيء الكثير
فأمر له بألف دينار أخرى.
فقال الشاعر:
فثلث، إذ ملكت الملك رزقاً ... بلا عقلٍ ولا جاهٍ خطير
فأمر له بثلاثمائة دينار.
فقال الشاعر:
ولا أدبٍ كسبت به المعالي ... ولا خلقٍ ولا رأي منير
فأمر له بأربعمائة دينار.
فقال الشاعر:
فمنك الجود والإفضالُ حقاً ... وفيضُ يديك كالبحر الغزير
فأمر له بخمسمائة دينار، وما زال يطلب منه الزيادة حتى استكمل ألف دينار، فأخذها وانصرف متعجباً من حلم معن وعدم انتقامه منه ثم قال في نفسه: مثل هذا لا ينبغي أن يهجى بل يمدح، واغتسل ولبس ثيابه ورجع إليه فسلم عليه ومدحه واعتذر له بأن الحامل له على هجوه المائة بعير التي صار الرهن عليها في نظير إغاظته له، فأمر له بمائة بعير يدفعها في نظير الرهن وبمائة بعير أخرى لنفسه، فأخذها وانصرف، والله أعلم.
خلافة المأمون بن هارون
الرشيد واسمه عبد الله
ومما وضع في بطون الدفاتر، واستحسنته عيون البصائر، ونقلته الأصاغر عن الأكابر، ما رواه خادم أمير المؤمنين المأمون قال: طلبني أمير المؤمنين المأمون ليلةً، وقد مضى من الليل ثلثه، فقال لي: خذ معك فلاناً وفلاناً، وسماهما لي: أحدهما، علي بن محمد، والآخر، دينار الخادم، واذهب مسرعاً لما أقول لك، فإنه بلغني أن شيخاً يحضر ليلاً إلى آثار دور البرامكة، وينشد شعراً ويذكرهم ذكراً كثيراً ويندبهم ويبكي عليهم، ثم ينصرف فامض أنت وعلي ودينار حتى تردوا تلك الخرائب فاستتروا خلف بعض الجدران، فإذا الشيخ قد جاء وبكى وندب وأنشد أبياتاً فآتوني به.
قال: فأخذتهما ومضينا حتى أتينا الخرائب، فإذا نحن بغلام قد أتى ومعه بساطٌ وكرسي حديد، وإذا شيخ قد جاء وله جمال وعليه مهابة ولطف، فجلس على الكرسي وجعل يبكي وينتحب ويقول هذه الأبيات:
ولما رأيت السيف جندل جعفراً ... ونادى منادٍ للخليفة: يا يحيى
بكيت على الدنيا وزاد تأسفي ... عليهم وقلت: الآن لا تنفع الدنيا
مع أبيات أطالها. فلما فرغ قبضنا عليه، وقلنا له: أجب أمير المؤمنين، ففزع فزعاً شديداً وقال: دعوني حتى أوصي بوصية فإني لا أوقن بعدها بحياة.
ثم تقدم إلى بعض الدكاكين واستفتح وأخذ ورقة وكتب فيها وصية وسلمها إلى غلامه ثم سرنا به، فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين قال: حين رآه: من أنت، وبم استوجبت منك البرامكة ما تفعله في خرائب دورهم؟ قال الخادم: ونحن نستمع.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن للبرامكة أيادي خضرة عندي، أفتأذن لي أن أحدثك بحالي معهم؟ قال: قل.
فقال: يا أمير المؤمنين؟؟! أنا المنذر بن المغيرة، من أولاد الملوك، وقد زالت عني نعمتي، كما تزول عن الرجال، فلما ركبني الدين، واحتجت إلى بيع ما على رأسي ورؤوس أهلي وبيتي الذي ولدت فيه، أشاروا علي بالخروج إلى البرامكة، فخرجت من دمشق ومعي نيف وثلاثون امرأة وصبياً وصبية، وليس معنا ما يباع ولا ما يوهب، حتى دخلنا بغداد ونزلنا في بعض المساجد، فدعوت ببعض ثياب كنت أعددتها لأستتر بها، فلبستها وخرجت وتركتهم جياعاً لا شيء عندهم، ودخلت شوارع بغداد سائلاً عن البرامكة، فإذا أنا بمسجد مزخرف وفي جانبه شيخ بأحسن زي وزينة، وعلى الباب خادمان، وفي الجامع جماعة جلوس، فطمعت في القوم ودخلت المسجد وجلست بين أيديهم، وأنا أقدم رجلاً وأوخر أخرى، والعرق يسيل مني لأنها لم تكن صناعتي، وإذا الخادم قد أقبل ودعا القوم فقاموا وأنا معهم، فدخلوا دار يحيى بن خالد، فدخلت معهم، وإذا بيحيى جالس على دكة له وسط بستان، فسلمنا، وهو يعدنا مائة وواحداً، وبين يديه عشرة من ولده، وإذا بأمرد نبت العذار في خديه قد أقبل من بعض المقاصير، وبين يديه مائة خادم متمنطقون، في وسط كل خادم منطقة من ذهب يقرب وزنها من ألف مثقال، مع كل خادم مجمرة من ذهب، في كل مجمرة قطعة من عود كهيئة الفهر، وقد قرن به مثله من العنبر السلطاني فوضعوه بين يدي الغلام، وجلس إلى جنب يحيى، ثم قال للقاضي: تكلم وزوج ابنتي عائشة من ابن أخي هذا. فخطب القاضي خطبة النكاح وزوجه وشهد أولئك الجماعة وأقبلوا علينا بالنثار ببنادق المسك والعنبر، فالتقطت، والله يا أمير المؤمنين ملء كمي ونظرت، وإذا نحن في المكان ما بين يحيى والمشايخ وولده والغلام مائة واثنا عشر، وإذا بمائة واثني عشر خادماً قد أقبلوا ومع كل خادم صينية من فضة، على كل صينية ألف دينار، فوضعوا بين يدي كل رجل منا صينية، فرأيت القاضي والمشايخ يضعون الدنانير في أكمامهم ويجعلون الصواني تحت آباطهم، ويقوم الأول فالأول حتى بقيت وحدي لا أجسر على أخذ الصينية، فغمزني الخادم فجسرت وأخذتها وجعلت الذهب في كمي والصينية في يدي وقمت وجعلت أتلفت إلى ورائي مخافة أن أمنع من الذهاب، فبينما أنا كذلك إلى أن وصلت إلى صحن الدار، ويحيى يلاحظني، فقال للخادم: ائتني بهذا الرجل، فأتيته، فقال: ما لي أراك تلتفت يميناً وشمالاً؟ فقصصت عليه قصتي فقال للخادم: ائتني بولدي موسى، فأتاه به. فقال له: يا بني! هذا رجل غريب، فخذه إليك واحفظه بنفسك وبنعمتك.
فقبض موسى ولده على يدي وأدخلني إلى دار من دوره فأكرمني غاية الإكرام، وأقمت عنده يومي وليلتي في ألذ عيش وأتم سرور، فلما أصبح دعا بأخيه العباس، وقال له: الوزير أمرني بالعطف على هذا الفتى، وقد علمت اشتغالي في بيت أمير المؤمنين، فاقبضه إليك، وأكرمه.
ففعل ذلك وأكرمني غاية الإكرام ثم لما كان من الغد تسلمني أخوه أحمد، ثم لم أزل في أيدي القوم يتداولوني مدة عشرة أيام لا أعرف خبر عيالي وصبياني أفي الأموات هم أم في الأحياء، فلما كان اليوم الحادي عشر جاءني خادم ومعه جماعة من الخدم فقالوا: قم فاخرج إلى عيالك بسلام.
فقلت: وا ويلاه، أسلب الدنانير والصينية، وأخرج على هذه الحالة؟ إنا لله وإنا إليه راجعون.
فرفع الستر الأول ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع، فلما رفع الخادم الستر الأخير قال لي: مهما كان لك من الحوائج فارفعها إلي فإني مأمور بقضاء جميع ما تأمرني به.
فلما رفع الستر الأخير رأيت حجرة كالشمس حسناً ونوراً واستقبلني منها رائحة الند والعود ونفحات المسك، وإذا بصبياني وعيالي يتقلبون في الحرير والديباج، وحمل إلي مائة ألف درهم، وعشرة آلاف دينار، ومنشور بضيعتين، وتلك الصينية التي كنت أخذتها بما فيها من الدنانير والبنادق، وأقمت يا أمير المؤمنين، مع البرامكة في دورهم ثلاث عشرة سنة لا يعلم الناس أمن البرامكة أنا أم رجل غريب، فلما جاءتهم البلية ونزل بهم يا أمير المؤمنين، من الرشيد ما نزل أجحف بي عمرو بن مسعدة وألزمني في هاتين الضيعتين من الخراج ما لا يفي دخلهما به، فلما تحامل علي الدهر كنت في آخر الليل أقصد خرائب دورهم، فأندبهم وأذكر حسن صنيعهم إلي وأبكي على إحسانهم.
فقال المأمون: علي بعمرو بن مسعدة.
فلما أتي به قال له: تعرف هذا الرجل؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو بعض صنائع البرامكة.
قال: كم ألزمته في ضيعتيه؟ قال: كذا وكذا.
فقال له: رد إليه كل ما أخذته منه في مدته، وأفرغهما له ليكونا له ولعقبه من بعده.
قال: فعلا نحيب الرجل، فلما رأى المأمون كثرة بكائه قال له: يا هذا! قد أحسنا إليك، فما يبكيك؟ قال: يا أمير المؤمنين، وهذا أيضاً من صنيع البرامكة، لو لم آت خرائبهم فأبكيهم وأندبهم حتى اتصل خبري إلى أمير المؤمنين، ففعل بي ما فعل من أين كنت أصل إلى أمير المؤمنين؟ قال إبراهيم بن ميمون: فرأيت المأمون، وقد دمعت عيناه وظهر عليه حزنه وقال: لعمري هذا من صنائع البرامكة، فعليهم فابك، وإياهم فاشكر، ولهم فأوف ولإحسانهم فاذكر، انتهى.
المأمون والورد وقال إسحاق: دخلت يوماً على المأمون في زمن الورد، فقال لي: يا إسحاق! هل قلت شيئاً في الورد؟ قلت: أقول بسعادة أمير المؤمنين.
وفكرت ساعة فلم تسمح قريحتي في ذلك الوقت بشيء، فخرجت من عنده وبقيت ليلتي ساهراً متفكراً، فلم يفتح علي بشيء، فلما أصبحت غدوت إلى دار الخلافة، وإذا غلام الفضل بن مروان على باب المأمون، ومعه سبع وردات على صينية فضة، ينتظر الإذن في الدخول بها عليه، فسألته المهلة بها قليلاً، فامتنع، سألته ثانياً، وقلت: أمهل قليلاً، ولك بكل وردة دينار.
فأجابني إلى ذلك فدفعت له سبعة دنانير، وأحببت أن لا يصل إليه الورد قبل وصول الشعر، وخرجت أقصد الأزقة لعلي أسمع شيئاً من أحد أو ينبعث خاطري ولو ببيت واحد، فبينما أنا كذلك وإذا أنا برجل يغربل التراب وهو ينشد ويقول:
اشرب على ورد الخدود فإنه ... أزهى وأبهى، فالصبوح يطيب
ما الورد أحسن من تورد وجنة ... جمراء جاد بها عليك حبيب
صبغ المدام بياضها فكأنه ... ذهبٌ بقالب فضة مضروب
فلما سمعته نزلت عن دابتي، ودخلت مسجداً بالقرب منه وطلبته، فلما أقبل سألته أن يمليها علي فاعتل، وقال: إن أردت فاعطني بكل بيت عشرة دنانير، فدفعتها له واستمليتها منه ثم عدت أنا وغلام الفضل بن مروان، وإذا بالمأمون يشرب من وراء الستارة، فلما جسيت العود قال لجواريه: اسكتن، فقد جاء إسحاق، فقدمت ذلك الورد بين يديه وأنشدت الأبيات فسمعت الشهيق والزفير من وراء الستارة ثم أخرج إلي بدرةٌ فيها عشرة آلاف درهم، فأعدت الأبيات، فأخرج إلي بدرة أخرى، فأعدت الثالثة فأخرج إلي بدرة ثالثة، فأخذت في غير الشعر، فخرج إلي خادم وقال: يقول لك أمير المؤمنين لو دمت على إنشادك لدمنا على البدرة ولو إلى الليل، انتهى من حلية الكميت.
؟
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ويحكى عن العباس صاحب شرطة المأمون، قال: دخلت إلى مجلس أمير المؤمنين ببغداد يوماً، وبين يديه رجل مكبل بالحديد، فقال لي: يا عباس؟ قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
قال: خذ هذا إليك فاستوثق به واحتفظ عليه وبكر به إلي في غد واحترز عليه كل الاحتراز.
قال العباس: فدعوت جماعة حملوه ولم يقدر أن يتحرك فقلت في نفسي: مع هذه الوصية التي أوصاني بها أمير المؤمنين من الاحتفاظ به ما يجب إلا أن يكون معي في بيتي، فلما تركوه في داري أخذت أساله عن قضيته وحاله ومن هو؟ فقال: أنا من دمشق.
فقلت: جزى الله دمشق خيراً، فمن أنت من أهلها؟.
قال: وعمن تسأل؟ قلت: أوتعرف فلاناً؟ قال: ومن أين تعرف ذلك الرجل؟ فقلت: وقعت لي معه قضية.
فقال: ما كنت بالذي أعرفك خبره حتى تعرفني قضيتك معه؟ فقلت: ويحك! كنت مع بعض الولاة بدمشق فسمعت أهلها، وقد خرجوا علينا حتى أن الوالي خرج في زنبيل من قصر الحجاج، وهرب هو وأصحابه، وهربت في جملة القوم، فبينما أنا هارب في بعض الدور، وإذا بجماعة يعدون، فما زلت أعدو أمامهم حتى تجاوزتهم، ومررت بهذا الرجل الذي ذكرته لك، وهو جالس على باب داره، فقلت: يا هذا أغثني أغاثك الله؟ قال: لا بأس عليك ادخل الدار.
فدخلت، فقالت لي زوجته: ادخل تلك المقصورة.
فدخلتها ووقف الرجل على باب الدار، فما شعرت إلا وقد دخل، والرجال معه يقولون هو والله عندك.
فقال: دونكم الدار فتشوها.
ففتشوها حتى لم يبق سوى تلك المقصورة وامرأته فيها، فقالوا: ها هو هنا.
فصاحت بهم المرأة ونهرتهم، فانصرفوا، وخرج الرجل وجلس على باب داره ساعة، وأنا قائم أرجف ما تحملني رجلاي من شدة الخوف، فقالت المرأة: اجلس لا بأس عليك.
فجلست، فلم ألبث حتى دخل الرجل، فقال: لا تخف فقد صرف الله عنك شرهم وصرت إلى الأمن والدعة إن شاء الله.
فقلت: جزاك الله خيراً.
فما زال يعاشرني أحسن معاشرة وأجملها وأفرد لي مكاناً من داره ولم يحوجني إلى شيء ولم يفتر عن تفقد أحوالي، فأقمت عنده أربعة أشهر في أتم عيشٍ وأرغده إلى أن سكنت الفتنة وهدأت وزال أثرها، فقلت له: أتأذن لي في الخروج حتى أتفقد حال غلماني، فلعلي أقف منهم على خبر.
فأخذ علي المواثيق بالرجوع إليه، فخرجت وطلبت غلماني فلم أر لهم أثراً فرجعت إليه وأعلمته بالخبر، وهو مع هذا كله لا يعرفني بنفسه ولا يعرف من أنا، فقال لي: علام تعزم؟ فقلت: عزمت على التوجه إلى بغداد.
قال: إن القافلة بعد ثلاثة أيام تخرج.
فقلت له: إنك قد تفضلت علي هذه المدة، لك علي عهد الله إنني لا أنسى لك هذا الفضل ولأوفينك مهما استطعت.
قال: فدعا بغلام أسود وقال له: أنعل الفرس الفلاني، ثم جهز آلة السفر فقلت في نفسي: ما أشك أنه يريد أن يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي. فأقاموا يومهم ذلك في كد وتعب، فلما كان يوم خروج القافلة جاء في السحر، فقال: يا فلان! قم، فإن القافلة تخرج الساعة، وأكره أن تنفرد عنها.
فقلت في نفسي: كيف اصنع وليس معي ما أتزود به ولا ما أكتري به مركباً، ثم قمت، فإذا هو وامرأته يحملان بقجة من أفخر اللباس وخفين جديدين وآلة السفر، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي، ثم قدم لي غلاماً وعلى كتفه صرتان وفوقهما مرتبة السفر وسجادة من أفخر ما يكون، وأعلمني بما في الصرتين أنه خمسة آلاف درهم، وشد لي الفرس الذي أنعله بسرجه ولجامه، وقال لي: اركب، وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس مركوبك، وأقبل هو وامرأته يعتذران إلي من التقصير في أمري وركب معي من يشيعني، وانصرفت إلى بغداد، وأنا أتوقع خبره لأفي بعهدي له في مجازاته ومكافاته، واشتغلت مع أمير المؤمنين فلم أقدر أن أتفرغ إلى أن أرسل إليه من يكشف خبره، فلهذا أسأل عنه.
فلما سمع الرجل الحديث قال: قد أمكنك الله من الوفاء له ومكافأته على فعله ومجازاته على صنعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك.
فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أنا ذلك الرجل، وإنما الضر الذي أنا فيه قد غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني، ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت معرفته، فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه، ثم قلت له: فما الذي صيرك إلى ما أرى؟ قال: هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي، وبعث أمير المؤمنين بجيوش فضبطوا البلد فأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين وأمري عنده عظيم، وهو قاتلي لا محالة، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية، وقد تبعني من ينصرف إليهم بخبري، وهو نازل عند فلان، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد، فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت بوفاء عهدك.
قال العباس: فقلت يصنع الله خيراً.
ثم أحضر حداداً في الليل وفك قيوده، وزال ما كان عليه من الإنكال، وأدخله حمام داره، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه، ثم سير من أحضر إليه غلامه، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه، فاستدعى العباس نائبه وقال: علي بفرسي الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة، ثم عشرة من الصناديق، ومن الكسوة كذا وكذا.
قال ذلك الرجل: وأحضر لي بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيساً فيه خمسة آلاف دينار، وقال لعامله في الشرطة: خذ هذا الرجل وشيعه إلى حد الأنبار.
فقال له: إن ذنبي عظيم عند أمير المؤمنين وخطبي جسيم، وإن أنت احتجيت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرادوا قتلي.
فقال: انج بنفسك ودعني أدبر أمري.
فقال: والله لا أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك، فإن احتجت إلى حضوري حضرت.
فقال لصاحب الشرطة: إن كان الأمر على ما يكون، فليكن في موضع كذا وكذا، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمته، وإن أنا قتلت وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم، وتجتهد في إخراجه من بغداد.
قال الرجل: فأخذني صاحب الشرطة وصيرني في مكان يثق به، وتفرغ العباس لنفسه وتحنط وجهز له كفناً.
قال العباس: فلم أفرغ من صلاة الصبح إلا وأرسل المأمون في طلبي يقولون: يقول لك أمير المؤمنين: هات الرجل معك وقم.
قال: فتوجهت إلى دار أمير المؤمنين وإذا هو جالس وعليه كآبة، فقال: أين الرجل؟ فسكت، فقال: ويحك أين الرجل؟ فسكت، فقال ويحك أين الرجل؟ فقلت: يا أمير المؤمنين اسمع مني ما أقول.
فقال: لله علي عهد، لئن ذكرت أنه هرب لأضربن عنقك.
فقلت لا والله، يا أمير المؤمنين إنه ما هرب، ولكن اسمع حديثي معه كيت وكيت، وقصصت عليه القصة جميعها وعرفته أني أريد أن أفي له وأكافئه على ما فعله معي، وقلت: أنا وسيدي ومولاي أمير المؤمنين بين أمرين: إما أن يصفح عني، وقد وفيت وكافأت، وإما أن يقتلني فأقيه بنفسي وقد تحنطت، وها كفني يا أمير المؤمنين.
فلما سمع المأمون الحديث قال: ويحك، لا جزاك الله خيراً عن نفسك، إنه فعل بك ما فعل من غير معرفة، وتكافئه بعد المعرفة والعهد بهذا لا غير؟ هلا عرفتني خبره، فكنت أكافئه عنك ولا أقصر بوفائي له؟ فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ههنا، وقد حلف أنه لا يبرح حتى يعرف سلامتي، فإن احتجت إلى حضوره حضر.
فقال المأمون: وهذه منة أعظم من الأولى، اذهب الآن فطيب نفسه وسكن روعه وائتني به حتى أتولى مكافأته عنك.
قال: فأتيت إليه وقلت: ليزل عنك حزنك، إن أمير المؤمنين قال كيت وكيت.
فقال: الحمد لله الذي لا يحمد على السراء والضراء أحد سواه. ثم قام فصلى ركعتين، ثم أتيت به إلى أمير المؤمنين، فلما مثل بين يديه أقبل عليه وأدنى مجلسه وحدثه حتى حضر الغداء وأكل معه وخلع عليه وعرض عليه أعمال دمشق فاستعفى عنها، فأمر له المأمون بعشرة أفراس بسروجها ولجمها، وعشرة بغال بآلاتها، وعشر بدر، وعشرة آلاف دينار، وعشرة مماليك بدوابهم، وكتب إلى عامله بدمشق بالوصية به، وأطلق خراجه، وأمر بمكاتبته بأحوال دمشق، فصارت كتبه تصل إلى المأمون وكلما وصلت خريطة البريد وفيها كتابه يقول لي: يا عباس هذا كتاب صديقك، والله أعلم.
المأمون وزنبيل بوران ويحكى عن إسحاق الموصلي أنه قال: خرجت ليلة من عند المأمون متوجهاً إلى بيتي، فأحسست بالبول، فعمدت لزقاق، وقمت لأتمسح بالحيطان، وإذا بزنبيل كبير بأربعة آذان ملبس ديباجاً، فقلت: إن لهذا سبباً وبقيت متحيراً في أمره، فحملني السكر وقال لي: اجلس فيه، فجلست، فلما أحس بي الذين كانوا يرقبونه جذبوه إلى رأس الحائط، فإذا أنا بأربع جوار يقلن لي: انزل بالرحب والسعة ومشت بين يدي جارية بشمعة حتى نزلت إلى دار ومجالس مفروشة لم أر مثلها إلا في دار الخلافة فجلست، فما شعرت بعد ساعة إلا بستور قد رفعت في ناحية من الجدران، وإذا بوصائف يتمشين وفي أيديهن الشمع وبعض مجامر يحرق فيهن العود وبينهن جارية كأنها البدر الطالع، فنهضت وقالت: مرحباً بك من زائر وجلست، ثم سألتني عن خبري فقلت: انصرفت من عند بعض إخواني وغرني الوقت وحرقني البول، فعمدت إلى هذا الزقاق، فوجدت زنبيلاً معلقاً، فحملني السكر على أن جلست فيه، فإن كان خطأ فالنبيذ أكسبنيه.
قالت: لا ضير، وأرجو أن تحمد عاقبة أمرك، ثم قالت: فما صناعتك؟ قال: بزاراً ببغداد.
فقالت: هل رويت من الأشعار شيئاً؟ قلت: شيئاً ضعيفاً.
قالت: فذاكرنا شيئاً.
قلت: إن للداخل حشمةً، ولكن تبدئين أنت.
قالت: صدقت، فأنشدتني شعراً لجماعة من القدماء والمحدثين من أجود أقاويلهم، وأنا مستمع لا أدري مم أعجب من حسنها أم حسن روايتها؟ ثم قالت: أذهب ما كان فيك من الحصر؟ قلت: إي والله.
قالت: فإن رأيت أن تنشدنا.
فأنشدتها شيئاً لجماعة من القدماء ما فيه مقنع، فاستحسنت ذلك، ثم قالت: والله ما ظننت أنه يوجد في أبناء السوقة هذا، ثم أمرت بالطعام فأحضر، فجعلت تقطع وتضع قدامي، وفي المجلس من صنوف الرياحين وغريب الفواكه ما لا يكون إلا عند السلطان، ودعت بالشراب، فشربت قدحاً، ثم ناولتني قدحاً، ثم قالت هذا أوان المذاكرة والأخبار، فاندفعت أذاكرها وقلت: بلغني أن كذا وكذا، وكان رجل يقال له كذا، حتى أتيت على عدة أخبار حسان، فسرت بذلك وقالت: كثر تعجبي أن يكون أحد من التجار يحفظ مثل هذا، وإنما هذه أحاديث ملوك.
فقلت: كان لي جار يحادث الملوك وينادمهم، وإذا تعطل حضرت معه فربما حدثت بما سمعت.
فقالت: لعمري، لقد أحسنت الحفظ وما هذه إلا قريحة جيدة.
وأخذنا في المذاكرة، إذا سكت ابتدأت هي، وإذا سكتت ابتدأت أنا حتى قطعنا أكثر الليل وبخور العود يعبق، وأنا في حالة لو توهمها المأمون لطار شوقاً إليها، فقالت: إنك من أرف الرجال، وضيء الوجه بارعٌ في الأدب وما بقي إلا شيء واحد؟ قلت: وما هو؟ قالت: لو كنت تترنم ببعض الأشعار؟ قلت: والله لقديماً كنت ألفته ولم أرزقه وأعرضت عنه، وفي قلبي من حرارة، ولو كنت أحب في مثل هذا المجلس شيئاً منه لتكمل ليلتي.
قالت: كأنك عرضت.
فقلت: والله ما هو تعريض قد بدأت بالفضل، وأنت جديرة بذلك.
فأمرت بعود فحضر، وغنت بصوت ما سمعت بحسنه مع حسن أدبها وجودة الضرب بالكمال الراجح، ثم قالت: هل تعرف هذا الصوت ومن غنى به؟ قلت: لا.
قالت: الشعر لفلان والغناء لإسحاق.
قلت: وإسحاق هذا جعلت فداك بهذه الصفة؟ قالت: بخ بخ! إسحاق بارع في هذا الشأن.
فقلت: سبحان الله أعطي هذا الرجل ما لم يعطه أحد؟ قالت: فكيف لو سمعت هذا الصوت منه.
ثم لم تزل على ذلك حتى إذا كان الفجر أقبلت عجوزٌ كأنها داية لها، وقالت: إن الوقت قد حضر، فنهضت عند قولها، فقالت: لتستر ما كنا فيه فإن المجالس بالأمانات.
قلت: جعلت فداك لم أكن أحتاج إلى وصية في ذلك.
فودعتها، وجارية بني يدي إلى باب الدار ففتح لي فخرجت ورحت إلى داري، فصليت الصبح ونمت، فانتهى رسول المأمون غلي فسرت إليه وأقمت عنده نهاري، فلما كان العشاء تفكرت في ما كنت فهي البارحة، وهذا شيء لا يصبر عليه إلا جاهل، فخرجت وجئت إلى الزنبيل، فوجدته على عادته، فجلست فيه ورفعت إلى موضع البارحة، وإذا هي قد طلعت، فقالت: لقد عاودت.
فقل: ولا أظن إلا أنني قد ثقلت.
وأخذنا في المحادثة مثل تلك الليلة السالفة في المذاكرة والمناشدة وغريب الغناء منها إلى الفجر. فانصرفت إلى منزلي، فصليت الصبح، ونمت. فانتهى رسول أمير المؤمنين غلي فمضيت إليه وأقمت نهاري عنده، فلما كانت العشية توجه إلي مخاطباً، وقال: أقسمت عليك لتجلسن حتى أجيء وأحضر، فما كان حتى أن غاب وجالت وساوسي، فلما تذكرت ما كنت فيه هان علي ما يخصني من أمير المؤمنين، فوثبت مبادراً وخرجت جارياً حتى أتيت الزنبيل، فجلست فهي فرفعت إلى مجلسي، فقالت: صديقنا.
قلت: إي والله.
قالت: أجعلتها دار إقامة؟ قلت: جعلت فداك حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن رجعت بعد ذلك، فأنتم في حل من دمي.
ثم جلسنا على ذلك الحال فلما قرب الوقت علمت بأن المأمون لا بد أن يسألني، فلا يقنع إلا بشرح القصة فقلت: أنا أراك ممن يعجب بالغناء ولي ابن عم أحسن مني وجهاً، وأظرف قداً وأكثر أدباً وأطيب أرجاً، وهو أعرف خلق الله بغناء إسحاق.
فقالت: طفيلي وتقترح.
قلت: لها: أنت المحكمة.
قم قالت: إن كان ابن عمك على ما تصف فما نكره معرفته.
ثم جاء الوقت فنهضت وقمت وذهبت، فلم أصل إلى داري إلا ورسل أمير المأمون قد هجموا علي وحملوني حملاً عنيفاً فوجدته قاعداً على كرسي وهو مغتاظ فقال: يا إسحاق، أخروجاً عن الطاعة؟ قلت: لا والله.
قال: فما قصتك أصدقني؟ قلت: نعم في خلوة.
فأومأ إلى من بين يديه فتنحوا، فحدثته الحديث وقلت له: وعدتها بك.
قال: أحسنت فأخذنا في لذتنا ذلك اليوم، والمأمون معلق القلب بها، فما صدقنا أن جاء الوقت وسرنا، وأنا أوصيه وأقول له: تجنب واحذر أن تناديني باسمي بحضرتها، وغن وأنا لك تبع وهو يقول: نعم، ثم سرنا إلى الزنبيل فوجدناهما اثنين، فقعدنا فيهما ورفعنا إلى الموضع المعهود، فحضرت وأقبلت وسلمت، فلما رآها المأمون بهت في حسنها وجمالها وأخذت تذاكره وتناشده الأشعار، ثم أحضرت النبيذ فشربنا، وهي مقبلة عليه مسرورة به، وهو أكثر، فأخذت العود وغنت صوتاً، ثم قالت: وابن عمك هذا من التجار، وأشارت إلي.
قلت: نعم.
قال: والله إنكما لقريبان.
فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال داخله الفرح والطرب، فصاح وقال: يا إسحاق! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين.
قال: عن هذا الصوت؟ فلما علمت أنه الخليفة نهضت إلى مكان فدخلته، فلما فرغت من الصوت قال: انظر من رب هذه الدار؟ فبادرت العجوز وقالت: للحسن بن سهل.
فقال: علي به.
فغابت العجوز ساعة، وإذا الحسن قد حضر.
فقال له المأمون: ألك ابنة؟ قال: نعم.
قال: ما اسمها؟ قال: بوران.
قال: أمتزوجة؟ قال: لا والله.
قال: فإني أخطبها منك.
قال: هي جاريتك وأمرها إليك.
قال: قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألفاً، تحمل إليك صبيحة يومنا هذا، فإذا قبضت المال فاحملها إلينا من ليلتنا.
قال: نعم. ثم خرجنا فقال: يا إسحاق لا توفق على هذا الحديث أحداً.
فسترته إلى أن مات المأمون فما اجتمع لأحد مثل ما اجتمع لي في تلك الأربعة أيام مجالسة المأمون بالنهار وبوران بالليل، ووالله ما رأيت أحداً من الرجال مثل المأمون ولا شاهدت امرأة تقارب بوران فهماً وعقلاً والله تعالى أعلم، انتهى من حلية الكميت.
المأمون وجارية أبيه وقيل: كان المأمون يوماً يأكل مع أبيه الرشيد، فلما فرغا جعلت جارية تصب الماء على يد الرشيد، فنظر إليها المأمون، وأشار إليها كأنه يقبلها، فأنكرت ذلك منه بعينها، وأبطأت في الصب بقدر النظر إلى المأمون، فقال لها الرشيد: لأي شيء صغى الإبريق في يدك، فوالله لئن لم تصدقيني الحق لأضربن عنقك؟ فقالت: يا سيدي نظر إلي عبد الله المأمون، وأشار إلي كأنه يقبلني، فأنكرت ذلك بعيني.
فنظر الرشيد إلى المأمون فسقط مغشياً عليه كأنه ميت مما داخله من الخوف والفزع، فأخذه وضمه إلى صدره، وقال: يا عبد الله؛ أتحبها؟
قال: إي والله يا أمير المؤمنين.
فقال: هي لك، خذ بيدها وادخل بها في هذا القبة. ففعل، فلما خرج إلى الرشيد قال له: هل قلت في هذا شيئاً؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، ثم أنشد يقول:
ظبي كنيت بطرفيعن الضمير إليهقبلته من بعيدٍ
فاعتل من شفتيهورد أخبث ردٍّبالكسر من حاجبيه
فما برحتمكاني حتىقدرت عليه
المأمون والفتاة العربية عن أبي عبد الله النميري أنه قال: كنت يوماً مع المأمون، وكان بالكوفة، فركبت للصيد ومعه سرية من العسكر، فبينما هو سائر إذ لاحت له طريدة فأطلق عنان فرسه وكان على سابق من الخيل، فأشرف على نهر من ماء بحر الفرات، فإذا هو بجارية عربية خماسية القد، قائمة النهد، كأنها القمر ليلة تمامه، وبيدها قربة قد ملأتها من النهر، ورفعتها على كتفها، وصعدت من حافة النهر، فانحل وكاؤها، فصاحت برفيع صوتها: يا أبت! أدرك فاها، قد غلبني فوها، لا طاقة لي بفيها.
قال: فعجب المأمون من فصاحتها ورمت القربة من يدها، فقال لها المأمون: يا جارية من أي العرب أنت؟ فقالت: أنا من بني كلاب.
قال: وما حملك أن تكوني من الكلاب؟ قالت: والله لست من الكلاب وإنما أنا من قوم كرام غير لئام، يقرون الضيف، ويضربون بالسيف، ثم قالت: يا فتى من أي الناس أنت؟ قال: أوعندك علم بالأنساب؟ قالت: نعم.
قال: أنا من مضر الحمراء.
قالت: من أي مضر؟ قال: من أكرمها نسباً وأعظمها حسباً وخيرها أماً وأباً، مما تهابه مضر وتخشاه.
قالت: أظنك من كنانة؟ قال: أنا من كنانة.
قالت: من أي كنانة؟ قال: من أكرمها مولداً وأشرفها محتداً وأطولها في المكرمات يداً، ممن تهابه كنانة وتخشاه.
قالت: والله أنت من بني هاشم؟ قال: أنا من بني هاشم.
قالت: من أي هاشم؟ قال: من أعلاها منزلةً وأشرفها قبيلةً ممن تهابه هاشم وتخشاه.
قال: فعند ذلك قبلت الأرض وقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين.
قال: فتعجب المأمون منها وطرب طرباً شديداً، ثم قال: لأتزوجن بها لأنها من أكبر الغنائم، ووقف حتى التحق به العسكر، فنزل وأرسل خلف أبيها وخطبها منه، فزوجه بها، وهي والدة العباس، والله أعلم.
أخلاق المأمون من محاسن الأخلاق، ما حكي عن القاضي يحيى بن أكثم قال: كنت نائماً ذات ليلة عند المأمون، فعطش، فامتنع أن يصيح لغلام يسقيه، وأنا نائم فينغص علي نومي، فرأيته وقد قام يتمشى على أطراف أَصابعه حتى أتى موضع الماء، وكان بينه وبين الماء نحو ثلاثمائة خطوة، ثم رجع يتمشى على أطراف أصابعه حتى وصل إلى الفراش الذي أنا عليه، وخطا خطوات لطيفة لئلا ينبهني حتى وصل إلى فراشه، ثم رأيته آخر الليل، وقد قام يبول، فقعد طويلاً يحاول أن أتحرك فيصيح للغلام، فلما تحركت وثب قائماً وصاح بالغلام وتأهب للصلاة ثم جاءني وقال: كيف أصبحت يا أبا محمد، وكيف مبيتك؟ قلت: بخير مبيت جعلني الله فداك.
قال: لقد استيقظت للصلاة، فكرهت أن أصيح للغلام فأزعجك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، لقد خصك الله بأخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ووهب لك سيرتهم، فهناك الله بهذه النعمة، وأتمها عليك.
فأمر لي بألف دينار وانصرفت.
حلم المأمون وحدث سليمان الوراق قال: ما رأيت أعظم حلماً من المأمون، دخلت عليه يوماً وفي يده فص مستطيل من ياقوت أحمر له شعاع قد أضاء له المجلس، وهو يقلبه بيده ويستحسنه، ثم دعا برجل صائغ وقال له: اصنع بهذا الفص كذا وكذا ونزل فيه كذا وكذا، وعرفه كيف يعمل به، فأخذه الصائغ وانصرف ثم عدت إلى المأمون بعد ثلاث فتذكره فاستدعى الصائغ، فأتي به، وهو يرعد وقد امتقع لونه. فقال المأمون: ما فعلت بالفص؟ فتلجلج الرجل ولم ينطق بكلام، ففهم المأمون بالفراسة أنه حصل فيه خلل، فولى وجهه عنه، حتى سكن جأشه، ثم التفت إليه وأعاد القول.
فقال: الأمان يا أمير المؤمنين.
قال: لك الأمان.
فأخرج الفص أربع قطع وقال: يا أمير المؤمنين، سقط من يدي على السندال فصار كما ترى.
فقال المأمون: لا بأس عليك، صنع به أربع خواتم، وألطف له في الكلام حتى ظننت أنه كان يشتهي الفص على أربع قطع. فلما خرج الرجل من عنده، قال: أتدرون كم قيمة هذا الفص؟ قلنا: لا، قل: اشتراه الرشيد بمائة ألف وعشرين ألفاً، انتهى.
ومن حلمه أيضاً. قال يحيى: كنت أنا والمأمون يوماً في بستان ندور فيه فمشينا في البستان من أوله إلى آخره، وكنت مما يلي الشمس والمأمون مما يلي الظل، فكان يجذبني أن أكون في الظل وهو في الشمس، فأمتنع من ذلك، فإذا رجعنا قال لي: والله يا يحيى لتكونن في مكاني ولأكونن في مكانك، حتى آخذ نصيبي من الشمس كما أخذت نصيبك منها.
فقلت: والله يا أمير المؤمنين لو قدرت أن أقيك من هول المطلع لفعلت.
ولم يزل بي حتى تحولت إلى الظل وتحول هو إلى الشمس، ووضع يده على عاتقي وقال: بحياتي عليك إلا ما وضعت يدك على عاتقي مثل ما فعلت، فإنه لا خير في صحبة من لا ينصف. ومن حلمه أيضاً، أنه كان له خادم يسرق طاساته التي يتوضأ فيها فقال له المأمون: إذا سرقت شيئاً فائتني بما تسرقه، فأشتريه منك.
فقال له الخادم: اشتر مني هذه، وأشار إلى التي بين يديه.
فقال: بكم.
قال: بدينارين.
قال: على شرط أنك لا تسرقها.
قال: نعم.
فأعطاه دينارين، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئاً لما رأى من حلمه، والله أعلم.
الطفيلي الأديب والمأمون وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب والبيان والفصاحة باللسان ناقداً في صناعته، حافظاً للأقدار، راوياً للأشعار، خبيراً بسير الملوك في الأيام السالفة، بصيراً بالبحث عن أمورهم في الأيام الآنفة، حاذقاً في التصنيف، فائقاً في التأليف، صبيح الوجه، مقبول المشاهد، حلو الشمائل، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه فيه عائق، وحال دونه حائل وقدر سابق، فبقي حيناً من الدهر، وقد برز في القدر والمال والجاه من كان عنده في الصناعة متأخراً، فضاق صدره وعيل صبره وضلت وّمقاليده، فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلاً وأجمع رأيه على أن يحمل نفسه على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه، وتربص لذلك أن يرى وجهاً إلى أن عزم أمير المؤمنين أن يشرب يوماً هو وصنوه المعتصم، فأمر المأمون بالاستعداد ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري، منفردين عن سائر الندماء، فظهر خبرهما بذلك. وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه، فعزم هذا الأديب المذكور على أن يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم، فمضى إلى إخوانه وأًصدقائه فاستعار من هذا قباء وجبة وردية، ومن آخر منطقة وخفاً وسيفاً، ومن آخر برذوناً، ومن آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك اليوم، ودخل الحمام سحراً، وتطيب، ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار المعتصم وقال للحاجب: عرف الأمير أني رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه.
فسعى الحاجب عدواً حتى أخبر المعتصم، فأذن له. فلما دخل عليه، وتمثل بين يديه، قال له: سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: أنسيت الوعد، ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا؟ قال المعتصم: لا والله ما نسيت ذلك، ولكن تربصت ساعة. ونمت نوماً لأتقوى بذلك على انتصاب سائر النهار.
فقال الفتى: فعجل الآن أيها الأمير، فإنه أمرني أن لا أفارقك حتى آتيه بك.
فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب، ولبس ثيابه وتطيب وركب الفتى معه، والمعتصم لا ينكر شيئاً من كلام الفتى ويتأمل لطافته وهيئته، ولم يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون، وأخذ الفتى يحدث المعتصم وأقبل عليه بكليته، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه، حتى بلغ باب الخليفة فألقى الفتى نفسه عن دابته، وأخذ يمشي بين يديه، والحجاب لا ينكرون منه شيئاً ويظنون نه من خدم المعتصم، حتى نزل المعتصم، وأخذ الفتى بركابه، ودخل المجلس، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى بين يديه، وهو منهمك في نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجباً مما يسمع من حسن كلامه، وأخبر المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو.
فقال المأمون: أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره أحد من الناس إلا من هو عديل النفس. وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثاً، فإن المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما لا بد منه، ثم خرج من ساعته فرحاً وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام واستنطاقه واعتبار قده وعقله، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما وقع في نفس المأمون نهض قائماً فقبل يد المأمون، وعاد إلى مجلسه وأخذ في نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر، وهو مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم. فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى غلب على قلب المأمون، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه، وأمر المأمون بإحضار المائدة، فنصبت بأنواع الطعام، فأكلوا وغسلوا أيديهم، ولمجلس الشراب انتقلوا، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة، فحضرن وأخذن في الغناء، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به، وبالغناء، ومتى قيل وفيمن قيل، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه، وتزايد حسده لأخيه في صحبة مثله فمس الفتى بولٌ، ولم يجد للمدافعة سبيلاً، فقام وهو متيقن أنهما سيذكرانه، ويتواصفان أمره وحاله، إذا خلا المجلس، فما هو إلا أن غاب من بين أيديهما حتى قال المأمون لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك هذا؟ فوالله ما رأيت رجلاً قط أكثر منه أدباً ولا أنظف هيئة ولا اشرف من شمائله.
فقال المعتصم: والله ما أعلم من هو، وإنما جاءني مبكراً برسالة أمير المؤمنين.
فقال المأمون: سألتك بالله يا أخي أهو كذلك؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو.
فقال المأمون: طفيلي، ورب الكعبة، وغضب وأمر الجواري بالنهوض، فنهض وأقبل الفتى راجعاً فلما نظر إلى خلو المجلس من الجواري وإلى تغير وجه المأمون، وقف على رأس المجلس وأقبل بوجهه على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق! كأني بك قد أخذت في نوع الزور والبهتان، وهذا المجلس من المجالس التي لا تحمل المزاح، وما هكذا وعدتني. ثم قل: والله يا أمير المؤمنين، ما بليت من أحد من الناس مثل ما بليت من هذا لأنه دائماً أبداً يعرضني لمثل هذا وأشباهه، ويغري بي ويوقعني في كل ورطة.
ثم أقبل على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق، سألتك بالله وبحق أمير المؤمنين إلا ما أعفيتني من ملاعبتك التي لا تحتمل وتؤدي إلى مؤاخذة أمير المؤمنين.
ولم يزل يأتي بهذا وأمثاله حتى شك المأمون في أمره والتفت إلى أخيه المعتصم وقال: سألتك بالله يا أخي، بحياتي عليك إلا ما علمتني بحقيقة أمره؟ فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين برئت من ذمة الله ورسوله ومن حياتك وولايتك إن كنت عرفه أو رأيته قط إلا في يومي هذا.
فقال الفتى: كذب والله يا أمير المؤمنين لقد كنت معه دهري الطويل وفي موضع كذا وكذا، وإن هذا فعله معي أبداً.
فضحك المأمون تعجباً، وقال: ادخل فدخل، وأمره بالجلوس فجلس، ثم قال لك الأمان إن صدقتني.
فصدقه الحديث على وجهه فأعجب من حسن منطقه ولطف مدخله ودقيق تصرفه وأمر بإعادة الجواري إلى مجلسهن، فطربوا سائر يومهم. فقال له المأمون: أخبرني بأعجب ما لحقك في قدومك من الكوفة إلى بغداد واجعله نظماً ولا تكتم عني شيئاً.
فقال: نعم، ثم أنشأ يقول:
بينا أنا راقد في البيت مكتئب ... مفكر في حصول الكد والقوت
وليس في البيت لي شيء ألم به ... وبي من الجوع ما يدني إلى الموت
إذا بصوت بباب الدار أسمعه ... والأذن مصغية مني إلى الصوت
ناديت من ذا الذي أرجوه لي فرجاً؟ ... نادى: أنا فرجٌ زن لي كرا البيت
فضحك المأمون حتى استلقى على فراشه، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه وقال: ثم ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني بالكراء، فوعدته بأن يرجع إلي مرة أخرى، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين أتوجه، فسألت كل من لقيته من صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من الشعر في ذلك وهما.
غريب الدار ليس له صديقٌ ... جميع سؤاله: أين الطريق؟
تعلق بالسؤال لكل شخصٍ ... كما يتعلق الرجل الغريق
فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ليلة كماله، وهي تقول:
ترفق يا غريب فكل حر ... يمر بحاله سعةٌ وضيق
وكل ملمةٍ إن أنت فيها ... صبرت لها أتيح لها طريق
ثم قالت: خذ هذه فادفع بها فاقتك، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت، ورمت إلى صدري بقرطاس، وإذا فيه عشرة دراهم، فرجعت من فوري، فوجدت صاحب الكراء قائماً على الباب، فدفعت إليه خمسة دراهم، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه القصة، وهذا الأمر الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول:
لم آتِ فعلاً غير مستحسن ... جهلاً بفعل الأحسن الأملح
لكنني في حالة أوجبت ... ضرورة إتيان مستقبح
فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه وألحقه بمراتب الخاصة، ورفعت منزلته، وصار أقرب الناس إليه، وآخر خارج من عنده وأول داخل إليه، وسمي طفيلي المعتصم، وأنشد للمأمون يوماً يقول:
كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي
تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلاً بذكرك عن ديني ودنيائي
وصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
فاستحسن المأمون الأبيات، وأمر بكتبها على الستارة، وصار الفتى إذا حضر يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم إلا اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي المجلس، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته، أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه منها الجارية، فإذا هي لرجل من أهل بغداد من مباشريها، وقد مات ولم يخلف ولداً سوى تلك الجارية، وما مات حتى تضعضع حاله، فأعلم المأمون بذلك، فمر بخطبتها للفتى ودفع المهر من عنده وصار الفتى والجارية في نعمة عظيمة بقية عمرهما والله أعلم.
رقة قلب المأمون وسرق شاب سرقة، فتي به إلى المأمون فأمر بقطع يده فتقدم لتقطع يديه فأنشد الشاب يقول:
يدي، يا أمير المؤمنين، أعيذها ... بعفوك أن تلقى نكالاً يشينها
فلا خير في الدنيا ولا راحةً بها ... إذا ما شمالٌ فارقتها يمينها
وكانت أم الشاب واقفةً على رأسه، فبكت وقالت: يا أمير المؤمنين إنه ولدي وواحدي، ناشدتك الله إلا رحمتني وهدأت لوعتي وجدت بالعفو عمن استحق العقوبة.
فقال المأمون: هذا حد من حدود الله تعالى.
فقالت: يا أمير المؤمنين! اجعل عفوك عن هذا الحد ذنباً من الذنوب التي تستغفر منها.
فرق لها المأمون وعفا عنه.
المأمون ونذير الشؤم قال: رأيت في بعض المجاميع بخط بعض العلماء الأكابر أن المأمون أشرف يوماً من قصره فرأى رجلاً قائماً وبيده فحمة، وهو يكتب بها على حائط قصره، فقال المأمون لبعض خدمه: اذهب إلى ذلك الرجل، فانظر ما كتب وائتني به.
فبادر الخادم إلى الرجل مسرعاً وقبض عليه، وقال: ما كتبت؟ فإذا هو قد كتب هذين البيتين:
يا قصر جمع فيك الشوم واللوم ... متى يعشش في أركانك البوم
يوم يعشش فيك البوم من فرحي ... أكون أول من ينعاك مرغوم
ثم إن الخادم قال له: أجب أمير المؤمنين.
فقال الرجل: سألتك بالله لا تذهب بي إليه.
فقال الخادم: لا بد من ذلك.
ثم ذهب به فلما مثل بين يدي أمير المؤمنين وأعلم بما كتب قال له المأمون: ويلك، ما حملك على هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إنه لا يخفى عليك ما حواه قصرك هذا من خزائن الأموال والحلي والحلل والطعام والشراب والفرش والأواني والأمتعة والجواري والخدم وغير ذلك مما يقصر عنه وصفي ويعجز عنه فهمي. وإني يا أمير المؤمنين قد مررت عليه الآن، وأنا في غاية من الجوع والفاقة، فوقفت مفكراً في أمري وقلت في نفسي: هذا القصر عامر عال، وأنا جائع ولا فائدة لنا فيه، فلو كان خراباً ومررت به لم أعدم رخامة أو خشبة أو مسماراً أبيعه وأتقوت بثمنه أوما علم أمير المؤمنين رعاه الله قول الشاعر:
إذا لم يكن للمرء في دولة امرئٍ ... نصيب ولا حظ تمنى زوالها
وما ذاك من بغض له، غير أنه ... يزجي سواها، فهو يهوى انتقالها
فقال المأمون: يا غلام، أعطه ألف درهم، ثم قال: هي لك في كل سنة ما دام قصرنا عامراً بأهله مسروراً في دولته.
وأنشدوا في معنى ذلك:
إذا كنت في أمر، فكن فيه محسناً ... فعما قليل أنت ماض وتاركه
فكم دحت الأيام أرباب دولةٍ ... وقد ملكوا أَضعاف ما أنت مالكه
المأمون ومدعي النبوة ويحكى أنه تنبأ رجل في أيام المأمون، فقل ليحيى بن أكثم القاضي: يا يحيى امض بنا مستترين حتى ننظر إلى هذا المتنبي وإلى دعواه.
فركبا في الليل مستترين ومعهما خادم حتى صارا إلى بابه وكان مستراً بثوبه، فاستأذنا عليه فخرج إليهما، فقال: من أنتما؟ فقالا: رجلان يريدان أن يسلما على يديك.
قال: ادخلا. فدخلا وجلس المأمون عن يمينه، يحيى عن يساره، فقال المأمون: إلى من بعثت؟ قال: إلى الناس كافة.
قال: أفيوحى إليك، أم ترى في المنام، أم ينفث في قلبك؟ قال: بل أناجي وأكلم قال: ومن يأتيك؟ قال: جبريل.
قال: فمتى كان عندك؟ قال: الساعة قبل أن تأتياني بساعة.
قال: فما أوحى إليك؟ قال: أوحى إلي أنه سيدخل عليك رجلان فيجلس أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك، والذي يجلس عن يسارك ألوط خلق الله تعالى.
فقال له المأمون: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وكان يحيى يعزى إلى ما قاله عنه المتنبي.
أبو نواس والغلام الجميل والقاضي دخل أبو نواس على القاضي يحيى بن أكثم ودخل معه غلام جميل الوجه. فقال الغلام: هذا مر علي وقبلني كرهاً.
ففتن به القاضي، فأنشد يقول:
إذا كنت للتخميش والبوس كارهاً ... فلا تدخل الأسواق إلا منقبا
ولا تظهر الأصداغ منم تحت طرةٍ ... وتشهر منها فوق خديك عقربا
فلما سمع الغلام، أنشأ يقول:
لقد كنت أرجو أن أرى العدل بيننا ... فأعقبني بعد الرجاء قنوط
متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... إذا كان قاضي المسلمين يلوط
المأمون ويحيى بن أكثم يحكى أنه كان عند المأمون يوماً، فقال له المأمون وهو يعرض له باللواط: يا يحيى! من ذا الذي يقول:
قاضي يرى الحد في الزناء ولا يرى ... على من يلوط من بأس
فقال له: الذي يقول:
ما أرى الجور ينقضي، وعلى الأم؟ ... ؟ةِ والٍ منكم بني العباس
سليب العقل لا الدين سكرة القاضي ابن أكثم ويقال: إن المأمون شرب يوماً ومعه القاضي يحيى بن أكثم، فمال لساقي على القاضي حتى وقع سكران، فأمر المأمون أن يلقى عليه الورد والرياحين حتى يدفن فيها كأنه ميت، وصنع بيتين شعراً، وقال لمغنيته: خذي العود وغني على رأسه فغنت وقالت:
وناديته وهو حي لا حراك به ... مزمل في ثياب من رياحين
فقلت: قم! قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ! قال: كفي لا يوافيني
فاستيقظ يحيى لرنة العود والجارية تغني البيتين فقام، وقال:
يا سيدي وأمير الناس كلهم ... قد جار في حكمه من كان يسقيني
سقاني الراح لم يمزج سلافتها ... حتى بقيت سليب العقل لا الدين
إبراهيم بن المهدي والمأمون قال الواقدي: كان إبراهيم بن المهدي ادعى لنفسه الخلافة بالري وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً وله أخبار كثيرة.
فما حكاه قال: لما دخل المأمون الري في طلبي أثقل علي الطلب وجعل لمن دل علي وأتاه بي مائة ألف درهم، فخفت على نفسي، وتحيرت في أمري، فخرجت من داري وقت الظهر، وكان يوماً صائفاً، وما أدري أين أتوجه، فمررت بزقاق لا ينفذ، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، إنا لله وإنا إليه راجعون، وخفت إن رجعت على أثري يعلموا بين فرأيت في صدر الزقاق عبداً أسود قائماً على باب داره، فتقدمت إليه، وقلت له: عندك موضع أقيم فيه ساعة من النهار؟ قال: نعم، وفتح الباب، فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر نظيفة وبسط ومخدات جلد، ثم إنه أغلق الباب علي ومضى، فخفت أن يكون سمع الجعالة في حقي، وأنه عرفني ومضى ليدلهم علي، فبقيت مثل الحبة في المقلاة قلقاً ميتاً من الخوف، فبينما أنا كذلك، إذ أقبل ومعه حمال حامل كل ما أحتاج إليه من لحم وخبز وقدر جديدة وجرة وكيزان جدد، ثم التفت إلي وقال: جعلني لله فداك! أنا رجل حجام، وأنا أعرف أنك تنفر مني لما أتولاه من معيشتي، فشأنك بما لم تقع عليه يدي.
وكان لي حاجة إلى الطعام فقمت وطبخت قدراً ما ظننت أني أكلت مثلها قدراً، فلما قضيت أربي، قال لي: هل لك أن تشرب شيئاً فإنه يسلي الهم ويزيل الغم، ويمهد للنفس الفرح؟ قلت: ما أكره ذلك، رغبة في مؤنسته.
فأتى بقطرميز جديد وأحضر لي نقلاً وفاكهة في أوان جدد من فخار، ثم قل بعد ذلك: إن أذنت لي، جعلت فداك أن أقعد بناحية منك وآتي بشراب فأشرب مسروراً بك.
فقلت: افعل.
ففعل وشرب ثلاثاً، ثم خل إلى خزانة له: فأخرج عوداً مصلحاً، ثم قال: يا سيدي ليس من قدري أن أسألك أن تغني، ولكن قد وجب على مروءتك حرمتي، فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغني لنفسك والعبد يسمع فافعل.
فقلت له: ومن أين لك أني أحسن الغناء؟ فقال متعجباً: سبحان الله! أنت أشهر من ذلك، أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن يدل عليك مائة ألف درهم.
فلما قال ذلك عظمت مروءته عندي، وعلمت أن نخوته أجل مما بذل، فتناولت العود فأصلحته، وقد مر بخاطري ذكر أهلي وولدي، فقلت:
وعسى الذي أهدى ليوسف أهله ... وأعزه في السجن وهو غريب
أن يستجيب لنا فيجمع شملنا ... فالله رب العالمين قريب
فقال: يا سيدي اجعل ما تغنيه مما أقتضيك به.
قلت: نعم. فقال: غن لي:
إن الذي عقد الذي انعقدت به ... عقد المكاره، فهو يملك حلها
فاصبر، فإن الله يعقب راحةً ... فلعلها أن تنجلي، فلعلها
فحسن عندي اقتراحه وشربت، ثم قال لي: غن لي:
وراء مضيق الخوف متسع الأمن ... وأول مفروح به آخر الحزن
فلا تيأسن فالله ملك يوسفاً ... خزائنه بعد الخلاص من السجن
ففرح وشرب وشربت، وقال: غن لي:
إذا الحادثات بلغن النهى ... وكادت لهن تذوب المهج
وحل البلاء وقل العزاء ... فعند التناهي يكون الفرج
وغنيته وحسن في نفسي اقتضاؤه، وأنست به، واستظرفته، ثم قال: إن رأيت يا سيدي أن تأذن لي أن أغني ما خطر ببالي، وإن كنت من غير أهل الصناعة؟ فقلت: يكون ذلك زيادةً في أدبك ومروءتك.
فأخذ العود، ثم قال: دستور، ثم ضرب عليه، وغنى يقول:
شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا ... فقالوا لنا: ما أقصر الليل عندنا
وذاك لأن النوم يغشى عيونهم ... سريعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا
إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى ... جزعنا، وهم يستبشرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يلاقون مثل ما ... نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا
فقلت: والله ذهب عني كل ما كان عندي من الفزع وسألته أن يغني، فغنى يقول:
تعيرنا أنا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز، وجار الأكثرين ذليل
وإنا لقوم لا نرى الموت سبةً ... إذا ما رأته عامرٌ وسلول
يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول
فوالله لقد أجاد وذهب عني كل ما كان من الفزع والجزع، واستأنست به وأخذني من الطرب ما لا مزيد عليه، وعالجني النوم قبل أوانه فنمت، ولم أستيقظ إلا بعد المغرب، وجال فكري في هذا الحجام وأدبه وظرفه، وكيف غناؤه وأدبه وإرادته أن يسليني عما أنا فيه إشارة إلى تخصيصه بالوفاء لضيفه ونصره لجاره، فقعدت وغسلت وجهي ويقظته، وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دناينر ومصاغ لها قيمة فدفعتها إليه، وقلت له: أنت في وداعة الله وحفظه فإني ماض عنك، وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك، ولك عندي، إذا أمنت، المزيد، فأعادها علي مبادراً وقال: يا سيدي! الصعلوك لا قيمة له عند أهل الرياسات، ويظنون فيه الظنون الرديئة، أفآخذ على ما وهبني الله من قربك وحلولك في منزلي ثمناً؟ لا والله، فألححت عليه، فأخذ موسى بيده وقال: والله إن راجعتني لأنحرن نفسي، فخشيت عليه وأخذت الخريطة وأثقلني حملها، فلما انتهيت إلى باب الدار، قال: يا سيدي إن هذا الموضع أخفى لك من غيره، وليس عندي في مؤنتك ثقلة، فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك. فرجعت وسألته أن يكون منفقاً من تلك الخريطة فلم يفعل، وكان كل يوم يفعل بي مثل ما فعل في اليوم الأول.
قال: فأقمت أياماً في أطيب عيش وأهناه، ثم سئمت من الإقامة عنده وخشيت الثقل عليه، فتركني ومضى يجدد لنا حالنا، فلبست ثيابي وتزينت بزي النساء بالخف والنقاب، وخرجت. فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف والفزع أمر شديد ومشيت لأعبر الجسر، وإذا هو قد رش، ورجل قائم فأبصرني بعض من كان في خدمتي من الجند فتعلق بين وقال: طلبة أمير المؤمنين، فدفعته في صدره فوقع في الزلق وصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر، ودخلت زقاقاً فوجدت باباً وامرأة واقفة فيه، فقلت: يا سيدة النساء، احقني دمي فإني رجل خائف.
فقالت: ادخل، فدخلت فأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت لي طعاماً. وقالت: ليهدأ روعك فإنه لا يعلم بك مخلوق، ولو أقمت سنة ما عليك بأس، وإذا بالباب يدق، فخرجت وفتحت الباب، فإذا هو صاحبي الذي دفعته على الجسر، وهو مشدوخ الرأس ودمه يسيل على ثيابه، فقالت له ما دهاك؟ قال: إن حديثي عجيب وأمري غريب ظفرت بالفتى وانفلت من يدي.
قالت: وكيف؟ قال: إبراهيم بن المهدي لقيته فتعلقت به فدفعني فأصابني ما ترين من حالي ولو حملته إلى أمير المؤمنين لأخذت منه مائة ألف درهم.
قال: فأخرجت له حراقاً وذروراً، وفرشت له بعد كبس جرحه فنام قليلاً وطلعت وقالت لي: أظنك صاحب القصة؟ قلت: نعم.
فقالت لي: إني خائفة عليك، ثم جددت لي الكرامة وأقمت عندها ثلاثة أيام، ثم قالت لي: إني خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع على أمرك فينم عليك فانج بنفسك.
فسألتها إمهالي إلى الليل. فلما دخل لبست زي النساء وخرجت منم عندها وأتيت إلى بيت مولاة لنا، فلما رأتني بكت وتوجعت وحمدت الله تعالى على سلامتي وخرجت كأنه تريد كرامتي، فتوجهت للسوق مظهرة الاهتمام للضيافة فظننت خيراً، فلم أشعر إلا بإبراهيم الموصلي بخيله ورجاله، والمولاة معه حتى سلمتني إليه، فرأيت الموت عياناً، وحملت مثل ما أنا إلى أمير المؤمنين، فجلس مجلساً عاماً، وأمر بإدخالي عليه، فلما مثلت بين يديه سلمت عليه سلام الخلافة، فقال: لا سلمك الله، ولا حفظك ولا رعاك.
فقلت: يا أمير المؤمنين، إن ولي الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، ومن تناولته يد الأقدار ربما مد له من أسباب الرجاء ما يأمن معه عادية الدهر، وقد جعلك الله فوق خلقه، وأصبح عفوك فوق كل ذي عفو، فإن تأخذ فبحقك، وإن تعف فبفضل، وأنشدت أقول:
ذنبي إليك عظيموأنت أعظم منهفخذ بحقك أولا
واصفح بحلمك عنهإن لم أكن في فعاليمن الكرام فكنه
قال: فرفع رأسه إلي، فقلت مبتدراً:
أتيت ذنباً عظيماً ... وأنت للعفو أهل
فإن عفوت فمن ... وإن جزيت فعدل
قال: فرق المأمون واسترجع فرأيت روائح الرحمة في شمائله، ثم أقبل على أخيه أبي إسحاق محمد المعتصم وابنه العباس وجميع من حضر من خصته، وقال: ما ترون في أمره؟ فأشار الكل بقتلي، إلا أنهم اختلفوا في القتل، فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد: ما تقول يا أحمد؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن قتلته فقد وجدنا مثلك قتل مثله، وإن عفوت لم نجد مثلك في العفو.
فنكس المأمون رأسه إلى الأرض وجعل يخط في الأرض بإصبعه، ثم رفع رأسه وقال:
قومي هموا قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت يصيبني سهمي
ثم قال المأمون: لا بأس عليك يا عم.
فقلت: ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم من أن أفوه معه بعذر، وعفوك أعظم من أن أنطق معه بشكر، ولكن أقول:
إن الذي خلق المكارم حازها ... في صلب آدم للإمام السابع
ملئت قلوب الناس منك مهابةً ... وتظل تكلؤهم بقلبٍ خاشع
ما إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع
وعفوت عمن لم يكن عن مثله ... عفو، ولم يشفع إليك بشافع
ورحمت أشباحاً كأفراخ القطا ... وحنين والدةٍ بقلب جازع
فقال المأمون: لا تثريب اليوم عليك، قد عفوت عنك، ورددت عليك مالك وضياعك، فأنشدت أقول:
رددت مالي ولم تبخل علي به ... وقبل ردك مالي قد حقنت دمي
أمنت منك وقد خولتني نعماً ... نعم الحياتان من موت ومن عدم
فلو بذلت دمعي أبغي رضاك به ... والمال حتى أسل النعل من قدمي
وإن جحدتك ما وليت من نعم ... إني إلى اللؤم أول منك بالكرم
فقال المأمون: إن من الكلام كلاماً كالدر، وهذا منه، وأمر لي بمالي وخلع علي، وقال: يا عم إن أبا إسحاق والعباس أشار بقتلك.
فقلت: إنهما نصحاك يا أمير المؤمنين، ولكن فعلت ما أنت أهله، ودفعت ما خفت أنا بما رجوت.
فقال المأمون: لقد مات حقدي بحياة عذرك، وقد عفوت عنك.
ثم سجد المأمون طويلاً، ثم رفع رأسه، ثم قال: يا عم أتدري لم سجدت؟ قلت له: شكراً لله تعالى على ما أوقعك علي وملكك إياي في ديك تفعل بي ما تشاء.
فقال: أخطأت! ولكن أشكر الله تعالى على ما ألهمني من العفو عنك من قبل نفسي، ثم قال: وأعظم من عفوي عنك أنني لم أجرعك مرارة امتنان الشافعين، فحدثني بما كان من أمرك.
فشرحت له ما جرى لي مع الحجام والجندي وزوجته والمولاة التي أسلمتني، فأمر المأمون بإحضارها، وهي في دارها تنتظر الجائزة، فلما حضرت قال لها المأمون: ما حملك على ما فعلت تسليمك إبراهيم مع إنعامه عليك؟ قالت: رغبة في المال.
قال هل لك من ولد أو زوج؟ قالت: لا، فأمر بضربها مائة سوط وأمر بتخليدها في السجن، ثم أحضر الجندي وامرأته والحجام، فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على ما فعل؟ قال: رغبة في المال.
فقال: إنك أولى في أن تكون حجاماً من أن تكون خداماً، ووكل من يلزمه الجلوس في مكان الحجام، ليتعلم الحجامة، وأحسن إلى امرأته وجعلها قهرمانة قصره وقال: هذه امرأة أديبة تصلح للمهمات، وسلم للحجام دار الجندي وما فيها، وخلع عليه وأثبته برزقه في الديوان، وزيادة ألف دينار في كل سنة، ولم يزل كذلك إلى أن مات، والله أعلم.
صيد الجواري وعن محمد بن عبد الله التميمي، قال: حدثنا أحمد بن محمد الحريري قال: كان لحمنة بنت عبد الرحمن الهاشمي من الأموال ما لا يسعه الديوان، ولا تأكله النيران لكثرته، وكانت أدب نساء بني هاشم وأفصحهن لساناً وأقولهن شعراً، فدخلت على المأمون يوماً، وكانت تحبه غاية الحب سراً، وكن المأمون جالساً في إيوان قد ابتدعه لنفسه لم يبتدعه أحد من الخلفاء قبله، وكان قد تأنق في بنائه، وكان فيه من كل صورة في البر والبحر ممثلة من الذهب والفضة، وقد فرشه ببساط من الديباج الأصفر، وأسبل عليه ستوراً من الحرير الصيني، وقد أقام فيه أربعمائة وصيفة بقراطق الحرير، وقد لبسن الوشي بطرر وشعور وأصداغ، وهن بقد واحد، لا تزيد الواحدة منهن على الأخرى، أقام مائتين عن يمنيه ومائتين عن يساره، فقال: يا حمنة! هل كان لأبيك أو لبعلك أو لأحد من الخلفاء مثل هذا الإيوان مع فرشه، ومثل هؤلاء الجواري مع زينتهن؟ فقالت: يا أمير المؤمنين! متعك الله به وعمره بك، فلقد أوتيت ملكاً عظيماً تستأهله لترفهك وشرفك، فإن أحببت خادمتك حمنة أجلستك في مجلس لم تجلس في مثله قط وأصادتك صيداً لم تصد مثله قط، وأسقتك شراباً لم تشرب مثله قط.
وكان عنده يحيى بن أكثم، فقال لها: ياحمنة، قد أجبتك إلى ما سألتني، ولكن لا ينفعني ولا يهناك ذلك إلا بمشهد من يحيى بن أكثم، فإنه لا يطيب لي مجلس إلا به.
فقالت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم ضربت يدها في جيبها، فأخرجت منه مخزنة من ذهب أحمر محشوة مسكاً أذفر، فدفعتها إلى يحيى، وقالت: يا يحيى، إن الأجير لا يعمل حتى يستوفي أجرته، وهذه أجرتك مني فكن مستحثاً لي أمير المؤمنين غداً عند الزوال، في المسير إلى منزل خادمته؟ فقال: حباً وكرامةً.
ثم خرجت من عنده فهيأت ما تحتاج إليه للمأمون وغيره، فلما كان من الغد جلس المأمون في مجلس السلام، فلما زالت الشمس وصارت في كبد السماء قال يحيى: يا أمير المؤمنين الحاجة التي عرضت عليك بالأمس. ففطن المأمون لذلك، وقام من مجلسه ولبس ثياب التجار، ولبس يحيى مثل ذلك، ودعا بحمارين مصريين بغاشيتين، وركباهما حتى أتيا دار حمنة، فدقا الباب دقاً خفيفاً، فسمعته فأقبلت بنفسها، حتى فتحت الباب وأقبلا يمشيان جميعاً حتى انتهيا إلى بيت في بستان قد حمل على أربعة أعمدة من الرخام الأحمر المنقوش، وإذا في صدر البيت أربعة أسطر منقوشة بالدر وصنوف الجواهر وهي:
ما سرني أن فؤادي، ولا ... أن لساني بالمدام حلا
؟وأن لي ملك بني هاشمٍ يجبى إلى أولاً أولا
إن لم أشاهدك أيا مالكي ... تأتي إلى بيتي كذا مقبلا
يا سائلي روحي بلا علةٍ ... أنت المعافى، وأنا المبتلي
فقال المأمون: يا يحيى، ما ملك أحد من الخلفاء مثل هذا البيت.
وإذا فرشه أرمني محفور منقوش باللآلي وإذا فوق الأرمني مطارح من الديباج الأخضر حشوها حواصل الريش، وفي البيت المسك والعنبر والكافور والصندل والزعفران والند والعود مصفوف في أواني الذهب والفضة، وهي تفوح منه روائح لا يدرى ما هي من طيبها، ثم أخرجتهما إلى أربعة ميادين فيها أنواع الرياحين حول البيت، فقالا: إن هذا إلا سحر يؤثر.
ثم دعت لهما بمائدة من الجزع اليماني قوائمها من قطعة واحدة، فوضت وقدمت عليها الألوان الغريبة، فقال المأمون: ما طعمت مثل هذا الطعام قط.
ثم دعت بالطشت والإبريق فغسلا أيديهما، ثم أمرت بشراب فقدمت إليهما قناني الزجاج الشامية المرتفعة الصافية، والبلور، فيها شراب قد أتت عليه الأيام والأعوام، فهي تحكي الهواء لرقتها والياقوت لحمرتها والزنجبيل لحدتها، ووضعت بين أيديهما مع أقداح وأنطال تشاكل ذلك، فقال المأمون: والله! ما رأيت مثل هذا قط.
ثم أخرجت جاريتين عليهما جباب الوشي الكوفي المنسوج بالذهب، وعلى رأسيهما مقانع رشيدية وتيجان من الذهب مكللة بالجوهر، فجلستا وفي حجريهما العيدان المبسوطة الموزونة، فحركتا الأوتار وغنتا بصوت شجي مليح، من أنواع الأغاني وغرائب الأصوات، فقال المأمون: هذه الجنة مما نرى فيها من غرائب الطيب والجوهر.
فقال يحيى: وقد بقي لنا يا أمير المؤمنين، شرط آخر.
فقال: وما هو يا يحيى؟ قال: الصيد، يا أمير المؤمنين.
قال: صدقت يا يحيى، ثم قال: يا حمنة، ما فعل الصيد؟ فقالت: قوما إليه.
فقام المأمون ويحيى حتى دخلا بستاناً لم ير مثله، وقد كانت زينت البستان بأحسن ما تقدر عليه، واتخذت فيه ألوان الطيور من الفاخت والقمري والهزار والطواويس، فكانت الأطيار تغني من رؤوس الأشجار، وتغرد بالسر والإجهار، وقد كانت زينت مائة جارية نواهد أبكار بطرر وشعور وخدود ومباسم ساطعات الأنوار، ترى كل واحدة منهن أبهى من صاحبتها وأحسن، وعليهن من ألوان الثياب ما يعجز عنه الوصف، وفي وسطهن مناطق الذهب الأحمر، وتقدمت إليهن وقالت لهن: إذا رأيتن المأمون ويحيى، تعادين ما بين الأشجار. فلما دخل المأمون ويحيى لابستان، فعلن ما كانت أمرتهن، فتضاعف السرور على المأمون، وأعجب بذلك عجباً شديداً، ثم قال ليحيى: هذا الصيد.
فقال: يا أمير المؤمنين! رأيك؟ فقال المأمون: لو كان لنا كلب لا صطدنا هؤلاء.
فقال يحيى: أنا كلبك، يا أمير المؤمنين.
فعد المأمون ويحيى فاصطادا منهن صبية، فقالت حمنة: سألتك بحق أجدادك إلا ما خليت عن الجواري لا لبخل أبخل بهن عليك، وقد فهمت المعنى فيه.
وقد كانت حمنة تغار على المأمون فخلى عن الجواري، وقال ليحيى: دونك والصيد إذن أنت محل.
فقال يحيى: لو كان لي كلب لاصطدت من هؤلاء.
فقال المأمون: أنا كلبك.
فضحك يحيى وضرب بقلنسوته الأرض، وعد خلفهن، فأخذ منهن خمسة فقالت حمنة: يا يحيى لك الخمسة ولا غيرة لي عليك، وإنما أغار على المأمون لحاجتي إليه.
فقال يحيى: والله يا أمير المؤمنين، لقد رأيت الهوى الغالب في حماليق عينيها، ولا تتم لنا النعمة إلا بتزويجك إياها إن رأيت ذلك.
فقال المأمون: أنا بريء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنتف من جدي العباس إن ذهبت من البستان ولم أتزوجها، ثم قال: يا يحيى اخطب خطبة النكاح.
فخطب يحيى وأمهرها المأمون ألف ألف دينار، وأقطعها مائة من منتخبات الضياع، فحمدت حمنة الله سروراً بما ظفرت من تزويج المأمون إياها، وأمرت ليحيى بعشرة آلاف دينار، ورجع المأمون إلى منزله وزفت إليه في تلك الليلة، فواقعها فحملت بالعباس ابنه، انتهى.
حيل الجواري
حكي أن المأمون كان مشغوفاً بحب جارية يقال لها نسيم، وكانت ذات عقل وأدب وفضل وكمال، وكان لا يفارقها في الحضر ولا في السفر، ثم بعد ذلك مال إلى جارية أخرى أحسن منها، وأعرض عنها، فاغتمت ولم تجد حيلة في استعطافه، وكانت لها جارية رومية أحسن منها في العقل والأدب، وكتمت أمرها عن المأمون، فاتفق أن المأمون حصل له بعض ضعف، ففصد، فحصل له الشفاء، فجعل الناس يدخلون إليه بأصناف التحف والهدايا، فأهدت إليه نسيم الجارية المذكورة، ومعها جام بلور، وغطته بمنديل ديبقي مكتوب عليه بالذهب هذه الأبيات:
فصدت عرقاً تبتغي صحةً ... ألبسك الله به العافية
فاشرب بهذا الجام يا سيدي ... مستمتعاً بهذه الجارية
واجعل لمن أهداكها زورةً ... تحظى بها في الليلة الثانية
فأعجب المأمون ما رأى من الجام والجارية، ثم بعث لها يقول: نعم، وفي هذه الليلة، ثم رضي على نسيم وواصلها بعد ذلك.
المأمون وزبيدة أم الأمين حكي أن المأمون مر يوماً على زبيدة أم الأمين، فرآها تحرك شفتيها بشيء لا يفهمه، فقال لها: يا أماه، أتدعين علي لكوني قتلت ابنك وسلبته ملكه؟ قالت: لا والله يا أمير المؤمنين.
قال: فما الذي قلته؟ قالت: يعفيني أمير المؤمنين.
فألح عليها وقال: لا بد أن تقوليه؟ قالت له: قلت، قبح الله اللجاجة.
قال: وكيف ذلك؟ قالت: لأني لعبت يوماً مع أمير المؤمنين الرشيد بالشطرنج على الحكم والرضا، فغلبني، فأمرني أن أتجرد من أثوابي وأطوف القصر عريانة، فاستعفيته، وبذلت له أموالاً لا تحصى، فلم يعف عني. فتجردت من أثوابي وطفت القصر عريانة، وأنا حاقدة عليه، ثم عاودنا اللعب فغلبته فأمرته أن يذهب إلى المطبخ، فيطأ أقبح جارية وأشوهها خلقة فاستعفاني عن ذلك فلم أعفه، فنزل لي عن خراج مصر والعراق، أبيت وقلت: والله لتطأنها، فألححت عليه وأخذت بيده وجئت به إلى المطبخ، فلم أر جارية أقبح ولا أقذر ولا أشوه خلقة من أمك مراجل، فأمرته أن يطأها فوطئها فعلقت منه بك، فكنت سبباً لقتل ولدي وسلبه ملكه.
فولى المأمون وهو يقول: قاتل الله اللجاجة، أي التي لج بها عليها حتى أخبرته بهذا الخبر، انتهى.
المأمون والشاعر وأتى شاعر المأمون فقال: لقد قلت فيك شعراً، فقال: أنشدنيه. فقال:
حياك رب الناس حياكا ... إذ بجمال الوجه رقاكا
بغداد من نورك قد أشرقت ... وورق العود بجدواكا
قال: فأطرق المأمون ساعة، وقال: يا أعرابي، وأنا قد قلت فيك شعراً، وأنشد يقول:
حياك ربُّ الناس حياكا ... إن الذي أملت أخطاكا
أتيت شخصاً قد خلا كيسه ... ولو حوى شيئاً لأعطاكا
فقال: يا أمير المؤمنين، الشعر بالشعر حرام، فاجعل بينهما شيئاً يستطاب.
فضحك المأمون وأمر له بمال، انتهى.
إبراهيم بن المهدي وصاحبة المعصم وروى ابن عامر الفهري عن أشياخه قال: أمر المأمون أن يحمل إليه من أهل البصرة عشرة رجال كانوا قد رموا عنده بالندقة،فحملوا إليه، فمر بهم طفيلي، فرآهم مجتمعين، فظن خيراً ومضى معهم إلى الساحل وقال: ما اجتمع هؤلاء إلا لوليمة، فانسل ودخل الزورق وقال: لا شك إنها نزهة، فلم يكن إلا يسير، وقد قيد القوم، وقيد معهم. فعلم أنه وقع فيما لا طاقة له به، ورام الخلاص، فلم يقدر، وساروا إلى أن وصلوا بغداد وأدخلوا على المأمون، فاستدعى بهم بأسمائهم واحداً بعد واحد، وجعل يذكره بفعله وبقوله ويضرب عنقه، حتى لم يبق إلا الطفيلي، وفرغت العشرة فقال المأمون للموكل: من هذا؟ فقال: لا أعلم يا أمير المؤمنين، غير أننا رأيناه معهم، فجئنا به.
فقال: يا أمير المؤمنين. امرأته طالقة إن كان يعرف من أحوالهم شيئاً، ولا يعرف غير لا غله إلا الله ومحمد رسول الله، وإنما رأيتهم مجتمعين، فظننت أنها وليمة يدعون إليها، فلحقت بهم.
فضحك المأمون وقال: أوقد بلغ من شؤم التطفل أن يحل بصاحبه هذا المحل؟ لقد سلم هذا الجاهل من القتل، ولكن يؤدب، حتى لا يعود إلى مثلها.
وكان إبراهيم بن المهدي حاضراً، فقال: يا أمير المؤمنين، هبه لي، وأنا أحدثك عن نفسي، فيما وقع لي في التطفل من العجب.
فقال: وهبته لك، هات حديثك.
فقال: يا أمير المؤمنين خرجت متنكراً يوماً أنظر إلى سكك بغداد، فاستهوى بي الطرب والتفرج فانتهى بي المسير إلى موضع شممت فيه رائحة طعام وأبازير قد فاحت، وهفت نفسي إليها ووقفت، يا أمير المؤمنين، لا أقدر على المشي، فرفعت بصري، وإذا بشباك خلفه كف بمعصم ما رأيت أحسن منه، فبقيت حائراً، ونسيت رائحة الطعام، بذاك الكف، فأخذت في عمل الحيلة إلى الوصول إليها، فإذا بجانب المكان خياط، فسلمت عليه فرد علي السلام، فقلت: يا سيدي! لمن هذه الدار؟ فقال: لرجل من البزازين.
فقلت: ما اسمه؟ فقال: فلان.
قلت: هو ممن يشرب الخمر؟ قال: نعم، وأظن أن عنده اليوم أصحابه، تجار مثله.
فبينما نحن في الكلام إذ أقبل رجلان فقال لي: هذان ندماؤه.
فقلت له: ما اسمهما وما كنيتهما؟ فقال لي: فلان الفلاني وفلان الفلاني.
فحركت وراءهما رجلي، فلحقتهما فقلت: جعلت فداءكما، استبطأكما فلان أعزه الله، ولم أزل معهما، حتى أتيت البيت، فدخلت ودخلا، فلما رآني صاحب البيت بينهما لم يشك في أني معهما فرحب بي وأجلسني في أفضل الأماكن ثم جيء بالمائدة ونقلت إليها الألوان، فقلت في نفسي: هذه ألوان قد من الله علي ببلوغ الغرض منها، بقي الكف والمعصم، ثم جيء بالماء فغسلنا أيدينا ثم نقلنا إلى مجلس المنادمة، فإذا شكل مليح ما رأيت أحسن منه ولا أظرف، ورأيت صاحب المكان يتلطف بي ويقبل علي لظنه أني ضيف لأضيافه، وهم على الحالة هذه إلى أن شربنا فخرجت علينا جارية كأنها غصن بان في غاية الظرف وحسن الهيئة، فسلمت من غير خجل ولا احتشام، وجلست وأتي بعود فجسته أحسن جس، وإذا هي حاذقة في الصناعة وغنت تقول:
توهمها فكري، فأصبح خدها ... وفيه مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها كفي، فآلم كفها ... فمن ضم كفي في أناملها عقر
فهيجت يا أمير المؤمنين بلبالي، فطربت لحسن شعرها وحذقها ثم غنت تقول:
أشرت إليها: هل عرفت مودتي ... فردت بطرف العين أني على العهد
فجادت عن الإظهار عمداً بسرها ... وحادت عن الإظهار أيضاً على عمد
فحسدتها يا أمير المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معني الشعر، فضحكت لما أصابني من الطرب الذي لم أملك نفسي معه ثم غنت تقول:
أليس عجيباً أن بيتاً يضمنا ... وإياك لا نلهو ولا نتكلم
سوى أعين تبدي سرائر أنفسٍ ... وتقطيع أنفاس على النار تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم
فزاد حسدي لها يا أمير المؤمنين على حذاقتها وإصابتها معنى الشعر لأنها لم تخرج عن المعنى وقلت: بقي عليك يا جارية شيءٌ، فرمت العود من يدها، وقالت: متى كنتم تحضرون الغناء مثل هذا؟ فندمت على ما كان مني ورأيت القوم كأنهم قد أنكروا علي، فقلت في نفسي: فاتني جميع ما أملت،، وأحببت أن أتلافى قضيتي فقلت: أثم عودٌ غير هذا؟ قالوا: نعم فأحضروا عوداً، فأصلحت ما أردت إصلاحه ثم قلت:
ما للمنازل لا تجيب حزيناً ... أصممن أم قد بالبلاء بلينا
فما أتممت شعري حتى وثبت الجارية إلي، وانكبت على يدي تقبلها وتقول: المعذرة إليك يا سيدي، والله ما علمت مكانك، ولا سمعت بهذه الصناعة من أحد، ثم زادوا إكرامي وطربوا غاية الطرب، فشربت عدة أقداح، ثم غنيتهم أبياتاً فرأيت من طربهم شيئاً عظيماً حتى قلت إن أرواحهم، فارقت أبدانهم فسكت عنهم ساعة، حتى تراجعوا إلى عقولهم فعنيتهم وقلت:
هذا محبك مطوياً على كمده ... وجداً، وأدمعه تجري على جسده
له يد تسأل الرحمن راحته ... مما به واليد الأخرى على كبده
يا من رأى كلفاً في حبه دنفاً ... كانت منيته في عينه ويده
قال: فجعلت الجارية تصيح وتقول: هذا والله الغناء والذي كنا فيه ليس بشيء، وشرب القوم فلما جاءهم البسط، وأخذ المجلس منتهاه أمر صاحب البيت عبدين له أن يحفظا النديمين إلى منزلهما، وخلوت معه. فقال: والله يا سيدي ذهب ما مضى من عمري باطلاً حيث لم أعرفك قبل يومي هذا فبالله يا مولاي من أنت.؟
فجعلت أرد عليه، وهو يقول ويقسم علي حتى أعلمته من أنا على الحقيقة، فلما سمع ذلك قام تعلى قدميه وقال: ما عجبت أن تكون هذه المكارم إلا لمثلك، وقد أصابني من الدهر نعم لا أقوم بشكرها، ثم قال: أترى هذا يقظة أم مناماً، أقسمت أني لا أزال هذه الليلة قائماً إلى أن تأذن لي، فإني أحقر من أن أجالس الملوك.
فأقسمت عليه بأن يجلس ثم أخذ في الكلام وجعل يعرض علي السبب الذي أوجب حضوري عنده بألطف تعريض فأخبرته بأمري على الحقيقة ولم أخف شيئاً، ثم قلت له: الطعام قد نلت منه بغيتي، وبقي الأمر الآخر، فوثب إلى باب القاعة، وقال: كل منكن تلبس أفخر ثيابها وتخرج علينا من المخدع، ثم استدعى بهن وجعل يقول: يا فلانة، وهن يخرجن واحدة بعد واحدة، وأنا لا أرى صاحبة الكف والمعصم إلى أن أتت أربعون امرأة.
فقال: والله ما بقي إلا أختي، وها أنا مخرجها إليك.
فقلت: افعل.
فقال: حباً وكرامة، ثم استدعاها فنزلت فرأيت يدها ومعصمها، فإذا هي التي رايتها، قلت: هذه الحاجة، فأمر غلمانه لوقته أن يأتوا بعشرة شهود، ثم قام وأخرج عشرين ألف درهم وألفاً أخرى، فلما حضروا قال لهم: هذا سيدي إبراهيم بن المهدي يخطب أختي فلانة، وأشهدكم أني قد زوجتها له وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم.
فقلت: قبلت الزواج.
ثم دفع الألف التي كان خرجها لهم، فشكروا له ودعوا وانصرفوا. ثم قال: يا سيدي أمهد لك بعض البيوت، تنام مع أهلك.
فأعجبني ما كان من كرمه واستحييت أن أدخل بها في داره. فقلت له: بل اجعلها في عمارية واحملها إلى منزلي، فوحقك يا أمير المؤمنين لقد حمل معها من الفرش والأثاث ما ضاقت به بيوتنا، فأولدتها هذا الغلام القائم بين يديك، يا أمير المؤمنين.
فتعجب المأمون من كرم الرجل وقال: لله دره ما أكرمه، والله ما سمعت بمثله قط، ثم أطلق الطفيلي وأمر بإحضار الرجل واستنطقه، فأعجبه حسن منطقه وعقله وأدبه فصيره من جملة خواصه ومنادميه، والله أعلم.
؟ذكر خلافة إبراهيم المعتصم بن هارون الرشيد هو ثامن خلفاء بني العباس، وكان شديد القوة، ما كان في بني العباس مثله في القوة والشجاعة والإقدام. وقيل: إنه أصبح ذات يوم، وكان برده شديداً وثلجه عتيداً، فلم يقدر أحد على إخراج يده، ولا إمساك قوسه، فأوتر المعتصم في ذلك اليوم أربع آلاف قوس، وكان يدعى المثمن، وأنشد أبو تمام حبيب بن أوس الطائي يمتدح المعتصم بن هارون الرشيد يقول:
إن جس عوداً رأيت الخيل راقصة ... كأنها من سماعٍ هزها نغم
أو حركت يده اليمنى له وتراً ... على أعاديه غنى البوم والرخم
كان يقول بخلق القرآن. ضرب على ذلك أحمد بن حنبل على أن يقول ذلك فلم يقل رضي الله عنه، وله معه كلام طويل، فانظره في حياة الحيوان.
؟
المعتصم وتميم بن جميل
من لطائف الحكايات ما روي عن أحمد بن أبي دؤاد القاضي إنه قال: جيء بتميم بن جميل إلى المعتصم أسيراً، وكان قد خرج عليه فما رأيت رجلاً عرض عليه الموت فلم يكترث به سواه، ثم دعا بالسيف والنطع، فلما مثل بين يديه نظر إليه، فأعجبه حسنه وقده ومشيه إلى الموت غير مكترث، فأطال الفكر فيه ثم كلمه لينظر أين عقله ولسانه من جماله، فقال: يا تميم! إن كان لك عذر فائت به.
فقال: أما إذ أذن أمير المؤمنين في الكلام فإني أقول: الحمد لله الذي أحسن كل شيء خلقه. وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. يا أمير المؤمنين! جبر الله بك صدع الدين ولم بك شعث المسلمين، وأخمد بك نار الباطل وأنار بك سبل الحق، إن الذنوب تخرس الألسنة وتصدع القلوب، وآيم الله لقد عظمت الجريمة، وانقطعت الحجة وساء الظن إلا فيك، وهو أشبه بك وأليق ثم أنشد يقول:
أرى الموت بين السيف والنطع كامناً ... يلاحظني من حيث ما أتلفت
وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئٍ مما قضى الله يفلت
ومن ذا الذي يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت
يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسيل عليه السيف فيه ويسكت
وما جزعي من أن أموت وإنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت
ولكن خلفي صبيةً قد تركتها ... وأكبادهم من حسرةٍ تتفتت
كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد لطموا حمر الوجوه وصوتوا
فإن عشت عاشوا في سرور ونعمةٍ ... أذود الردى عنهم، وإن مت موتوا
قال: فبكى المعتصم ثم قال: إن من البيان لسحراً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا تميم، كاد والله أن يسبق السيف العذل. قد غفرت لك الهفوة ووهبتك للصبية.
ثم عقد له ولاية على عمله، وأعطاه خمسين ألف دينار، انتهى. من زهر الكمام في قصة يوسف عليه السلام.
مخارق المغني والجارية الحسناء وذكر صاحب تاريخ بغداد عن مخارق المغني قال: تطفلت تطفيلة قامت على أمير المؤمنين المعتصم بتسعين ألف درهم.
قيل له: كيف ذلك؟ قال: شربت معه ليلة إلى الصبح، فلما أصبحنا قلت له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن أخرج إلى الرصافة، فأتنسم إلى وقت انتباه أمير المؤمنين.
قال: نعم، فأمر البوابين أن يتركوني، فخرجت أتمشى في الرصافة، وإذا بجارية كأن الشمس تشرق من جبينها، فتبعتها ورأيت معها زنبيلاً فوقفت على فاكهاني، واشترت سفرجلة بدرهم، وانصرفت فتبعتها، فالتفتت فرأتني فقال: يا ابن الفاعلة إلى أين؟ قلت: خلفك يا سيدتي؟ فقالت: ارجع يا ابن الزانية لئلا يراك أحد فيقتلك؟ فتأخرت ومشيت وتمشت أمامي ثم التفتت فرأتني، فشتمتني شتماً قبيحاً ثم جاءت إلى دار كبيرة، فدخلت فيها، وجلست أنا عند الباب، وقد ذهب عقلي ونزلت علي الشمس، وكان يوماً حاراً، فلم ألبث أن جاء فتيان كأنهما بدران على حمارين، فلما وصلا إلى الباب أذن لهما، فدخلا ودخلت معهما، فظنا أن صاحب المنزل قد دعاني، وجيء بالطعام، فأكلنا وغسلنا أيدينا، فقال لنا صاحب المنزل: هل لكم في فلانة؟ فقالوا: إن تفضلت.
قال: فاستدعي بتلك الجارية، فخرجت فإذا هي صاحبتي ووراءها وصيفة تحمل عودها، فوضعته في حجرها فغنت وشربوا وطربوا، وهي تلحظني وتشك في، فقالوا: لمن هذا الصوت؟ فقالت: لسيدي مخارق.
فلم ألبث أن قلت: يا جارية شدي يدك، فشدت أوتارها وخرجت عن إيقاعها الذي تقول عليه. قال: فاستدعيت بمدورة وقضيب وغنيت الصوت الذي قالته الجارية، فقاموا إلي وقبلوا رأسي.
قال: وكان مخارق من أحسن الناس صوتاً وكان يوقع بالقضيب توقيعاً عجيباً.
قال: ثم غنيت الصوت الثاني والثالث، فكادت عقولهم تطير فقالوا: بالله من أنت يا سيدي؟ فقلت: مخارق.
فقالوا: وما سبب مجيئك؟ قلت: طفيلي أصلح الله شأنكم. وأخبرتهم بخبري.
فقال صاحب البيت لصديقيه: أما تعلمان ني أعطيت في هذه الجارية ثلاثين ألف درهم فامتنعت عن بيعها؟ قالا: نعم.
قال: هي له.
فقال صديقاه: علينا عشرون ألف درهم وعليك عشرة آلاف درهم.
قال مخارق: فملكوني الجارية، وجلست عندهم إلى العصر وانصرفت بها وكلما مررت بالمواضع التي شتمتني فيها أقول: يا مولاتي، أعيدي كلامك فتستحي مني، فأحلف عليها لتعيدنه، فتعيده حتى وصلت إلى أمير المؤمنين فقيل لي أنه انتبه فطلبك في منازل أبناء القواد فلم يجدك، وتغيظ غيظاً شديداً، فدخلت عليه ويدي في يدها، فلما رآني سبني وشتمني، فقلت: يا أمير المؤمنين لا تعجل! وحدثته الحديث فضحك، وقال: ها نحن نكافئهم عنك، فأحضرهم وأمر لكل واحد منهم بثلاثين ألف درهم، والله أعلم، انتهى.
حكاية غريبة قال الأصمعي: دعاني بعض العرب الكرام إلى قرى الطعام، فخرجت معه إلى البرية، فأتوا بباطية بأذنين وعليها السمن غارق، فجلسنا للأكل، وإذا بأعرابي ينسف الأرض نسفاً حتى جلس من غير نداء، فجعل يأكل والسمن يسيل على كراعه فقلت: لأضحكن الحاضرين عليه فقلت:
كأنك أثلةٌ في أرض هش ... أتاه وابلٌ من بعد رش
فالتفت إلي بعين مبحلقة وقال لي: الكلم أنثى والجواب ذكر وأنت:
كأنك بعرة في إست كبشٍ ... مدلاةٌ، وذاك الكبش يمشي
فقلت له: هل تعرف شيئاً من الشعر أو ترويه؟ فقال: كيف لا أقول الشعر، وأنا أمه وأبوه؟ فقلت له: إن عندي قافية تحتاج إلى غطاء؟ فقال: هات من عندك.
فغطست في بحور الأشعار، فما وجدت قافية أصعب من الواو المجزومة فقلت:
قومٌ بنجدٍ قد عهدناهم ... سقاهم الله من النوّ
قلت: أتدري النو ماذا؟ فقال:
نو تلالا في دجى ليلةٍ ... حالكةٍ مظلمةٍ لو
فقلت له: لو ماذا؟ فقال:
لو سار فيها فارس لانثنى ... على بساط الأرض منطو
فقلت له: منطو ماذا؟ فقال:
منطوي الكشح هضيم الحشا ... كالباز ينقضُّ من الجو
فقلت له: الجوُّ ماذا؟ فقال:
فاعلوا لما قد عيل من صبره ... فصار نجوى القوم ينعوْ
فقلت: ينعو ماذا؟ فقال:
ينعو رجالاً للقنا شرعت ... كفيتُ ما لاقوا وما يلقُوا
قال: فعلمت أنه لا شيء بعد الفناء، ولكن أردت أن أثقل عليه فقلت له: ويلقوا ماذا؟ فقال:
إن كنت ما تفهم ما قلته ... فأنت عندي رجل بو
فقلت له: البو ماذا؟ فقال:
البوُّ سلخٌ قد حشي جلده ... يا ألف قرنانٍ، تقوم أو
فقلت له: أو ماذا؟ فقال:
أو أضرب الرأس بصوَّانةٍ ... تقول في ضربتها فوّ
فخفت أن أقول له: فو ماذا؟ فيضربني ويكمل البيت. فقلت له: أنت ضيفي الليلة.
فقال: لا يأبى الكرام إلا لئيم.
فقلت لزوجتي: اصنعي لنا دجاجة، ففعلت فأتيته بها وجئته أنا وزوجتي وابناي وابنتاي وقلت له: فرق يا بدوي.
فقال: الرأس للرأس، وأعطاني الرأس، وقال: الولدان جناحان، لهما الجناحان، والبنتان لهما الرجلان، والمرأة لها العجز، وأنا زائر لي الزور، وأكل الدجاجة ونحن ننظر إليه وبنا نتحدث.
فلما أصبحنا قلت لزوجتي: اصنع لنا خمس دجاجات ففعلت وأتيته بالدجاج وقلت له: أقسم يا بدوي.
فقال: تريد شفعاً أو وتراً.
فقلت: إن الله وترٌ يحب الوتر.
فقال: كأنك تريد بالفرد.
فقلت: نعم.
فقال: أنت وزوجتك ودجاجةٌ، وابناك ودجاجةٌ، وابنتاك ودجاجةٌ وأنا دجاجتان.
فقلت: لا أرضى بهذه القسمة.
فقال: كأنك تريد شفعاً.
فقلت: نعم.
فقال: أنت وولداك ودجاجة، وزوجتك وبنتاها ودجاجة، وأنا وثلاث دجاجات، والله لا أحول عن هذه القسمة.
قال الأصمعي: فغلبني مرتين مرة في الشعر ومرة في الدجاج ثم انصرف، انتهى.
خلافة أمير المؤمنين الواثق بالله تعالى قال انه محمد الذي يقال له المهتدي بالله، كان أبي الواثق بالله إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرنا في ذلك المجلس، فبينما نحن عنده ذات يوم إذ أتي بشيخ مقيد فقال: ائذنوا لأبي عبد الله، يعني ابن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ مقيداً فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال: لا سلم الله عليك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين بئسما أدبك المؤدب، قال الله تعالى: " وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منْها أو رُدُّها " . وأنت والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها.
فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين. الرجل متكلم.
فقال الواثق: كلمه.
فقال للشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: لم تسألني ولي السؤال أسأله؟ فقال الأمير: سله.
فقال الشيخ لابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال ابن أبي دؤاد: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين والخلفاء الراشدون أم شيء؟ لا يعلمونه؟ فقال: شيء لا يعلمونه.
فقال: سبحان الله! شيء لا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت.
قال: فخجل، وقال: أقلني.
فقال: قد فعلت، والمسألة بحالها.
قال: نعم.
قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق.
قال: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه.
قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه.
قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت. سبحان الله، انتهى.
وذكر الحافظ أبو نعيم في حليته. قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن المهتدي رحمه الله، أنه قال: ما قطع أبي. يعني الواثق، إلا شيخ جيء به من المصيصة، فمكث في السجن مدة ثم إن أبي ذكره يوماً فقال: علي بالشيخ، فأتي به مقيداً، فلما وقف بين يديه سلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين، ما سلكت بي أدب الله ولا أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: " وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برد السلام.
قال أبي، وعليك السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس بتيممٍ منعت الماء، فمر بقيودي تحل، ومر بماء أتوضأ وأصلي، ثم سلني.
فأمر به فحلت قيوده وأمر له بماء فتوضأ وصلى. ثم قال لابن بي دؤاد: سله.
فقال الشيخ: المسألة لي، فمره أن يجبني.
فقال: سل. فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد فقال له: أ عن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم؟ قال: لا، قال: أفشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال: لا. قال الشيخ: أفشيء لم يدع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه، فإن قلت علموه وسكتوا عنه توسعاً، وسعنا وإياك من السكوت، ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع ابن لكع، شيء يجهله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وتعلمه أنت وأصحابك.
قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائماً ودخل الحجرة، فجعل ثوبه في فيه وجعل يضحك ثم جعل يقول: صدق الشيخ، إلى آخر ما تقدم، وقال المهتدي: ما زلت أقول القرآن مخلوقٌ صدراً من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن دؤاد شيخاً من أهل الشام، فأدخل الشيخ على الواثق مقيداً وهو جميل الوجه تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم عليه الشيخ فأحسن السلام ودعا فأبلغ وأوجز فقال له الواثق: اجلس، ثم قال: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويصغر، ويضعف عن المناظرة.
فغضب الواثق وأعاد مكان الرقة له غضباً، وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يقل ويصغر ويضعف عن مناظرتك أنت.
قال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين، ما بك، وائذن لي في مناظرته.
فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة.
فقال الشيخ: يا أحمد يا ابن أبي دؤاد إلام دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: أن تقول: القرآن مخلوقٌ لأن كل شيء دون الله مخلوق.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول.
فقال: أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه أواجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. فقال الشيخ: أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله عز وجل إلى عباده، هل ستر شيئاً مما أمره الله به في دينه.؟ فقال:لا. قال الشيخ: أفدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: تكلم فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قل: واحدة.
فقال الواثق: واحدة.
فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله عز وجل حين أنزل آخر القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً " . أكان الله صادقاً في إكماله أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون كاملاً حتى يقال فيه بمقالتك هذه، فيكون كاملاً.
فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: أجب يا احمد، فلم يجبه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، قل: اثنتان.
فقال: اثنتان. فقال الشيخ: يا احمد أخبرني عن مقالتك هذه أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها.؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. فقال: أفدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين قل: ثلاثة.
فقال الواثق: ثلاثة. فقال الشيخ: يا أحمد، أفاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم: فقال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت أن أحمد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين ألم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله على من لم يتسع له منا ما اتسع لهم من ذلك.
فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر عثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله علينا، ثم قال: اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع ضرب الشيخ بيده فأخذ القيد فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم فعلت هذا؟ فقال الشيخ: لأني نويت أن أقدم إلى من أوصي إليه إذا مت، أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخصم به هذا الظالم عند الله عز وجل يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي.
وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله منه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنت رجل من أهله.
فقال الواثق: لي إليك حاجة.
فقال الشيخ: إن كانت ممكنة فعلت.
فقال الواثق: تقيم عندنا ينتفع بك فتياننا؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن ردك إياي إلى الموضع الذي أخرجني منه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عندك، فقال: ولم ذلك؟ فقال: لأسير إلى أهلي وولدي فأكف دعاءهم عنك، فقد خلفتهم على ذلك.
فقال الواثق: أفتقبل منا صلة تستعين بها على دهرك؟ فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، أنا غني وذو ثروة.
قال: أفتسألنا حاجةٌ.
قال: أو تقضيها؟ قال: نعم.
قال: تخلي سبيلي إلى السفر الساعة وتأذن لي.
قال: أذنت لك.
فسلم عليه الشيخ وخرج.
قال: صالح: فقال المهتدي بالله، فرجعت عن هذه المقالة من ذلك اليوم، والله أعلم.
الضب الناطق
فائدة روى الدارقطني وشيخه والحاكم وابن عدي عن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في محفل من أصحابه، إذ جاء أعرابي من بني سليم قد اصطاد ضباً وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله، فرأى جماعة محتفلين بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: على مَن مِن هؤلاء؟ قالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي.
فأتاه فقال: يا أحمد، ما اشتملت الناس على ذي لهجة أكذب منك، ولولا أن تسميني العرب عجولاً لقتلتك، فسررت لقتلك الناس أجمعين.
فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتله؟.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبياً " .
ثم أقبل الأعرابي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: واللاتِ والعزى لا آمنت بك حتى يؤمن بك هذا الضب؟ وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا ضب، فتكلم الضب بلسان فصيح عربي صريح يفهمه القوم جميعاً فقال: لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين " .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تعبد؟ قال: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عذابه.
قال: فمن أنا يا ضب؟ قال: أنت رسول رب العالمين وخاتم النبيين، قد أفلح من صدقك وخاب من كذبك.
فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله حقاً، والله لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إلي منك، والله لأنت الساعة أحب إلي من نفسي ومن ولدي، فقد آمن بك شعري وبشري وداخلي وخارجي وسري وعلانيتي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله تعالى إلا بصلاة ولا يقبل الصلاة إلا بقراءة " .
قال: فعلمني. فعلمه النبي صلى الله عليه وسلم: الحمد لله، وقل هو الله أحد، فقال: يا رسول الله ما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن هذا كلام رب العالمين، وليس بشعر. إذا قرأت قل: هو الله أحد ثلاثاً، أو قال: ثلاث مرات، فكأنما قرأت القرآن كله " .
فقال الأعرابي: إن إلهنا يقبل اليسير ويعطي الكثير، انتهى باختصار من حياة الحيوان الكبرى.
ابن آدم ووقف رجل على الواثق فقال: يا أمير المؤمنين، صل رحمك وارحم أقاربك وارحم رجلاً من أهلك.
فقال الواثق: من أنت، فإني لا أعرفك قبل اليوم؟.
قال: ابن جدك آدم.
فقال: يا غلام، أعطه درهماً؟ فقال: يا أمير المؤمنين، وما أصنع بالدرهم؟ قال: أرأيت لو قسمت المال بين إخوتك أولاد جدي أكان ينوبك منه حبة.
فقال: لله درك ما أذكى فهمك.
فأمر له بعطاء وانصرف مكرماً.
خلافة المتوكل على الله تعالى حكى عنه أنه قال ذات يوم لأبي العيناء: ما أشد ما مر عليك في ذهاب عينيك؟ فقال: فقد رؤيتك يا أمير المؤمنين.
فاستحسن منه هذا الجواب وأمر له بجائزة نفيسة.
ومما حكاه أبو القاسم علي بن محمد الذهبي عن أبي عبد الله النحوي، قال: لما حج محمد بن عبد الله بن طاهر رأى في الطواف جارية في نهاية الحسن فسأل عنها، فقيل: إنها لرجل من الأدباء قد رواها الأشعار والأخبار والنحو والعروض، وقد أحسنت ضرب العود وطريق الغناء، فاشتراها بمائة ألف درهم، فلما قدم بها مدينة دار السلام شغف بها شغفاً شديداً وأخفى أمرها، وما يجده منها تخوفاً من أمير المؤمنين المتوكل. وكان من شدة وجده بها يحتبس عندها أياماً لا يظهر للناس، فيظنون أنه زمن وأمره معها مستور، ففطن به سويد بن أبي العالية صاحب البريد، وكان بينه وبين محمد منافرة، فلم يجد ما يكيده به إلا أن كتب إلى المتوكل وهو نازل على أربعة فراسخ من بغداد، كتاباً نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن محمد بن عبد الله اشترى جارية بمائة ألف درهم، فهو يصطبح معها ويغتبق زمانه كله معها، وقد اشتغل بها عن النظر في أمور المسلمين وعن التوقيع في قصص المظلومين، ولا يأمن أمير المؤمنين أن تخرب عليه بغداد مع كثرة ما فيها من الغوغاء فيتعب أمير المؤمنين في إصلاحها، وقد أنهى ذلك المملوك إلى أمير المؤمنين، أيده الله، وهو أعلى رأياً والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.
قال:فلما قرأ المتوكل الكتاب رفع رأسه إلى نرجس الخادم وقال له: امض الساعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر وادخل عليه داره بغتة من غير إذن وانظر إلى ما يصنع؟ ثم خذ منه جاريته فلانة وائت بها من غير تأخير.
فمضى نرجس من ساعته، وكان محمد قد اصطبح معها في ذلك اليوم، فدخل عليهما نرجس من غير استئذان، فلم يشعر محمد إلا وهو واقف عليه، فتغير وجهه وانتقع لونه، وفاضت عيناه وارتعدت فرائصه لعلمه أن نرجساً ما دخل عليه من غير إذن إلا وقد أضمر له السوء، فقال له: يا نرجس ما الذي أقدمك؟؟! قال: أمير المؤمنين أمرني أن آخذ جاريتك هذه.
قال: يا نرجس هذا يوم قد حضر شره وغاب خيره، وقد ترى ما نحن فيه، وأنا لا أخالف ما أمر به أمير المؤمنين.
ثم أمر للخادم بكرسي فجلس عليه بعد أن امتنع ساعة وقال: إن مثلي لا يجلس مع مثلك، ثم إن محمداً نظر إلى الجارية وبكى بكاء شديداً، وقال لها: غني لأتزود منك.
فأخذت العود وغنت بصوت حزين تقول:
لله من لمعذبين رماهما ... بشماتة العذال والحساد
أما الرحيل فحين جد تحملت ... مهج النفوس به من الأجساد
من لم يبت والبين يصدع شمله ... لم يدر كيف تفتت الأكباد
ثم إنهما أعلنا بالبكاء والنحيب والشهيق، فرحمهما الخادم ورق لهما حين عاين ما حل بهما. فقال: أيها الأمير، إن رأيت أن أمضي وأدعكما على ما أنتما عليه وأتعلل عنكما لأمير المؤمنين فعلت.
فقال: يا نرجس، من خلفه مثل أبي سويد كيف يمكنه التعلل، ولكن ارفق بنا.
فقالت الجارية: والله يا سيدي لا ملكني غيرك أبداً، ولئن دفعتني إليه لأقتلن نفسي.
فقال لها محمد: لو كان غير أمير المؤمنين لكان في ذلك أوسع حيلة، ولقد وددت أن يأخذ مني أمير المؤمنين جميع ما أملك ويعزلني عن عملي ويبقيك علي، ولكن هذا قضاء الله وقدره. ثم التفت إلى نرجس وقال: لقد شاهدت مني ومن هذه الجارية ما شهد قلبك علينا بالمحبة والمودة والألفة، وليس يخفى عن علمك أن صنائع المعروف تقي مصارع السوء. ومثلك من يصنع المعروف مع مثلي فخذها وامض بها إلى أمير المؤمنين، وقل ما شئت مما يليق بمروءتك. ثم التفت إليها وقبلها وبكى وبكت وبكى نرجس. ثم أخذها وخرج وهي تبكي وتخمش خدها ووجهها. قالت: ثم حملني نرجس على بغلة أمير المؤمنين وسار حتى دخل على المتوكل. فلما رآه قال: ما وراءك يا نرجس.؟ قال: ورائي يا أمير المؤمنين كل بلية. ثم إنه جلس بين يديه وقص عليه حالهما ولم يخف شيئاً.
فقال المتوكل: وكل هذا الوجد يجده محمد من هذه الجارية؟ فقال: يا أمير المؤمنين والذي خفي أكثر مما ظهر وما أظنه يعيش بعدها. فرق عليه قلب المتوكل وقال: يا نرجس ارجع بها إليه الساعة من وقتك، هذا وأدركه قبل أن تزهق روحه، وقد أمرت له بمائة ألف درهم، ولها مع ذلك مثله، وجعلت أمر بي سويد إليه يصنع به ما يشاء.
ثم كتب له توقيعاً بذلك ودفعه إلى نرجس، فرجع الخادم بالجارية والتوقيع ولم يتمهل حتى دخل عليه فوجده عرياناً يتقلب على حصر سامان من شدة الكرب والوجد، وقد أحدقت به الجواري يروحنه بالمراوح. فقال: أبشر يا محمد، إن أمير المؤمنين قد رد جاريتك عليك من غير أن يوقع نظره عليها، وقد حكمك في أبي سويد.
ثم ناوله التوقيع بذلك ودخلت الجارية عليه، فوثب إليها وعانقها وقبلها ساعة. ثم خرج فجلس على باب داره وبعث إلى أبي سويد، فلما حضر دفع إليه التوقيع، فلما قرأه قال: أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وأن تهدم مني ركناً أنت شيدته، وأن تضيع صنيعة اصطنعتها إلى مثلي، فمثلي من هفا ومثلك من عفا.
ثم قام وقبل البساط فقال له محمد: لا أبدل نعمة الله كفراً ثم أمر به بخمسين ألف درهم فقالت الجارية: وأنا أيضاً أهب له خمسين ألف درهم مما وهبه لي أمير المؤمنين، شكراً لله تعالى على ذلك.
ثم أقره على ما كان عليه، وأمر أن يحمل المال بين يديه إلى منزله، ورجع محمد والجارية إلى ما كانا عليه في أطيب عيش وأحسن حال متظاهراً بذلك غير مستتر ولا خائف، انتهى.
يعفو عن الرأس والذنب وأتي المتوكل بمحمد بن النصيب ووزيره ابن الديرواني وكان محمد هذا قد خرج على المتوكل واستوزر ابن الديرواني، فلما مثل بين يدي المتوكل قال له: ما حملك على ما فعلت يا محمد؟ قال: الشقوة وحسن الظن بعفوك يا أمير المؤمنين، وأنشد يقول:
أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي ... إمام الهدى، والعفو بالحر أجمل
تضاءل ذبي عند عفوك قلة ... فجد لي بعفو منك، فالعفو أفضل
فقال الملك: خلو سيبله، ثم قدم ابن الديرواني فقال: اضربوا عنقه، فقال: سبحان الله، يا أمير المؤمنين، تعفو عن الرأس وتقطع الذنب؟ فضحك المتوكل وعفا عنه، انتهى.
صرت من السجن كتب محمد بن عبد الملك الزيات وهو في السجن، وقد اشتد به الحال، رقعة إلى المتوكل يستعطفه على نفسه من شدة ما قاسى من الأهوال والعذاب في السجن يقول فيها هذين البيتين:
هي السبيل، فمن يوم إلى يوم ... كفرحة النائم الفرحان بالنوم
لا تعجلن، رويداً، إنها دول ... دنيا تنقل من قوم إلى قوم
قال: فلما قرأها المتوكل، رق له وبكى وأمر بإطلاقه، فذهبوا إلى السجن فوجدوه ميتاً، رحمة الله عليه.
خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله أحمد كان يسمى السفاح الثاني لأنه جدد ملك بني العباس بعد أن أخلقته الأتراك وأذلته، وفي ذلك يقول علي بن العباس الرومي:
كما بأبي العباس أنشيء ملككم ... كذا بأبي العباس أيضاً يجدد
ولقد اتفق في أيامه، على ما حكي، أمر فظيع كشفه الله له بهيبته في نفوس الناس، فإنه كان لا يتجرأ أحد منهم أن يكتم ما في نفسه مخافة صولته لأنه كان لشدة حذقه، يتخيل لهم أنه يعلم ما في نفس الإنسان من الضمير. فاتفق أن أحد وزرائه وأكبر قواده بني بناء عالياً مشرفاً على منازل جيرانه، فلم يعارضه أحد فيه من جيرانه لمكانته من سلطانه وعزه، وكان يجلس كثيراً في ذلك البناء، فرأى يوماً من الأيام في دار من دور جيرانه جارية بارعة الجمال، فولع بها، فسأل عنها، فأخبر أنها بنت أحد التجار، فأرسل إلى والدها خاطباً، فقال له أبوها، وكان من أهل اليسار: لست أزوجها إلا من تاجر مثلي، فإنه إن تزوجها من هو مثلي لم يظلمها، وإن ظلمها قدرت على النصفة منه، وأنت إن ظلمتها لم أقدر لها على النصفة منك، ولا على الحيلة لنصرتها.
فلم يزل يرومه في ذلك بكل أمر وتوسط إليه بالأكابر والأماثل من الناس، وهو مع ذلك يمتنع، فلما يئس منه أن يجيبه، شكا إلى أحد خواصه فقال له: ألف مثقال يقوم لك هذا.
فقال: كيف ذلك؟ والله لو علمت أني أنفق عليها مائتي ألف مثقال أو أكثر وتأتيني بها لفعلت.
قال له: عليك أن تحضر لي ألف دينار.
فأمر بإحضارها فمشى بها ذلك الرجل إلى عشرة رجال كانوا عدولاً عند القاضي في شهادتهم، وذكر لهم الأمر، وقال: هذا أمر ليس عليكم من الله فيه تبعة، فإنه يصدقها كذا وكذا ألفاً، وأغلى لهم المهر، وإنكم تحيون نفساً أشرفت على الهلاك، ويكون لكم عنده مع هذا من الجاه ما ترغبون، وأبوها إنما هو عاضل لها عن الزواج، وإلا فما يمنعه من ذلك، وقد خطبها مثل فلان في جلالة قدره ومكانة أمره، وقد أعطاه صداقاً لا يعطى إلا لبنت ملك ثم هو مع هذا يأبى ، هل هذا إلا عضل بين؟ ولكن لكم ألف مثقال لك واحد منكم مائة وتشهدون أنه قد زوجها به فإنه إذا علم أبوها بأنكم قد شهدتم عليه رجع إلى هذا إذ ليس فيه إلا الخير والخيرة.
فأخذ الشهود كل واحد منهم مائة وشهدوا أن أباها زوجها على صداق مبلغه كذا، ورفعوا في الصداق إلى غاية ما ترفع إليه صداقات الملوك، فلما علم أبوها بذلك زاد نفاراً وإباء، فمشى الوزير وذلك القائد إلى القاضي وقال: إني تزوجت فلانة بنت فلان على هذا الصداق، وهؤلاء شهدوا عليه، ثم قد ناكرني وأنكر الشهود، وقد أردت أن أدفع له حق ابنته وآخذها.
فأمر القاضي بإحضار الشهود فشهدوا عنده وأحضر مال النقد بين يدي القاضي، والرجل على إنكاره متماد، فأمر القاضي بإمضاء الحكم عليه، وأن تؤخذ ابنته منه أحب أو كره، وأمر بحمل المال إليه، فلما وصلت الجارية عند الوزير، لم يزل أبوها يروم الوصل إلى المعتصم. وكان المعتصم غليظ الحجاب لا يصل إليه أحد من غير الخاصة، فقيل للرجل أنه يحضر كل يوم ساعة من النهار على بنيانٍ له بقصره، فإن استطعت أن تكون مع جملة رجال الخدمة تصل إليه وتكلمه بما أردت.
ففعل الرجل ذلك وغير شكله، ودخل في جملة رجال الخدمة للبناء، فلما كان ذلك الوقت الذي كانت عادة أمير المؤمنين المعتصم يقف فيه على ذلك البناء خرج ذلك الرجل فترامى إلى الأرض وجعل يحثو التراب على رأسه ويستغيث، فسأله عن شأنه فقص عليه القصة، فأرسل المعتصم في ذلك المقام، خلف ذلك القائد وأغلظ عليه في القول، فحملته هيبته له، وقلة إقدامه على الكذب عليه، أن وصف له الصورة على ما كانت عليه، وهو يطمع أن يعذره في ذلك، إذ قد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة قدرها، وأمر بإحضار الشهود فصنعوا مثل صنيع صاحبهم وذلك كله رهبة له وإجلالاً أن يخاطبوه بكذب مع تخيلهم أنه يصفح لهم عن هذه الزلة إذ قد أرادوا إحياء نفس ذلك الوزير، وأيضاً قد دفع له بين يدي القاضي نقداً لا يكون إلا في صدقات الملوك، وقد جعل لها من الصداق ما هو فوق قيمة قدرها، فكأنه قد أخذها بحقها أو بأكثر من حقها.
فلما تحققت عنده جلية الخبر أمر أن يصلب كل شاهد منهم على باب داره، وأن يوضع ذلك الوزير في جلد ثور طري السلخ، ويضرب بالمرازب حتى يختلط عظمه ولحمه ودمه، ثم أمر به، لما صنع به ذلك، أن يفرغ بين يدي نمور كانت عنده، فلما لعقت تلك النمور ذلك الدم أمر الرجل أبا البنت أن يأخذ ابنته ويأخذ كل ما ذكروا لها على ذلك الوزير في صداقها من عقار ودور ومال.
ثم مات المعتصم وولي ابنه المقتدر وكان صبياً صغير السن، فعادت الأتراك إلى ما كانت عليه من ذلك، والله تعالى أعلم.
صاحب المغرب وصاحب طليطلة ويقرب من شهامة هذا الملك ما ذكره في حياة الحيوان في ترجمة يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، صاحب بلاد المغرب، من أنه وقع بينه وبين الأذفونش، نصراني طليطلة، مكاتبات قال: بعث الأذفونش إلى الأمير يعقوب يتوعده ويتهدده، ويطلب منه بعض حصون، وكتب له رسالة من إنشاء وزيره ابن النجار وهي: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض، وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الفصيح، أما بعد فإنه لا يخفى على ذي ذهن ثاقب ولا ذي عقل لازب أنك أمير الملة الحنيفية، كما أني أمير الملة النصرانية، وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس من التخاذل والنكول والتكاسل، وإهمالهم أمر الرعية وإخلادهم إلى الراحة والأمنية، وأنا أسوسهم بحكم القهر وإخلاء الديار وسبي الذراري،وأمثل بالرجل وأذيقهم عذاب الهوان، وشديد النكال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرتهم، إذا مكنتك القدرة وساعدك من عساكرك وجنودك كل ذي رأي وخبرة، وأنتم تزعمون أن الله تعالى قد فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم،وعلم أن فيكم ضعفاً، رحمة منه، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعاً، ولا تملكون امتناعاً، ولقد حكي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة القتال، وتماطل نفسك سنة بعد أخرى تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فلا ندري أكان لجبن إبطاؤك أم لتكذيب بما وعد ربك، ثم قيل لي أنك لا تجد إلى الجواز سبيلاً، ولعله لا يسوغ لك التقحم فيه ميلاً، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة وأعتذر عنك، ولك علي أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من البرهان، وإلا جئت بحملتي إليك وأقاتلك في أعز الأماكن عليك، فإن كانت النصرة لك كانت غنيمة كبيرة جاءت إليك وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك، والله الموفق لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
قال: فمزق يعقوب الكتاب، وكتب على قطعة منه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون. الجواب ما ترى لا ما تقرأ واستشهد ببيت المتنبي.
ولا كتب إلا المشرفية عنده ... ولا رسله إلا الخميس العرمرم
ثم أمر بكتائب الاستنفار واستدعاء الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات من يومه بظاهر البلد، وصار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة، فعبر فيه إلى الأندلس، ودخل إلى بلاد الإفرنج، فكسرهم كسرة شنيعة، وعاد بغنائمهم والله أعلم.
الصعيدي والفرنجية ومن غرائب المنقول وعجائبه عن الأمير بدر الدين أبي المحاسن، يوسف المهمندار، المعروف بمهمندار العرب أنه قال حكى لي الأمير محمد، شجاع الدين الشيرازي، متولي القاهرة في أيام الكامل سنة ثلاثين وستمائة، قال: بتنا عند رجل بالصعيد، فأكرمنا، وكان الرجل شديد السمرة، وهو شيخ كبير، فحضر له أولاد بيض الوجوه، حسان الأشكال، فقلنا له: هؤلاء أولادك؟ قال: نعم، ثم قال: كأنكم أنكرتم علي بياضهم وسوادي؟ قلنا: نعم. فقال: هؤلاء كانت أمهم إفرنجية أخذتها أيام الملك الناصر صلاح الدين، وأنا شاب.
فقلنا: وكيف أخذتها؟ قال: حديثي فيها عجيب وأمري غريب.
فقلنا: أتحفنا به.
فقال: زرعت كتاناً في هذه البلدة وقلعته ونفضته، فصرفت عليه خمسمائة دينار، ثم لم يبلغ الثمن أكثر من ذلك، فحملته للقاهرة فلم يصل أكثر من ذلك فأشير علي بحمله إلى الشام، فحملته فلم يزد على تلك القيمة شيئاً، فوصلت به إلى عكا فبعت بعضه لأجلٍ والبعض تركته، واكتريت حانوتاً لأبيع على مهل إلى أن تنقضي المدة. فبينما أنا أبيع إذ مرت بي امرأة فرنجية، ونساء الإفرنج يمشين في الأسواق بلا نقاب فأتت تشتري مني كتاناً، فرأيت من جمالها ما بهرني فبعتها وسامحتها ثم انصرفت وأتت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من المرة الأولى، فتكررت لي وعلمت أني أحبها فقلت للعجوز التي كانت معها: إنني قد تلفت بحبها، وأريد منك الحيلة.
فقالت لها العجوز ذلك، فقالت: تروح أرواحنا الثلاثة أنا وأنت وهو، فأعادت علي الجواب فقلت لها: أما أنا فقد سمحت بروحي في حبها، واتفق الحال على أن أدفع لها خمسين ديناراً، فوزنتها وسلمتها للعجوز فقالت: نحن الليلة عندك.
قال: فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى فجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا وجن الليل ولم يبق غير النوم، فقلت في نفسي: أما تستحيي من الله وأنت غريب تعصي الله مع نصرانية، اللهم إني أشهدك أني قد عففت عنها في هذه الليلة حياء منك وخوفاً من عقابك.
ثم نمت إلى الصبح، فقامت من السحر وهي غضبانة، ومضت ومضيت إلى حانوتي، فجلست فيه، فإذا هي قد عبرت علي والعجوز وهي مغضبة، وكأنها القمر، فهلكت وقلت في نفسي: ومن هو أنت حتى تترك هذه البارعة في حسنها؟ ثم لحقت العجوز، وقلت لها: ارجعي؟ فقالت: وحق المسيح ما أرجع لك إلا بمائة دينار.
فقلت: نعم! بسم الله، فمضيت ووزنت مائة دينار، فلما حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى، وعففت عنها وتركتها حياء من الله تعالى، ثم مضت ومضيت إلى موضعي، ثم عبرت علي بعد ذلك وقالت: وحق المسيح ما عدت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار، أو تموت كمداً.
فارتعت لذلك وعزمت على أن أصرف ثمن الكتان جميعه، فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي، معاشر المسلمين! إن الهدنة التي كانت بيننا وبنيكم قد انقضت، وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعه، فانقطعت عني، وأخذت في تحصيل ثمن الكتان الذي لين والمصالحة على ما بقي منه، وأخذت معي بضاعة حسنة، وخرجت من عكا وفي قلبي من الإفرنجية ما فيه، فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب فراغ الهدنة، ومن الله علي بكسب وافر، وأخذت أتجر في الجواري لعل يذهب ما بقلبي من الإفرنجية، فمضت ثلاث سنين، وجرى للملك الناصر ما جرى من وقعة حطين، وأخذ جميع الملوك، وفتح بلاد الساحل، بإذن الله تعالى، فطلب مني جارية للملك الناصر، فأحضرت له جارية حسناء، فاشتراها بمائة دينار، فأوصلوا إلي تسعين ديناراً، وبقيت العشرة دنانير عنده، فلم يجدوها في خزانة الملك في ذلك اليوم، لأنه أنفق جميع الأموال، فلما حضرت الغنيمة جاءوا للملك فشاوروه على ذلك، فقال: امضوا به إلى الخيمة التي فيها السبي من نساء الإفرنج، فخيروه في واحدة منهن، يأخذها بالعشرة دنانير التي بقيت له.
فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي، فقلت: أعطوني هذه الجارية، فأخذتها ومضيت إلى خيمتي، وخلوت بها، وقلت لها: أتعرفيني؟ قالت: لا. فقلت لها: أنا صاحبك التاجر الذي جرى لي معك ما جرى وأخذت مني الذهب، وقلت: ما عدت تراني عندك إلا بخمسمائة دينار وقد أخذتك ملكاً بعشرة دنانير.
فقالت: مد يدك أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فأسلمت وحسن إسلامها، فقلت: والله لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي، فتوجهت إلى ابن شداد، وحكيت له ما جرى، فتعجب وعقد لي عليها، وباتت تلك الليلة عندي فحملت مني ثم رحل العسكر، وأتينا دمشق، فبعد مدة يسيرة أرسل الملك يطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك، فردوا من كان أسيراً من الرجال والنساء، ولم يبقى إلا التي عندي، فطلبت مني، فحضرت وقد تغير لوني فأحضرتها بين يدي الملك الناصر، والرسول فقلت: هذه أسلمت وصارت امرأتي.
فقال الملك الناصر بحضرة الرسول: أترجعين إلى بلادك أو إلى زوجك، فقد فككنا أسرك وأسر غيرك.
فقالت: يا مولانا السلطان! أنا قد أسلمت وحملت وها بطني كما ترونه، وليس لي رغبة في الرجوع إلى بلادي وما رغبتي إلا في الإسلام وزوجي.
فقال لها الرسول: أيما أحب إليك، هذا المسلم أو زوجك الإفرنجي؟ فأعادت عبارتها الأولى، فقال الرسول لمن معه من الإفرنج: اسمعوا كلامها. ثم قال الرسول: خذ زوجتك وتوجه. فوليت بها فطلبني ثانياً وقال: إن أمها أرسلت معي كسوة وقالت: إن ابنتي أسيرة وأشتهي أن توصل لها هذه الكسوة.
فتسلمت الكسوة ومضيت إلى الدار ففتحت القماش، فإذا هو قماشها بعينه قد صيرته لها أمها، ووجدت من داخلة الصرتين، الذهب الخمسين ديناراً والمائة ديناراً، كما هي بربطتي لم يتغيروا، وهؤلاء الأولاد منها، وهي التي صنعت لكم هذا الطعام والله أعلم.
إن من البيان لسحرا ً
يحكى أن بعض الملوك أرسل رجلاً من بطانته إلى بعض الجهات ليعرف خبر عاملها، ويطالعه بأخبار الرعية، فلما وصل الرجل فطن له العامل، فأرسل إليه بمال وتحف ثم قال: عرفت ما جئت له، وأنا أرغب إليك في كتاب تكتبه إلى الملك تذكر فيه أني حسن السيرة، وسالك طريق العدل، فإن أنت فعلت ذلك فلك مني ما تشتهي رغبتك إليه من الخير والعطاء، وإن أبيت ذلك أمرت الشرطيين أن ينهوا إلي من أمرك في الملإ ما يوجب قتلك إما حداً وإما سياسة، فأقتلك بمحضر من قاضي البلد ووجوه الناس، فتذهب كأمس الماضي.
فلما لم يجد الرجل بداً من موافقته ولم يكن ليخون مرسله كتب بحضرته كتاباً إلى الملك.
أما بعد، أعز الله الملك وأكرمه، فإني قدمت إلى مدينة كذا وكذا فوجدت العامل فلاناً آخذاً بالحزم عاملاً بالعزم، قد ساوى بين رعيته، وعدل بينهم في أقضيته، وأرضى بعضهم بعضاً، وجعل طاعته عليهم فرضاً وأنزلهم منزلة الأولاد، وأذهب ما بينهم من الأحقاد، وأراحهم من السعي في الدنيا وفرغهم للعمل في الأخرى، أغنى القاصد وأرضى الوارد، فجميع أهل عمله داعون للملك يودون النظر إلى وجهه الكريم والسلام.
فلما وصل الكتاب منه إلى الملك فكر فيه وقال لوزيره: إن فلاناً لم يكن عندي بمتهم، فإن كتابه هذا يدل على ظلم العامل، فالتمس لي رجلاً يصلح لعمله، فإني قد عزلته.
فقال الوزير: أصلح الله الملك، وكيف ذلك؟ قال: لأن قوله آخذاً بالحزم عاملاً بالعزم أي أنه خائف مني لما اعتمده في الولاية، وأما قوله ساوى بين رعيته وعدل بينهم في أقضيته، فمعناه أنه لم يخص أحداً بظلمه بل الجميع سواء، وقوله: وأرضى بعضهم بعضاً: أي ذهبت أحقادهم لأن الشدائد تذهب الأحقاد، وقوله: أنزلهم منزلة الأولاد، معناه أخذ أموالهم ورأى أنها له أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك " . وقوله: وأراحهم من السعي في الدنيا، معناه أنه أخذ أموالهم ولم يترك لهم ما يسعون به ولا ما به يتجرون. وقوله: فرغهم للعمل في الأخرى، معناه أنهم لزموا المساجد والعبادة لفقرهم. وقوله: أغنى القاصد وأرضى الوارد فإنه يعني نفسه، أي أنه أعطاه مالاً ليكتب إلي بذلك. وأما قوله: فجميع أهل عمله داعون لنا، معناه أن يبصرنا الله بأمرهم، ونطلع على ما هم فيه. وقوله: يودون النظر لوجهنا أي يشكون إلينا ما لقوه منه ويستغيثون بنا.
ثم إن الملك طلب العامل وأحضره إلى بابه وأنصف الناس منه ورد عليهم ما كان العامل ظلمهم فيه واقتص منه فيما عليه فيه القصاص، وقابله على فعله والله أعلم.
هذه القصيدة الزينبية صرمت حبالك بعد وصلك زينبُ ... والدهرُ فيه تصرمٌ وتقلب
نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سوداً ورأسُك كالثغامة أشيب
واستنفرت لما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب
وكذاك وصلُ الغانيات، فإنه ... آلٌ ببلقعة وبرقٌ خلب
فدع الصبا، فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب
ذهب الشبابُ، فما له من عودةٍ ... وأتى المشيبُ، فأين منه المهرب
دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك، وابكها يا مذنب
واذكر مناقشة الحساب، فإنه ... لا بد يحصى ما جنيت ويكتب
لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه، وأنت لاه تلعب
والروح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب
وغرور دنياك التي تسعى لها ... دارٌ حقيقتها متاع يذهب
والليل، فاعلم، والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيها تعد وتحسب
وجميع ما خلفته وجمعته ... حقاً يقيناً بعد موتك ينهب
تباً لدار لا يدوم نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب
فاسمع هديت نصيحة أولاكها ... برٌ نصوح للأنام مجرب
صحب الزمان وأهله مستبصراً ... ورأى الأمور بما تثوب وتعقب
لا تأمن الدهر الخئون، فإنه ... مازال قدماً للرجال يؤدب
وعواقب الأيام في لذاتها ... غصص يذلُّ لها الأعز الأنجب
فعليك تقوى الله، فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب
واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع له لديه مقرب
واقنع، ففي بعض القناعة راحةٌ ... واليأس عما فات، فهو المطلب
فإذا طمعت كسيت لثوب مذلة ... فلقد كسيَ ثوب المذلة أشعب
وتوق من غدر النساء خيانةً ... فجميعهن مكايدٌ لك تنصب
لا تأمن الأنثى حياتك إنها ... كالأفعوان يراع منه الأنيب
لا تأمن الأنثى زمانك كله ... يوماً، ولو حلفت يميناً تكذب
تغرى بلين حديثها وكلامها ... وإذا سطت فهي الصقيل الأشطب
وابدأ عدوك بالتحية، ولتكن ... منه، زمانك، خائفاً تترقب
واحذره، إن لاقيته متبسماً ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب
إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب
وإذا الصديق رأيته متملقاً ... فهو العدو، وحقه يتجنب
لا خير في ود امرئٍ متملق ... حلو اللسان، وقلبه يتلهب
يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ ... وإذا توارى عنك فهو العقرب
يعطيك من طرف اللسان حلاوةً ... ويروغ منك كما يروغ الثعلب
وصل الكرام وإن جفوك بهفوةٍ ... فالصفح عنهم والتجاوز أصوب
واختر قرينك واصطفيه تفاخراً ... إن القرين إلى المُقارنِ ينسب
إن الغني من الرجال مكرمٌ ... وتراه يرجى ما لديه ويرهب
ويبشُّ بالترحيب عند قدومه ... ويقام عند سلامه ويقربُ
والفقر شين للرجال، فإنه ... حقاً يهون به الشريف الأنسب
واخفض جناحك للأقارب كلهم ... بتذلل، واسمح لهم إن أذنبوا
وذر الكذوب فلا يكن لك صاحباً ... إن الكذوب يشين حراً يصحب
وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل نادٍ تخطب
واحفظ لسانك واحترز من لفظه ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب
والسر فاكتمه ولا تنطق به ... إن الزجاجة كسرها لا يشعب
وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب
لا تحرصن، فالحرص ليس بزائدٍ ... في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب
ويظل ملهوفاً يروم تحيلاً ... والرزق ليس بحيلة يستجلب
كم عاجز في الناس يأتي رزقه ... رغداً ويحرم كيسٌ، ويخيب
وارع الأمانة، والخيانة، فاجتنب ... واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب
وإذا أصابك نكبةٌ فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلماً لا ينكب
وإذا رميت من الزمان بريبةٍ ... أو نالك الأمر الأشق الأصعب
فاضرع لربك، إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب
كن ما استطعت عن الأنام بمعزلٍ ... إن الكثير من الورى لا يصحب
واحذر مصاحبة اللئيم، فإنه ... يعدي كما يعدي السليم الأجرب
واحذر من المظلوم سهماً صائباً ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب
وإذا رأيت الرزق عز ببلدةٍ ... وخشيت فيها أن يضيق المذهب
فارحل فأرض الله واسعة الفضا ... طولاً وعرضاً، شرقها والمغرب
ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب
وما أحسن قول صالح بن عبد القدوس:
المرء يجمع، والزمان يفرقُ ... ويظل يرقعُ والخطوب تمزق
ولأن يعادي عاقلاً خيرٌ له ... من أن يكون له صديقٌ أحمق
فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقاً ... إن الصديق على الصديق مصدق
وزن الكلام، إذا نطقت، فإنما ... يبدي عقول ذوي العقول المنطق
ومن الرجال إذا استوت أحلامهم ... من يستشار، إذا استشير، فيطرق
حتى يحل بكل واد قلبه ... فيرى ويعرف ما يقول وينطق
لا ألفينك ثاوياً في غربةٍ ... إن الغريب بكل سهم يرشق
ما الناس إلا عاملان: فعاملٌ ... قد مات من عطش وأخر يغرق
والناس في طلب المعاش، وإنما ... بالجد يرزق منهم من يرزق
لو يرزقون الناس حسب عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق
لكنه فضل المليك عليهم ... هذا عليه موسعٌ ومضيق
وإذا الجنازة والعروسُ تلاقيا ... ورأيت دمع نوائحٍ يترقرق
سكت الذي تبع العروس مبهتاً ... ورأيت من تبع الجنازة ينطق
وإذا امرؤ لسعته أفعى مرةً ... تركته حين يجر حبلاً يفرق
بقي الذين، إذا يقولوا يكذبوا، ... ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا
؟
الخوارج كلاب النار وذكر ابن الجوزي في الأذكياء وغيره: أن عمران بن حطان، كان أحد الخوارج، وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنهما الله تعالى، على قتل الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجه:
يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوماً فأحسبه ... أو في البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون الأرض أقبرهم ... لم يخلطوا دينهم بغياً وعدوانا
فبلغت القاضي أبا الطيب الطبري، رحمه الله تعالى، هذه الأبيات فقال مجيباً له:
إني لأبرأ مما أنت قائله ... عن ابن ملجم الملعون بهتانا
إني لأذكره يوماً فألعنه ... ديناً وألعن عمران بن حطان
عليك ثم عليه الدهر متصلاً ... لعائن الله إسراراً وإعلاناً
فأنتمو من كلاب النار جاء لنا ... نص الشريعة برهاناً وتبيانا
أشار أبو الطيب رحمه الله تعالى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: " الخوارج كلاب النار " ، انتهى من حياة الحيوان.
سارق الجمل ومنه ما روي عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: جاءوا برجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فشهدوا عليه أنه سرق جملاً لهم، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع، فولى الرجل، وهو يقول: اللهم صل على محمد حتى لا يبقى من صلاتك شيء، وبارك على محمد حتى لا يبقى من بركاتك شيء، وسلم على محمد حتى لا يبقى من سلامك شيء.
فتكلم الجمل وقال: يا محمد، إنه بريء من سرقتي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من يأتيني بالرجل؟ فابتدره سبعون من أهل بدر، فجاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا هذا، ما قلت آنفاً؟ فأخبره بما قال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لذلك نظرت الملائكة يخترقون سكك المدينة، حتى كادوا يحولون بيني وبينك.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لتردن على الصراط ووجهك أضوأ من القمر ليلة البدر " .
هذه القصيدة يقال إنها لأمير المؤمنين الراضي بالله
زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه غير محض الخير خسران
وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان
يا عامراً لخراب الدهر مجتهداً ... بالله! هل لخراب الدهر عمران
ويا حريصاً على الأموال يجمعها ... نسيت أن سرور المال أحزان
دع الفؤاد من الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران
وأوع سمعك أمثالاً أفصلها ... كما يفصل ياقوتٌ ومرجان
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان
وكن على الدهر معواناً لذي أملٍ ... يرجو نداك، فإن الحر معوان
من جاد بالمال مال الناس قاطبةً ... إليه، والمال للإنسان فتان
من كان للخير مناعاً فليس له ... عند الخليقة أخدانٌ وإخوان
لا تخدشن بمطل وجه عارفهٍ ... فالبر يخدشه مطل وليان
يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... أتطلب الربح مما فيه خسران
أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
من يتقي الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا
حسب الفتى عقله خلاً يعاشره ... إذا تحاماه إخوانٌ وخلان
لا تستشر غير شخص حازمٍ فطن ... قد استوت منه أسرارٌ وإعلان
فللتدابير فرسانٌ. إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان
وللأمور مواقيتٌ مقدرةٌ ... وكل أمر له حد وميزان
من رافق الرفق في كل الحوادث لم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان
ولا تكن عجلاً في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران
وذو القناعة راضٍ في معيشته ... وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان
كفى من العيش ما قد سد من رمقٍ ... ففيه للحر إن حققت غنيان
هما رضيعا لبانٍ حكمةً وثقى ... وساكنا وطن مال وطغيان
من مد طرفاً بفرط الجهل ونحو هوىً ... أغضى عن الحق يوماً وهو خزيان
من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان
من عاشر الناس لاقى منهمو نصباً ... لأن طبعهمو بغيٌ وعدوانُ
ومن يفتش عن الإخوانِ مجتهداً ... فجل إخوان هذا الدهر خوان
من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامةً، ولحصد الزرع إبان
من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهمو صلٌّ وثعبان
من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان
من كان للعقل سلطانٌ عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان
وإن أساء مسيءٌ فليكن لك في ... عروض زلته صفحٌ وغفران
إذا نبا بكريمٍ موطنٌ، فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان
لا تحسبن سروراً دائماً أبداً ... من سره زمنٌ ساءته أزمان
يا ظالماً فرحاً بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان
يا أيها العالم المرضيُّ سيرته ... أبشر، فأنت بغير الماء ريان
ويا أخا الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن
دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان
صن حر وجهك لا تهتك غلالته ... فكل حر لحر الوجه صوانُ
لا تحسب الناس طبعاً واحداً فلهم ... غرائز لست تحصيها وألوان
ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان
من استعان بغير الله في طلبٍ ... فإن ناصره عجزٌ وخذلان
واشدد يديك بحبل الله معتصماً ... فإنه الركن إن خانتك أركان
لا ظل للمرء يغني عن تقىً ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان
سحبان من غير مالٍ باقلٌ حصرٌ ... وباقلٌ في ثراء المال سحبان
والناس إخوان من والته دولته ... وهم عليه إذ عادته أعوان
يا رافلاً في الشباب الرحب منتشياً ... من كاسه هل أصاب الرشد نشوان
لا تغترر بشبابٍ ناعمٍ خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان
ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الإسراف إمعان
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان
كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاصٌ وإيمان
وكل كسرٍ فإن الله يجبره ... وما لكسر قناة الدين جبران
أحسن إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ ... فلا يدوم على الإنسان إمكان
فالروض يزدان بالأنوار فاغمةً ... والحر بالعدل والإحسان يزدان
خذها سرائر أمثال مهذبةٍ ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان
ما ضر حسانها والطبع صائغها ... إن لم يصغها قريع الشعر حسان
وذيل عليها بعضهم فقال:
وكن لسنة خير الخلق متبعاً ... فإنها لنجاة العبد عنوان
فهو الذي شملت للخلق أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان
جبينه قمر قد زانه خفر ... وثغره درر غر ومرجان
والبدر يخجل من أنوار طلعته ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان
ومذ أتى أبصرت عمي القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان
به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا، إنه ذو الجود منان
يا رب صل عليه ما همى مطرٌ ... فأينعت منه أوراقٌ وأغصان
وابعث إليه سلاماً زاكياً عطراً ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان
جاريتان برواية شعر وعن حماد الراوية قال: كنت محباً للوليد بن عبد الملك، فلما ولي أخوه يزيد الخلافة هربت إلى الكوفة، فبينما أنا في المسجد الأعظم، إذ أتاني رسول محمد بن يوسف الثقفي، وقال: أجب الأمير، فدخلت عليه، فقال: ورد كتاب أمير المؤمنين علي بحملك إليه، وبالباب نجيبان، فاركب أحدهما، ودفع إلي كيساً فيه ألف دينار، وقال: هذه نفقة لمنزلك، فدخلت دمشق في اليوم الثامن واستأذن لي الرسول فدخلت عليه، فإذا هو جالس في دار مبلطة بالرخام الأحمر، وفيها سرادق خز أحمر في وسط قبة حمراء من خز، وفرشها وكل ما فيها أحمر، وعلى رأسه جاريتان عليهما ثيابٌ حمر بيد واحدة منهما إبريقٌ، وفي إحدى يدي الأخرى نبيذ أحمر، وفي اليد الأخرى نبيذ أبيض، فلما واجهته سلمت عليه بالخلافة فرد علي السلام، وقال: ادن يا حماد: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا يا أمير المؤمنين.
قال: في بيت شعر ذهب عني أوله.
قلت: من أي عروض أو قافية؟ قال: لا أدري إلا أنه بيت فيه إبريق.
فقلت في نفسي: إن لم تغن الرواية يوماً، فالآن. ففكرت في نفسي ساعة، ثم قلت: نعم يا أمير المؤمنين، لعله قول التبع اليماني، أو عدي بن زيد العبادي:
بكر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي: أما تستفيق
ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذ العذل فيها ... أعدو يلومني أم صديق
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
فصاح يزيد وقال: هو والله الشعر بعينه وشرب وقال: يا جارية اسقه، فسقتني كأساً أذهبت ثلث عقلي، ثم استعاد الشعر وشرب وقال: اسقه، فسقتني، فقلت: يا أمير المؤمنين، ذهب ثلثا عقلي.
فقال: سل حاجتك قبل أن يذهب الثلث الآخر.
فقلت: إحدى هاتين الجاريتين.
فقال: هما لك بمالهما وما عليهما، ومائة ألف تحسن بها سيرك، ثم ناولتني الجارية كأساً فشربتها وانصرفت ونهضت، وقد ذهب عقلي، فعدل بي إلى دار الضيافة فانتبهت آخر الليل، وإذا بشمع يوقد والجاريتان يرصان الأمتعة، والبغال تحمل ما لهما من أثاث وغيره، وأصبحت قبضت المال وانصرفت، وأما أيسر أهل الكوفة، انتهى.
ولما وقف الشيخ تقي الدين بن حجة رحمه الله، على هذه الحكاية، قال: انظر أيها المتأدب نفاق سوق الأدب في ذلك الأرب، وبشهادة الله أن البيت الذي طلب حماد الراوية بسببه من العراق إلى دمشق، وأجيز عليه بالجاريتين والمائة ألف تأنف نفسي أني أنظمه في سلك قصيدة من قصائدي، وهو هذا البيت.
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
وكنت أريد أن أكون في ذلك العصر ويسمع يزيد بن عبد الملك من نظمي في هذا الباب قولي:
في ليلة رقم البدر المنير لها ... طاراً له بعصا الجوزاء نقرات
وبان لي من لماها حين تبسم لي ... فوق اللثا واللمى در وعقبات
والراح دبت على فهمي فصورها ... لكن لها ضاع في الكاسات نفحات
كانت علامات تحقيقي، فقال فمي: ... هي المنازل لي فيها علامات
مذ أنشأتنا سجعنا في محاسنها ... مغردين، وللإنشاء سجعات
هذا وأفواه كاساتي قد ابتسمت ... لما حبتها ثغور لؤلؤيات
ومن يقل حركات الزهر ما سكنت ... فللحباب على التسكين جزمات
جارية ثمن إعراب بيت وألطف من ذلك ما حكاه محمد بن يزيد المبرد، قال: كان أبو عثمان المازني جاء إليه يهودي وسأله أن يقرئه كتاب سيبويه، وبذل له مائة دينار. فامتنع أبو عثمان من ذلك، فقلت له سبحان الله: ترد مائة دينار مع فاقتك وحاجتك إلى درهم واحد؟ فقال: نعم يا أبا العباس: اعلم أن كتاب سيبويه يشتمل على ثلاثمائة آية من كتاب الله، ولا أرى أن أمكن منها كافراً.
فسكت، ولم يتكلم. قال المبرد: فما مضت إلا أيام حتى جلس الواثق يوماً للشرب وحضر ندوماؤه فغنت جارية في المجلس هذا الشعر:
أظلومٌ إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
فنصبت رجلاً، فلحنها بعض الحاضرين من الندماء، وقال: الصواب الرفع لأنه خبر إن. فقالت الجارية: ما حفظته من معلمي إلا هكذا.
ثم وقع النزاع بين الجماعة، فمن قائل الصواب معه، ومن قائل الصواب معها، فقال الواثق: من بالعراق من أهل العربية ممن يرجع إليه؟ فقالوا: بالبصرة أبو عثمان المازني، وهو اليوم واحد عصره في هذا العلم.
فقال الواثق: اكتبوا إلى والينا بالبصرة يسيره إلينا معظماً مبجلاً فما كان إلا أيام حتى وصل الكتاب إلى البصرة، فمر الوالي أبا عثمان بالتوجه وسيره على بغال البريد، فلما وصل دخل على الواثق، فرفع مجلسه وزاد في إكرامه وعرض عليه البيت، فقال: الصواب مع الجارية، ولا يجوز في رجل غير النصب لأن مصاب مصدر بمعنى الإصابة ورجلاً منصوب به، والمعنى أن إصابتكم رجلاً أهدى السلام تحيةً ظلمٌ، فظلم خبر إن؛ وما يتم الكلام إلا به.
ففهم الواثق كلام أبي عثمان، وعلم أن الحق ما قالته وأعجب به، وانقطع الرجل الذي أنكر على الجارية، ثم أمر الواثق لأبي عثمان المازني بألف دينار، وأتحفه بتحف وهدايا كثيرة لأهله، ووهبت له الجارية جملة أخرى، ثم سيره إلى بلده مكرماً، فلما وصل جاء المبرد فقال له أبو عثمان: كيف رأيت يا أبا العباس، تركت لله مائة فعوضني ألفاً.
فقال المبرد: من ترك شيئاً لله عوضه خيراً منه، انتهى.
الاسم الأعظم عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " سألت الله الاسم الأعظم فجاءني جبريل به مختوماً، وهو اللهم إني أسألك بالاسم المخزون المكنون الطهر الطاهر المطهر المقدس المبارك الحي القيوم " .
قالت عائشة: بأبي وأمي علمنيه.
فقال: يا عائشة نهينا عن تعليمه النساء والصبيان والسفهاء، انتهى.
فائدة كان أبو محمد عبد الله بن يحيى الضبعي من أصحاب الشافعي وكان إماماً صالحاً عالماً من أهل اليمن من أقران صاحب البيان من تصنيفه: احترازات المهذب والتعريف في الفقه. روى أن ناساً ضربوه بالسيف فلم تقطع سيوفهم فيه فسئل عن ذلك، فقال: كنت أقرأ: " ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم " ، فالله خير حافظاً، وهو أرحم الراحمين " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله " ، " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " ، " وحفظناها من كل شيطان رجيم " ، " وحفظاً من كل شيطان مارد " ، " وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم " ، " إن كل نفس لما عليها حافظ " ، " إن بطش ربك لشديد " ، إلى آخر السورة، وينبغي أن يزاد فيها " إن ربي على كل شيء حفيظ " . ثم قال: كنت خرجت يوماً مع جماعة فرأيت ذئباً يلاعب شاةً عجفاء، ولا يضرها بشيء، فلما دنونا منه نفر منها الذئب، فوجدنا في عنق الشاة كتاباً مربوطاً فيه هذه الآيات المتقدمة، انتهى.
فائدة
قال معاذ بن جبل: احتبس عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعاً فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته، فلما سلم دعا بصوته، فقال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم انفتل إلينا، فقال: أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة؟؟! إني قمت من الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تعالى في أحسن صورة، فقال: يا محمد، فقلت: لبيك يا رب. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ربي لا أدري. قال تعالى: " في الكفارات والدرجات " . وفي رواية: " قلت: في الكفارات والدرجات " . قال: فما هن؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء على المكروهات. قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام. قال: سل، قلت: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربني إلى حبك " .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنها حق فادرسوها ثم تعلموها " .
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح انتهى من حياة الحيوان في حرف النون.
وقال: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الشرك، فقال: هو أخفى فيكم من دبيب النمل، وسأدلك على شيء إذا فعلته، أذهب الله عنك صغار الشرك وكباره. تقول: " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً، وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم إنك أنت علام الغيوب، تقولها ثلاث مرات " ، انتهى.
؟
فائدة إذا علقت عين الهدهد على صاحب النسيان ذكر ما نسيه، ودمه إذا قطر في البياض العارض في العين أذهبه.
وروى أحمد والبزار، ورجال أحمد ثقات، من حديث أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يشرب قائماً، فقال له: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا. قال: فقد شرب معك الشيطان " .
وفي تاريخ ابن النجار في ترجمة محمد بن عمر الحنبلي عن أنس بن مالك قال: كنت جالساً عند عائشة رضي الله عنها، أبشرها بالبراءة، فقالت: والله لقد هجرني القريب والبعيد حتى هجرتني الهرة، وما عرض علي طعام ولا شراب، فكنت أرقد وأنا جائعة، فرأيت في منامي فتى، فقال: مالك حزينة؟ فقلت: مما ذكر الناس.
فقال: ادعي بهذه يفرج الله عنك.
فقلت: وما هي؟ قال: قولي دعاء الفرج: يا سابغ النعم، ويا دافع النقم، ويا فارج الغمم، ويا كاشف الظلم، ويا أعدل من حكم، ويا حسيب من ظلم، ويا ولي من ظلم، ويا أول بلا بداية، ويا آخر بلا نهاية، ويا من له اسم بلا كنية، اجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً.
قالت: فانتبهت وأنا ريانة شبعانة، وقد أنزل الله براءتي وجاءني الفرج. انتهى من حياة الحيوان.
وهذا الدعاء روى الطبراني بإسناد صحيح قطعة منه عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بأعرابي، وهو يدعو في صلاته يقول: يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماءٌ سماءً ولا أرضٌ أرضاً ولا بحرٌ إلا ويعلم ما في قعره ولا جبل إلا يعلم ما في وعره، اجعل اللهم خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه وخير أيامي يوم لقائك.
فوكل النبي صلى الله عليه وسلم بالأعرابي رجلاً فقال: إذا صلى فائتني به، فلما صلى أتاه به وقد كان أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم، ذهب من بعض المعادن، فلما أتى الأعرابي وهب له الذهب، وقال: ممن أنت أيها الأعرابي؟ قال: من بني عامر بن صعصعة.
فقال صلى الله عليه وسلم: هل تدري لم وهبت لك هذا الذهب؟ قال: للرحم التي بيننا وبينك يا رسول الله.
قال صلى الله عليه وسلم: إن للرحم حقاً، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله عز وجل. انتهى من حرف الطاء.
بهرام جور والرماية وفي كتاب ثمار القلوب للثعالبي في الباب الثالث عشر منه، أن الملك بهرام جور لم يكن في العجم أرمى منه. ومن غريب ما اتفق له أنه خرج يوماً يتصيد على جمل، وقد أردف جارية يعشقها فعرضت له ظباء، فقال للجارية: في أي موضع تريدين أن أضع هذا السهم من هذه الظباء؟
قالت: أريد أن تشتبه ذكرانها بإناثها، وإناثها بذكرانها.
فرمى ظبياً ذكراً بنشابة ذات شعبتين فاقتلع قرينه، ورمى ظبية بنشابتين، أثبتهما في موضع القرنين.
ثم سألته أن يجمع ظلف الظبي وأذنه بنشابة واحدة.
فرمى أذن الظبي ببندقةٍ، فلما أهوى بيده إلى أذنه ليحك رماه بنشابة فوصل أذنه بظلفه، ثم أهوى إلى الجارية مع هواه بها فرمى بها إلى الأرض وأوطأها الجمل بسبب ما اشترطت عليه وقال: ما أردت إلا إظهار عجزي، فلم تلبث إلا يسيراً وماتت. انتهى.
حكاية في القطا يقال نزل عمرو بن أمامة على قوم من مراد، فطرقوهم ليلاً فأثاروا القطا من أماكنها، فرأتها امرأة يقال لها حذام، فلما رأت القطا طار ليلاً نبهت زوجها مع رجالٍ من قومها فقالت لهم: ولو ترك القطا ليلاً لناما. فلم يلتفتوا إلى قولها وأخلدوا إلى مضاجعهم فقام رجل منهم وقال:
إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام
فنفر القوم والتجئوا إلى واد قريب منهم، واعتصموا به حتى أصبحوا وامتنعوا من عدوهم، فضرب به المثل. انتهى بتقديم وتأخير.
يا جامع الناس وعن أبي جعفر الخالدي قال: ودعت أبا الحسن الصغير المدني فقلت له: زودني شيئاً؟ فقال: إذا ضاع منك شيء وأردت أن يجمع الله بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان، فقل: يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه، إن الله لا يخلف الميعاد اجمع بيني وبين كذا وكذا، فإن الله يجمع بينك وبين ذلك الشيء أو ذلك الإنسان. انتهى من حرف الألف.
الملك والمرأة العفيفة وهذه أبيات:
لصيد اللُّخم في البحروصيد الأسد في البروقضم الثلج في القر
ونقل الصخر في الحروإقدامٌ على موتٍوتحويلٌ إلى القبر
لأشهى من طلاب العر ... ف ممن عاش في الفقر
قوله: اللُّخم، بضم اللام وإسكان الخاء المعجمة، ضرب من السمك ضخم يقال له: الكوسج وهو القرش. انتهى من حياة الحيوان في حرم اللام.
الملك والمرأة العفيفة وذكر بعض أهل التواريخ أن ملكاً من الملوك خرج يدور فلي ملكه، فوصل إلى قرية عظيمة، فدخلها منفرداً، فأخذه العطش، فوقف بباب دار من دور القرية وطلب ماء، فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز ماء وناولته إياه، فلما نظر لها افتتن بها، فراودها عن نفسها، وكانت المرأة عارفة به، فعلمت أنها لا تقدر على الامتناع منه، فدخلت وأخرجت له كتابً، وقالت له: انظر في هذا الكتاب حتى أصلح من أمري ما تحب وأعود. فأخذ الملك الكتاب ونظر فيه، وإذا فيه الزجر عن الزنا وما أعد الله تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده ونوى التوبة، وصاح بالمرأة، وأعطاها الكتاب ومر ذاهباً.
وكان زوج المرأة غائباً، فلما حضر أخبرته الخبر، فتحير في نفسه وخاف أن يكون قد وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك، ومكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها، فرفعوه إلى الملك، فلما مثل بين يدي الملك قال أقارب المرأة: أعز الله مولانا الملك، إن هذا الرجل قد استأجر منا أرضاً للزراعة، فزرعها مدة، ثم عطلها فلا هو يزرعها، ولا هو يتركها لنؤجرها لمن هو يزرعها، وقد حصل الضرر للأرض، ونخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت.
فقال الملك لزوج المرأة: ما يمنعك من زرع أرضك؟ فقال: أعز الله مولانا الملك، إنه قد بلغني أن الأسد قد دخل أرضي، وقد رهبته ولم أقدر على الدنو منه لعلمي أنه لا طاقة لي بالأسد.
ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك طيبة صالحة للزراعة، فازرعها بارك الله لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها، ثم أمر له ولزوجته بصلة حسنة وصرفهما، انتهى من حرف الألف.
فائدة الفرزدق اسمه همام بن غالب، والفرزدق لقب غلب عليه، والفرزدق قطع العجين الواحدة فرزدقة، ولقب به لغلظه وقصره، انتهى.
فائدة عظيمة
قال الأطباء: إذا أردت أن تعرف أن المرأة عقيم أو لا، فمرها أن تتحمل بثومة في قطنة، وتمكث سبع ساعات، فإن فاح من فمها رائحة الثوم، فعالجها بالأدوية، فإنها تحمل بإذن الله تعالى وإلا فلا، وهي مجربة، والله أعلم.
فائدة
قال شيخ الإسلام محيي الدين النووي في أذكاره في باب أذكار المسافر عند إرادته الخروج من بيته: يستحب له عند إرادة الخروج أن يصلي ركعتين لحديث المطعم بن المقداد الصحابي رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد السفر " . رواه الطبراني وقال: في تتمة أخرى قال الشيخ قطب الدين القسطلاني: مما حفظت من والدتي أم محمد آمنة، وكنت وفاتها في صفر سنة ست وخمسين وستمائة: اللهم بتلألؤ نور بهاء حجب عرشك، من أعدائي احتجبت، وبسطوة الجبروت ممن يكيدني استترت وبطول حول حجب عرشك من عدائي احتميت، وبشديد قوتك من كل سلطان تحصنت وبديموم قيوم دوام أبديتك من كل شيطان استعذت وبمكنون السر في سرسرك من كل هم وغم تخلصت، يا حامل العرش عن حملة العرش، يا شديد البطش، يا حابس الطير والوحش احبس عني من ظلمني واغلب من غلبني. " كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز " ، انتهى.
فائدة إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب لها: بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين. كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ. فهل يهلك إلا القوم الفاسقون.
فائدة تكتب هؤلاء الكلمات وتجعل في أنبوبة وتدفن في الزرع والكرم فإنه لا يؤذيه الجراد بإذن الله تعالى وهي: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم اللهم أهلك صغارهم واقتل كبارهم وأفسد بيضهم وخذ بأفواههم عن معايشنا وأرزاقنا إنك سميع الدعاء. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه واستجب منا يا أرحم الراحمين.
دعاء وقال الشيخ قطب الدين، ومما حفظته من دعاء والدي من الأدعية التي تنفع في الحجب عن الأعداء: اللهم بسر الذات وبذات السر وهو أنت أنت، هو لا إله إلا أنت، احتجبت بنور الله وبنور عرش الله وبكل اسم الله من عدوي وعدو الله بألف ألف لا حول ولا قوة إلا بالله، ختمت على نفسي وديني وأهلي ومالي وولدي وجميع ما أعطاني ربي بخاتم الله القدوس المنيع الذي ختم به أقطار السموات والأرض، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل، حسبنا الله ونعم الوكيل.
سك النقود في الإسلام وقال الكسائي: دخلت على الوليد ذات يوم وهو في إيوانه وبين يديه مال كثير قد أمر بتفرقته على خدمه الخاصة وبيده درهم تلوح كتابته وهو يتأمله وكان كثيراً ما يحدثني فقال: هل علمت أول من سن هذه الكتابة في الذهب والفضة؟ قلت: هو يا سيدي عبد الملك بن مروان.
قال: فما كان السبب في ذلك؟ قلت: لا أعلم غير أنه أول من أحدث هذه الكتابة.
قال: سأخبرك، كانت القراطيس للروم وكان أكثر من بمصر نصرانياً على دين ملك الروم، وكانت تطرز بالرومية وكان طرازها أباً وابناً وزوجة وبنتاً، فلم يزل كذلك صدر الإسلام كله يمضي على ما كان عليه إلى أن ملك عبد الملك، فتنبه وكان فطناً، فبينما هو ذات يوم جالس إذ مر به قرطاسٌ فنظر إلى طرازه فأمر أن يترجم بالعربية ففعل ذلك فأنكره، وقال: ما أغلظ هذا في دين الإسلام أن يكون طراز القراطيس هكذا وهي تعمل في الأواني والثياب، وهما يعملان بمصر وغير ذلك مما يطرز من ستور وغيرها من عمل هذا البلد. فأمر بالكتاب إلى عبد العزيز بن مروان، وكان عامله بمصر، ببطال ذلك الطراز الذي يعمل على الثياب والقراطيس والستور وغير ذلك، وأن تعمل صناع القراطيس سورة التوحيد، وشهد أن لا إله إلا هو، وهذا طراز القراطيس خاصة إلى هذا الوقت، ولم ينقص ولم يزد ولم يتغير، وكتب إلى عمال الآفاق جميعاً بإبطال ما في أعمالهم من القراطيس المطرزة بطراز الروم، ومعاقبة من وجد عنده بعد هذا النهي شيء منه بالضرب الوجيع والحبس الطويل بعدما أثبت القراطيس بالطراز المحدث بالتوحيد، وحمل إلى بلاد الروم منها وانتشر خبرها ووصل إلى ملكهم فترجم له ذلك الطراز، فأنكره وعظم عليه، واستشاط غيظاً فكتب إلى عبد الملك: إني أعمل القراطيس بمصر وسائر ما يطرز هناك للروم، ولم تزل تطرز بطراز الروم إلى أن أبطلته، فإن كان من تقدمك من الخلفاء قد أصاب فقد أخطأت، وإن كنت قد أصبت فقد أخطأوا، فاختر من هاتين الخلتين أيهما شئت وأحببت، وقد بعثت إليك بهدية تليق بمحلك، وأحببت أن ترد طراز تلك القراطيس إلى ما كان عليه، وجميع ما كان يطرز أولاً لأشكرك عليه وتأمر بقبض الهدية. وكانت عظيمة القدر.
فلما قرأ عبد الملك كتابه، رد الرسول وأعلمه أنه لا جواب له ورد الهدية، فانصرف بها إلى صاحبه.
فلما وافاه أضعف الهدية، ورد الرسول إلى عبد الملك وقال: إني ظننت أنك استقللت الهدية، فلم تقبلها ولم تجبني إلى كتابي فأضعفت الهدية، وأنا أرغب إليك مثل ما رغبت فيه أولاً من رد الطراز إلى ما كان عليه.
فقرأ عبد الملك الكتاب ولم يجبه ورد الهدية، فكتب إليه ملك الروم كتاباً يقتضي أجوبة كتبه ويقول: إنك قد استخففت بجوابي وهديتي ولم تسعفني بحاجتي فتوهمت أن استقللت الهدية فأضعفتها، فجريت على سبيلك الأول، وقد أضعفتها لك ثالثاً، وأنا أحلف بالمسيح لتأمرن برد الطراز إلى ما كان عليه أو لآمرن بنقش الدراهم والدنانير، فإنك تعلم أنه لا ينقش شيء منها إلا ما ينقش في بلادي، ولم أر الدراهم والدنانير نقشت في بلاد الإسلام فتنقش عليها شتم نبيك، فإذا قرأته ارفضَّ جبينك عرقاً، فأحب أن تقبل هديتي، وترد الطراز إلى ما كان عليه أول الأمر، وكانت هدية بررتني بها ويبقى الأمر بيني وبينك.
فلما قرأ عبد الملك الكتاب صعب عليه، وعظم، وضاقت به الأرض وقال: أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام لأني جنيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من شتم هذا الكافر ما يبقى إلى أبد الدهور. ولا يمكن محوه من جميع مملكة العرب، إذ كانت المعاملات تدور بين الناس بدنانير الروم ودراهمهم، فجمع أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عندهم رأياً يعمل به، فقال له روح بن زنباع: إنك لتعلم المخرج من هذا الأمر ولكنك تتعمد تركه.
فقال: ويحك بم؟ قال: عليك بالباقر من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: صدقت، ويمكنه يا روح الرأي فيه. قال: نعم.
فكتب إلى عامله بالمدينة أن أرسل محمد بن علي بن الحسين مكرماً ومتعه بمائة ألف درهم لجهازه وثلاثمائة درهم لنفقته، وأرح عليه في جهازه وجهاز من يخرج معه من أصحابه. وحبس الرسول قبله إلى موافاة محمد بن علي، فلما وافاه أخبره الخبر فقال له محمد رضي الله عنه: لا يعظم هذا عليك، فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن الله عز وجل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والثانية تدعو في هذا الوقت بصناع يضربون سككاً للدراهم والدنانير وتجعل النقش عليها سورة التوحيد، وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إحداهما في وجه الدرهم والدينار والأخرى في الوجه الثاني وتجعل في مدار الدرهم أو الدينار، ذكر البلد الذي يضرب فيه والسنة التي تضرب فيها تلك الدراهم والدنانير، وتعمد إلى وزن ثلاثين درهماً عدداً من الثلاثة أصناف التي، العشرة منها وزن عشرة مثاقيل، وعشرة منها وزن ستة مثاقيل وعشرة منها وزن خمسة مثاقيل فتكون أوزانها جميعاً أحداً وعشرين مثقالاً فيجزئها من الثلاثين، فتصير العدة من الجميع وزن سبعة مثاقيل وتصب صنجاة من قوارير لا تستحيل إلى زيادة ولا نقصان، فتضرب الدراهم على وزن عشرة والدنانير على وزن سبعة مثاقيل.
وكانت الدراهم في ذلك الوقت إنما هي الكسروية التي يقال لها اليوم البغلية لأن راس البغل ضربها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه بسكة كسروية في الإسلام، مكتوب عليها صورة الملك، وتحت الكرسي مكتوب بالفارسية نوش خور، أي كل هنيئاً، وكان وزن الدرهم منها قبل الإسلام مثقالاً والدراهم التي كان وزن العشرة منها وزن ستة مثاقيل والعشرة وزن خمسة مثاقيل هي السامرية الخفاف، والثقال ونقشها نقش فارس، ففعل ذلك عبد الملك وأمره محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنه أن يكتب السكة في جميع بلدان الإسلام وأن يتقدم إلى الناس في التعامل بها وأن يتهدد بقتل من يتعامل بغير هذه السكة من الدراهم والدنانير وغيرهما، وأن تبطل وتزد إلى مواضع العمل حتى تعاد إلى السكة الإسلامية.
ففعل عبد الملك ذلك ورد رسول ملك الروم إليه بذلك ويقول: إن الله عز وجل مانعك مما قد أردت أن تفعله، وقد تقدمت إلى عمالي في أقطار البلاد بكذا وكذا وبإبطال السكك والطراز الرومية.
فقيل لملك الروم: افعل ما كنت تهددت به ملك العرب.؟ فقال: إنما أردت أن أغيظه بما كتبت إليه لأنني كنت قادراً عليه بالمال وغيره برسوم الرسوم، فأما الآن فلا أفعل لأن ذلك لا يتعامل به أهل الإسلام وامتنع من الذي قال وثبت ما أشار به محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم إلى اليوم.
ثم رمى يعني الوليد بالدرهم إلى بعض الخدم.
منام صادق وقال نصر الله بن مجلي، وكان من الثقات وأهل السنة: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المنام، فقلت: يا أمير المؤمنين! تفتحون مكة، وتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يتم على ولدك الحسين ما تم.
فقال: أما سمعت أبيات ابن الصيفي في هذا؟ قلت: لا.
قال: اسمعها منه. ثم انتبهت فبادرت إلى دار حيص بيص فذكرت له الرؤيا فشهق وبكى وحلف بالله أنها لم تخرج من فيه أو خطه لأحد وما نظمها إلا في ليلته، ثم أنشدني:
ملكنا فكان العفو منا سجيةً ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتمو قتل الأسارى وطالما ... غدونا عن الأسرى نفك ونصفح
واسم حيص بيص سعيد بن محمد أبو الفوارس التميمي الشاعر المعروف، ويعرف بابن الصيفي، ولقب بحيص بيص لأنه رأى الناس يوماً في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص فبقي هذا اللقب عليه، ومن محاسن شعره:
يا طالب الرزق في الآفاق مجتهداً ... أقصر عناك، فإن الرزق مقسوم
الرزق يأتي إلى من ليس يطلبه ... وطالب الرزق يسعى وهو محروم
وله أيضاً:
يا طالب الطب من داءٍ أصيب به ... إن الطبيب الذي أبلاك بالداء
هو الطبيب الذي يرجى لعافيةٍ ... لا من يذيب لك الترياق في الماء
وله أيضاً:
إله عما استأثر الله به ... أيها القلب ودع عنك الحرق
فقضاء الله لا يدفعه ... حول محتال، إذا الأمر سبق
وله أيضاً:
أنفق ولا تخش إقلالاً، فقد قسمت ... على العباد من الرحمن أرزاق
لا ينفع البخل من دنيا مولية ... ولا يضر مع الإقبال إنفاق
؟
الذكاء والفهم ومما جاء في الذكاء والفهم ما حكي عن المأمون أنه غضب على عبد الله بن طاهر، وشاور أصحابه في الإيقاع به، وكان قد حضر في ذلك المجلس صديق له فكتب إليه كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، يا موسى. فلما فضه ووجد ذلك تعجب وجعل يطيل النظر إليه ولا يفهم معناه، وكانت له جارية واقفة على رأسه فقالت له: يا سيدي، إني أفهم معنى هذا. فقال: وما هو؟ قالت: إنه أراد قوله تعالى: " يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " .
وكان قد عزم على الحضور إلى المأمون، فثنى العزم عن ذلك واعتذر للمأمون في عدم الحضور فكان سبب سلامته.
وأحسن من ذلك ما ذكره ابن خلكان قال: إن بعض الملوك غضب على بعض عماله فأمر وزيره أن يكتب له كتاباً يشخصه به، وكان للوزير بالعامل عناية، فكتب إليه كتاباً وكتب في آخره، إن شاء الله تعالى. وجعل في صدر النون شدة. فعجب العامل كيف وقعت هذه الحركة من الوزير إذ من عادة الكتاب أن لا يشكلوا كتبهم، ففكر في ذلك فظهر له أنه أراد: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك. فكشط الشدة وجعل مكانها ألفاً وختم الكتاب وأعاده. فلما وقف عليه الوزير سر بذلك وفهم أنه أراد: إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها.
؟
أبو حنيفة وجاره الإسكافي وفي تاريخ بغداد ووفيات الأعيان: أن أبا حنيفة رضي الله عنه، كان له جار إسكافي يعمل نهاره، فإذا رجع إلى منزله ليلاً تعشى ثم شرب، فإذا دب الشراب فيه غنى وقال:
أضاعوني، وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهةٍ وسداد ثغر
ولا يزال يشرب ويردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، وأبو حنيفة يسمع صوته كل ليلة.
وكان أبو حنيفة يصلي الليل كله، ففقد أبو حنيفة صوته فسأله عنه فقيل: أخذه العسس منذ ليالٍ، فصلى أبو حنيفة الفجر من غده، ثم ركب بغلته وأتى إلى دار الأمير، فاستأذن عليه، فقال: ائذنوا له، وأقبلوا به راكباً ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل به ذلك، فوسع له الأمير من مجلسه وقال له: ما حاجتك؟ قال: أشفع في جاري.
فقال الأمير: أطلقوه وكل من أخذ في تلك الليلة.
فخلوهم أيضاً وذهبوا وركب أبو حنيفة بغلته وخرج والإسكافي يمشي وراءه فقال له أبو حنيفة: يا فتى! هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت فجزاك الله خيراً عن حرمة الجوار. ثم تاب الرجل ولم يعد إلى ما كان يفعل.
وقال الشافعي: قلت لمالك، هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم، رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
دواء للصداع قال الحافظ ابن عساكر، أيضاً: ويكتب للصداع.
بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداءً خفياً ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكناً كهيعص حمسق كم لله من نعمة على عبد شاكر وغير شاكر، وكم لله من نعمة في قلب خاشع وغير خاشع، وكم لله من نعمة في كل عرق ساكن وغير ساكن، اذهب أيها الصداع بعز عز الله بنور وجه الله، وله ما سكن في الليل والنهار وهو السميع العليم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، فإنه نافع.
وعن أبي الدرداء قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بنا كلب فما بلغت رجله يده حتى مات، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من الداعي على هذا الكلب؟ فقال رجل من القوم: أنا يا رسول الله قال: فما قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام اكفنا هذا الكلب بما شئت.
فقال صلى الله عليه وسلم: لقد دعا الله بالاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى.
وفي هذا الحديث في السنن الأربعة ومسند أحمد وكتابي الحاكم وابن حبان.
قيل: وكانت صلاة العصر يوم الجمعة وأن الرجل الداعي سعد بن أبي وقاص، انتهى.
فائدة
قال القرافي: اتفق الناس على تكفير إبليس بقضيته مع آدم عليه الصلاة والسلام، وليس الكفر فيها لامتناعه من السجود، وإلا لكان كل من أمر بالسجود وامتنع منه كافراً، وليس كفره بكونه حسد آدم عليه الصلاة والسلام على منزلته من الله تعالى، وإلا لكان كل حاسدٍ كافراً، وليس كفره بعصيانه وفسوقه، وإلا لكان كل عاص وفاسق كافراً، وقد أشكل ذلك على جماعة من الفقهاء وينبغي أنه إنما كفر بنسبه الحق جل جلاله إلى الجور والتصرف الذي ليس بمرضي، ويظهر ذلك من فحوي قوله: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين. ومراده أن الزام العظيم الجليل بالسجود للحقير من الجور والظلم، وهذا وجه كفره لعنه الله تعالى. وقد أجمع المسلمون على أن من نسب الله تعالى لذلك فهو كافر، انتهى.
ومنه أيضاً قول الشاعر:
خليلي إن قالت بثينة: ما له ... أتانا بلا وعد، فقولا لها: لها
أتى وهو مشغول بعظم الذي به ... ومن بات طول الليل يرعى السها سها
بثينة تزري بالغزالة في الضحى ... إذا برزت لم يبق يوماً بها بها
لها مقلة كحلا وخد موردٌ ... كأن أباها الظبي أو أمّها مَها
دهتني بود قاتل، وهو متلفي ... وكم قتلت بالمزج من ودِّها دُها
هي من مزج النَغَف بنون وغين معجمتين مفتوحتين ثم فاء، دود يكون في أنف الإبل والغنم الواحدة نغفة، انتهى عن الأصمعي.
وقال أبو عبيدة: هو الدود الأبيض يكون في النوى، وما سوى ذلك الدود ليس بنغف.
وروى مسلم عن النواس بن سمعان في حديثه الذي رواه في الدجال: " ويبعث الله يأجوج ومأجوج فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة " . ومعنى قوله: فَرْسَى، قتلى وقيل للواحدة: فريس من فرس الذئب الشاة وافترسها.
حكاية الهامة روى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قال: كنت عند كعب الأحبار، وهو عند عمر بن الخطاب، فقال كعب الأحبار: يا أمير المؤمنين ألا أخبرك بأغرب شيء رأيته في كتب الأنبياء؟ إن هامةً جاءت إلى سليمان بن داود عليهما السلام فقالت: السلام عليك يا نبي الله.
فقال: وعليك السلام يا هامة، أخبريني كيف لا تأكلين من الزرع؟ قالت: يا نبي الله، إن آدم أخرج من الجنة بسببه.
قال: فكيف لا تشربين الماء؟ قالت: لأنه غرق فيه قوم نوح، فمن أجل ذلك لا أشربه.
فقال لها: كيف تركت العمران وسكنت الخراب؟ قالت: لأن الخراب ميراث الله تعالى، فأنا أسكن ميراث الله تعالى.
قال الله تعالى: " وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً وكنا نحن الوارثين " . فالدنيا ميراث الله كلها.
قال سليمان: فما تقولين إذا جلست فوق خربة؟ قالت: أقول أين الذين كانوا يتنعمون فيها.
قال سليمان: فما صياحك في الدور إذا مررت عليها؟ قالت: أقول ويلٌ لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد؟ قال سليمان عليه السلام: فما لك لا تخرجين بالنهار؟ قالت: من ظلم بني آدم لأنفسهم.
قال: فأخبريني ما تقولين في صياحك؟ قالت: أقول تزودوا يا غافلون وتهيئوا لسفركم، سبحان خالق النور.
فقال سليمان: ليس في الطيور طير أنصح لابن أدم ولا أشفق عليه من الهامة، وما في قلوب الجهال أبغض منها، والهامة بتخفيف الميم، على المشهور طير الماء، انتهى.
فائدة اليحمور: حمار الوحِش، وفي كتاب العرائس لأبي الفرج الجوزي: أن بعض طلبة العلم خرج من بلاده فرافقه شخص في الطريق فلما كان قريباً من المدينة التي قصدها قال له ذلك الشخص: قد صار لي عليك حق وذمة، وأنا رجل من الجان ولي إليك حاجة.
قال: وما هي؟ قال: إذا أتيت مكان كذا وكذا فإنك تجد فيه دجاجات بينهن ديك أبيض فاسأل عن صاحبه واشتره منه، واذبحه، فهذه حاجتي إليك.
قال: فقلت له: يا أخي وأنا أيضاً أسألك حاجة؟ قال: وما هي؟ قلت: فإذا كان للإنسان مارد لا تعمل فيه العزائم وألح بالآدمي منا ما دواؤه.
قال: يؤخذ له وتر قدر شبر من جلد اليحمور ويشد به إبهام المصاب من يده شداً وثيقاً، ثم يؤخذ له من دهن السذاب البري ويقطر في أنفه الأيمن أربعاً وفي الأيسر ثلاثاً فإن الماسك به يموت ولا يعود إلى أحد بعده.
قال: فلما دخلت المدينة أتيت إلى ذلك المكان فوجدت الديك لعجوز، فسألتها بيعه، فأبت، فاشتريته منها بأضعاف ثمنه، فلما اشتريته وملكته تمثل لي من بعيد وقال بالإشارة: اذبحه، فذبحته فخرج علي عند ذلك رجالٌ ونساء، فجعلوا يضربونني ويقولون: يا ساحر. فقلت: لست بساحر. فقالوا: إنك منذ ذبحت الديك أصيبت شابة عندنا بجني. وإنه منذ مسكها لم يفارقها.
فطلبت منهم وتراً قدر شبر من جلد يحمور وشيئاً من دهن السذاب البري، فأتوا بهما فشددت إبهامي يدي الشابة شداً وثيقاً، فلما فعلت بها ذلك صاح قائلاً: وأنا علمتك على نفسي، ثم قطرت من الدهن في أنفها الأيمن أربعاً وفي الأيسر ثلاثاً فخر من قوته ميتاً، وشفى الله تلك الشابة ولم يعاودها بعدها شيطان.
الحاكم بأمر الله وصاحب البستان وحكى القاضي شهاب الدين فضل الله في كتابه مسالك الأنصار في ممالك الأمصار، في ترجمة الحاكم بأمر الله أبي علي منصور، قال: بينما هو في موكبه قبلي بركة الحبش، إذ مر برجل على بستان له وحوله عبيده، فاستسقاه ماء فسقاه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، قد أطمعتني في السؤال، فإن رأى أمير المؤمنين أن يكرمني بنزوله لأحظى بتمام السعد؟ فأجابه لذلك ونزل بجيشه، فأخرج الرجل مائة بساط ومائة نطع ومائة وسادة ومائة طبق فاكهة ومائة جام حلوى ومائة زبدية سكرية، فبهت الحاكم وقال: أيها الرجل، خبرك عجيب، هل علمت بنا فأعددت هذا؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، وإنما أنا تاجر من رعيتك لي مائة محظية، فلما أكرمتني بالنزول عندي أخذت من كل واحدة شيئاً من فرشها وزائد أكلها وشربها، فإن لكل واحدة في كل يوم طبق طعام وطبق فاكهة وجام حلوى وزبدية شراب.
فسجد أمير المؤمنين شكراً لله تعالى وقال: الحمد لله الذي جعل في رعايانا من يسع حاله هذا، ثم أمر له بما، في بيت المال من الدراهم المضروبة في تلك السنة، فكانت ثلاثة آلاف ألف وسبعمائة ألف، ولم يركب حتى أحضرها وأعطاها للرجل وقال له: استعن بهذا على حالك ومروءتك، ثم ركب وانصرف.
سخاء البرامكة حكى أبو إسحاق إبراهيم الموصلي قال: دعاني يحيى ابن خالد، فدخلت عليه، فوجدت الفضل وجعفراً ولديه جالسين بين يديه فقال لي: يا أبا إسحاق أصبحت اليوم مهموماً فأردت الصبوح لأتسلى فغن لي صوتاً لعلي أرتاح له فغنيته:
إذا نزلوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فما خلقت إلا لجود أكفهم ... وما خلقوا إلا لأعواد منبر
فسر وارتاح وأمر لي بمائة ألف، وأمر لي كل واحد من ولديه بمائة ألف فحمل المال جميعه بين يدي فأخذته وانصرفت.
وحكي عن مخارق قال: أصبحت السماء مغيمة وأصبح الرشيد مع حريمه وأمرنا بالإنصراف، وأذن لنا أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام، فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم الموصلي، فأعرف خبره، ثم أعود وأمرت من عندي أن يهيئوا لي مجلساً إلى وقت رجوعي، فجئت إلى دار إبراهيم، وقلت للبواب: أخبر أستاذك فأخبره، فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس في رواق وبين يديه قدر تغرغر وأباريق تزهر وستارة منصوبة والجواري خلفها، فقلت: ما بال الستارة لا أسمع من ورائها صوتاً؟ فقال: اقعد ويحك أصبحت على ما ترى، فأتاني خبر ضيعة بيعت بجواري، وقد كنت طلبتها زماناً، وتمنيتها فلم أملكها، وقد أعطي فيها الآن مائة ألف.
فقلت: وما يمنعك منها، وقد أعطاك الله أضعاف هذا المال؟ قال: صدقت، ولكن نفسي غير طيبة بإخراج هذا المال. وقال: خذ هذا القضيب، ونفر بقضيب في يده على المدورة وألقى علي:
نام الخليون من وهمٍ ومن سقمٍ ... وبت من كثرة الأحزان لم أنم
يا طالب الجود والمعروف مجتهداً ... أعمد ليحيى حليف الجود والكرم
قال: فأخذته وأحكمته ثم قال: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، وادخل عليه وحدثه بما رأيت، واذكر الضيعة وعرفه أني صنعت له هذا الصوت، فأعجبني، ولم أجد من يستحقه إلا جاريته دنانير، وإنني ألقيته عليك لتلقيه عليها، وائتني بما يكون من الخبر.
قال: فجئت إلى الباب واستأذنت وأعلمته، فأمر بنصب الستارة، وألقيت الصوت على الجارية مراراً حتى أحكمته، فقال لي: تقيم عندنا أو تنصرف؟
قلت: أنصرف أطال الله بقاء مولانا الوزير.
فقال: يا غلام، احمل معه عشرة آلاف، واحمل إلى إبراهيم مائة ألف.
فحملت مالي وأتيت إلى منزلي فنثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدر، وأكلت وشربت بقية يومي، فلما أصبحت قلت: والله لأذهبن إلى أستاذي وأعرفن خبره، فأتيت ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه بالأمس. فقلت له: ما الخبر، ألم يأتك المال؟ قال: نعم، غير أنه لما دخل منزلي بخلت نفسي بإخراجه، وألقى عليه صوتاً آخر أتيت به الفضل بن يحيى وحدثته بما كان من أبيه بالأمس، فأمر أن يحمل معي عشرون ألفاً، ولإبراهيم مائتا ألف، وفعلت مثل ما فعلت بالأمس، وغدوت إليه لما أصبحت، فوجدته على مثل حاله بمثل عذره، وألقى علي صوتاً غيره، وأتيت به جعفر بن يحيى، وأخبرته بما كان من أبيه وأخيه، فأمر أن يحمل معي ثلاثون ألفاً وإلى إبراهيم ثلاثمائة ألف. فحملته معي إليه، فبكى إبراهيم وقال: وصلت إلي ستمائة ألف وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، فعلى مثل هؤلاء يبكى، فرحم الله أرواحهم أجمعين.
؟
إسحاق الموصلي يتطفل قال إسحاق: غدوت يوماً وأنا منحصر من ملازمة أمير المؤمنين، فعرضت نفسي على أن أطوف في الصحراء وأتفرج، وقلت لغلماني: إذا جاء رسول الخليفة أو غيره فلا تعرفوه مكاني، فطفت وعدت وقد حمى النهار، فوقفت في فضاء أستريح، فلم ألبث أن جاء خادم يقود حماراً فارهاً، وعليه جارية راكبة عليها فاخر الثياب، ورأيت لها قواماً حسناً وظرفاً فائقاً، فحدثت نفسي أنها مغنية، ثم أدخلت الدار التي أنا واقف عليها ثم لم ألبث أن جاء شابان جميلان واستأذنا فأذن لهما فدخلا، ودخلت معهما فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب البيت أنني معهما.
وجلسنا، فأتي بالطعام، فأكلنا وبالشراب فوضع، ودخلت الجارية في يدها عود فغنت وشربنا، فسألهما صاحب المنزل عني فأخبراه أنهما لا يعرفاني فقالوا: هذا طفيلي لكنه ظريف، فأجملوا عشرتي فشربنا ودار الكأس، فغنت الجارية تقول:
ذكرتك إذ مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح
من المؤلفات الرمل أدماء حرةٌ ... شعاع الضحى من وجهها يتوضح
فأدته أداء حسناً. ثم غنت صوتاً من القديم والحديث تقول:
قل لمن صد عاتباً ... ونأى عني جانبا
قد بلغت الذي أرد ... ت، وإن كنت لاعبا
فاستعدته منها لأصححه عليها فأقبل علي أحد الرجلين يعنفني ويقول: ما رأينا طفيلياً أصفق وجهاً منك لم ترض بالتطفل حتى اقترحت، وهذا غاية المثل: طفيلي ويقترح.
فأطرقت وجعل صاحبه يكفه وهو لا يلتفت، ثم قاموا إلى الصلاة وتأخرت بعدهم قليلاً، وأخذت عود الجارية وشددت طبقته وأصلحته إصلاحاً محكماً، وعدت إلى موضعي وعادوا، وأخذ ذلك الرجل في عربدته علي وأنا صامت، وأخذت الجارية العود وجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من جس عودي؟ قالوا: ما جسه أحد.
قالت: بلى والله لقد جسه حاذق متقدم وشد طبقته، وأصلحه إصلاح متمكن من الصناعة.
قلت لها: أنا.
فقالت: بالله خذ واضرب.
فأخذته وضربت ضرباً عجيباً فيه نقرات محركة، فما بقي منهم أحد إلا وثب وجلس بين يدي، وقال صاحب المجلس: أقسم بالله أن لك في هذه الصناعة أصواتاً غريبة، فبالله عليك إلا عرفت بنفسك؟ فقلت: أنا إسحاق الموصلي، ووالله إني لأتيه على الخليفة إذا طلبت وأنتم ترون صاحبكم هذا يسمعني ما أكرهه لكوني تأدبت معكم، ودخلت عندكم، والله لا نطقت بحرف، ولا جلست حتى تخرجوا هذا الممقوت.
فقال له صاحبه: من مثل هذا خفت عليك.
وأخذوا بيده وسحبوه وأخرجوه وعادوا فبادرت وغنيت الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فقال لي الرجل: هل لك في خصلة؟ قلت: ما هي؟ قال: تقيم عندنا أسبوعاً والمكافأة الجارية والجهاز لك. قلت: نعم أفعل.
وأقمت عنده أسبوعاً لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل حين وكل موضع، ولم يقع أحد على خبري، فلما انقضت الأيام تسلمت الجارية والجهاز والخادم، وجئت بذلك إلى منزلي، وركبت من وقتي إلى المأمون فلما رآني قال: يا أبا إسحاق ويحك، أين كنت؟
فأخبرته الخبر فقال: علي بالرجل الساعة. فدللتهم على موضعه، فأحضره وسأله المأمون فأخبره بالقصة، فقال: أنت ذو مروءة، وسبيلك أن تعان عليها وأمر له بمائة ألف، وقال له: لا تعاشر ذلك النذل المعربد.
يزيد والأحوص بن جعفر ومن كلام الأحوص في حضرة يزيد، غنته جارية بين يديه:
إذا رمت عنها سلوة قال شافعٌ ... من الحب ميعاد السلو المقابر
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ود، يوم تبلى السرائر
فطرب يزيد وقال:لمن الشعر؟ قالت: لا أدري.
قال: ابعثوا إلى الزهري، وكان قد ذهب من الليل شطره فأتي به فلما صعد إليه قال: لا بأس عليك، لن ندعوك إلا لخير، فجلس وسأله عن قائل هذا الشعر؟ فقال الأحوص.
قال: ما فعل به؟ قال: قد طال حبسه، فأمر بتخلية سبيله، وأن يدفع له أربعمائة دينار، ثم قدم عليه بعد ذلك فأجازه وأحسن إليه إحساناً جزيلاً، وكانت المغنية جارية يزيد بن عبد الملك.
الرشيد في منزل إبراهيم الموصلي وحكى مسرور الخادم أن الرشيد قصد الركوب في غير عادته، فقلت له: أين تريد يا أمير المؤمنين في هذا الوقت؟ قال: إلى منزل إبراهيم الموصلي.
قال: فمضى حتى انتهى إلى منزل إبراهيم الموصلي، فخرج وتلقاه وقبل حافر حماره، وقال: يا أمير المؤمنين في مثل هذه الساعة تظهر؟ قال: نعم، شوق طرق بي إليك. ثم نزل وجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيدي استنبطنا شيئاً نأكله قبل الشراب.
قال: نعم. فجاء بمطعوم كأنما كان معداً له، فأصاب منه يسيراً، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال له الموصلي: يا سيدي أغنيك أم تغنيك إماؤك؟ قال: بل الجواري.
فخرجت جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال إبراهيم: أيضربن كلهن أم واحدة واحدة؟ فقال: بل يضربن اثنتان اثنتان، وواحدة واحدة تغني.
قال: فضربن اثنتان وغنت واحدة منهن، فقالت:
إذا دعا باسمها داعٍ يحدثني ... كادت لها مهجتي من حرها تقع
لو أن لي صبرها أو عندها جزعي ... لكنت أعقل ما آتي وما أدع
لا أحمل اللوم فيها، والغرام بها ... ما كل